الهروب الجماعي الكبير.. حين يصبح البحر أرحم من الوطن

Cover Image for الهروب الجماعي الكبير.. حين يصبح البحر أرحم من الوطن
نشر بتاريخ

مرة أخرى يبتلع البحر أبناء هذا الوطن، ومرة أخرى تفجع أمهات في فلذات أكبادهن، ومرة أخرى تختزل المأساة في أرقام باردة وبلاغات مقتضبة وتصريحات لا تغير من الواقع شيئا، غير أن الحقيقة أكبر من حادث عابر، وأشد فداحة من أن تختزل في لفظة “هجرة غير نظامية” أو “مغامرة فردية”.

إنها مأساة وطنية وسياسية وأخلاقية، وشهادة دامغة على واقع لم يعد قادرا على إقناع شبابه بالبقاء، ولا على منحهم الحد الأدنى من الأمل في غد كريم. وحين يختار شاب في مقتبل العمر أن يركب أمواج البحر في ظلمة الليل، مدركا أنه قد يكون قبره، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: لماذا هاجر؟ بل: أي واقع هذا الذي جعل الموت احتمالا أهون من الحياة فيه؟

أي وطن هذا الذي يضيق بأبنائه حتى يصير البحر، بكل رعبه وغدره، أرحم في نظرهم من بر لا يجدون فيه عملا ولا إنصافا ولا كرامة؟ وأي سياسة هذه التي تنفق على الواجهات أكثر مما تنفق على الإنسان، وتراكم المشاريع والأرقام والخطب، بينما يستمر نزيف الشباب من القرى والمدن والأحياء الهامشية نحو المجهول؟

إن الشباب الذين يرحلون في قوارب الموت لا يهربون من أرضهم حبا في الغربة، ولا يكرهون وطنهم لأنهم فقدوا الانتماء إليه، بل لأنهم يشعرون أن الوطن قد خذلهم، وأن أبوابه أغلقت في وجوههم، وأن ثرواته لا تصل إليهم، وأن قراره لا يستشارون فيه، وأن كرامتهم لا تجد من يحميها.

الهجرة السرية ليست قدرا.. إنها نتيجة سياسات

من السهل على الخطاب الرسمي أن يرد المأساة إلى “شبكات التهريب” أو إلى “إغراء الخارج” أو إلى “تهور بعض الشباب”، لكن هذا التفسير وإن احتوى جزءا من الحقيقة، يخفي جوهر القضية ويبرئ السياسات التي صنعت شروط اليأس.

فشبكات التهريب لا تخلق الإحباط من العدم، ولا تنتج البطالة، ولا تفرغ المدرسة من وظيفتها، ولا تمنع الشباب من الاستفادة من ثروات بلدهم، ولا تصادر حقهم في التعبير والتنظيم والمشاركة. إنما تنمو هذه الشبكات حيث يشتد البؤس، ويتسع الإقصاء ويغيب الأمل، ويصبح الطريق إلى الخارج، مهما كان محفوفا بالموت، أكثر إغراء من طريق داخلي مسدود.

إن الهجرة السرية هي حصاد سنوات من اختيارات أفرغت التنمية من معناها الإنساني، وجعلت الاقتصاد مجالا لتضخم الأرباح عند قلة محظوظة، بينما تترك الفئات الواسعة لتصارع الغلاء والديون والهشاشة وتقلب الأسواق، وهي ثمرة تعليم لا يحرر العقل ولا يفتح آفاق العمل، وسياسات تشغيل لا تنصف الكفاءة، وإدارة تظل فيها المحسوبية والزبونية والولاء أقصر الطرق إلى الفرص.

فماذا ننتظر من شاب درس سنوات، ثم وجد نفسه عاطلا؟ وماذا ننتظر ممن يملك مهارة أو شهادة، لكنه يرى أن موقعه في المجتمع لا تحدده كفاءته ولا جهده، بل تحدده شبكة العلاقات وقربه من دوائر النفوذ؟ وماذا ننتظر من أبناء الأحياء المهمشة والقرى المنسية، حين يرون ثروات بلدهم تمر من أمامهم ولا تترك لهم إلا الفتات؟

إن من يترك الشباب بلا شغل، وبلا أفق، وبلا حماية اجتماعية، وبلا مشاركة سياسية حقيقية، ثم يلومهم على الهروب، كمن يدفع إنسانا إلى حافة الهاوية ثم يحاسبه لأنه سقط.

الهروب استفتاء صامت على شرعية الواقع

حين يصوت المواطن في الانتخابات، قد تفرغ صوته من مضمونه بالتلاعب أو الإحباط أو فقدان الثقة، لكن حين يصوت الشاب بقدميه، ويغادر وطنه في قارب موت، فإن ذلك صوت لا يمكن تزويره ولا تجاهله. إنه استفتاء صامت وقاس على واقع الحكم، وعلى طبيعة السياسات، وعلى جدوى المؤسسات التي يفترض أنها وجدت لخدمة الناس.

إن هجرة الشباب بهذا الحجم ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل إعلان سياسي بأن العقد بين المجتمع والدولة أصابه تصدع عميق، فالدولة التي لا توفر لأبنائها شروط العيش الكريم، ولا تفتح أمامهم أفقا للعمل والعدالة والمشاركة، تفقد تدريجيا قدرتها على طلب الثقة منهم أو مطالبتهم بالصبر.

الشرعية لا تختزل في النصوص والشعارات والطقوس الرسمية، وإنما تبنى في حياة الناس اليومية؛ في مدرسة تحفظ كرامة التلميذ، وفي مستشفى يعالج الفقير، وفي محكمة تنصف المظلوم، وفي إدارة لا تهين المواطن، وفي اقتصاد يفتح أبواب الرزق، وفي سياسة تسمح للناس أن يقولوا رأيهم ويحاسبوا من يحكمهم.

أما حين يصبح المواطن مجرد رقم في سجل انتخابي أو ملف إداري أو موضوعا لحملات التجميل الإعلامي، وحين يصبح الشباب عبئا أمنيا بدل أن يكونوا طاقة بناء، وحين تقدم المشاريع بلا مساءلة حقيقية عن أثرها في حياة الناس، فإن الثقة تنكمش، واليأس يتسع، والهجرة تتحول إلى رد عملي على عجز الخطابات.

إنجازات بلا أثر.. دولة تتزين وتنسى الإنسان

ليس مشكل هذا البلد في ندرة الإمكانات وحدها، بل في طريقة تدبيرها وتوزيعها، وفي ترتيب الأولويات الذي يجعل الإنسان آخر الاهتمامات. فالحديث عن الإنجازات لا معنى له إذا ظل المواطن البسيط لا يلمس أثرها في يومه، ولا يجدها في مدرسته أو مستشفاه أو فرص عمله أو سكنه أو عدالة الإدارة التي يتعامل معها.

ما قيمة الأرقام الكبرى إذا كان الشاب عاجزا عن بناء مستقبل؟ وما جدوى الشعارات التنموية إذا كانت القرى تفتقر إلى أبسط الخدمات، والأحياء الشعبية تغرق في الهشاشة، والأسر تستنزفها كلفة العلاج والتعليم والسكن؟ وما معنى الحديث عن دولة المؤسسات إذا كانت المحاسبة انتقائية، والفساد يتكرر، والمال العام لا يصان كما ينبغي، والمواطن لا يعرف من المسؤول عن فشله ولا كيف يحاسبه؟

لقد صار كثير من المواطنين يشعرون أن الدولة حاضرة بقوة حين يتعلق الأمر بالضبط والمنع والمراقبة، لكنها تتراجع أو تتأخر حين يتعلق الأمر بالإنصاف والرعاية وحماية الحقوق. وهذا اختلال خطير؛ لأن القوة الحقيقية للدولة لا تقاس بقدرتها على السيطرة، بل بقدرتها على إقامة العدل وصون كرامة المجتمع.

إن الدولة العادلة لا تخاف من شعبها، ولا تعتبر مطالب الناس تهديدا، ولا تجعل من النقد خصومة، ولا من الاحتجاج تهمة. الدولة العادلة تصغي، وتتحمل المسؤولية، وتصحح أخطاءها، وتفتح باب المحاسبة أمام الجميع، لأن الحكم أمانة لا ملكية خاصة، ولأن السلطة تكليف لا تشريف.

الوعود المنسية.. أزمة الثقة في العمل السياسي

لقد فقدت فئات واسعة من الشعب ثقتها في العمل السياسي، لا لأنها ترفض السياسة، بل لأنها رأت السياسة تتحول عند كثيرين إلى موسم للوعود، ثم إلى صمت وتبرير وتنافس على المواقع والمكاسب.

كم من خطاب انتخابي وعد بالتشغيل والعدالة ومحاربة الفساد؟ وكم من حزب خاطب الفقراء بلسانهم، واستعمل جراحهم سلما إلى المقاعد، ثم نسيهم بعد الوصول؟ وكم من مسؤول جعل من شعارات التغيير غطاء للاندماج في منطق الامتيازات، بدل أن يجعل من موقعه منبرا للدفاع عن المظلومين؟

إن أخطر ما أصاب الحياة العامة هو انفصال السياسة عن الأخلاق. فعندما تصبح السلطة بلا رقابة، والمنصب بلا محاسبة، والوعود بلا وفاء، فإن الشأن العام يتحول إلى سوق للمساومة، ويصبح المواطن مجرد وسيلة لبلوغ النفوذ.

السياسة، في معناها النبيل، هي خدمة الناس وحراسة مصالحهم وإقامة العدل بينهم. أما إذا تحولت إلى وسيلة لتدبير المصالح الضيقة، وحماية الامتيازات، وإسكات الأصوات، وتوزيع المنافع على المقربين، فإنها لا تنتج إلا القهر وفقدان الثقة.

ولا تغيير حقيقي من دون إعادة الاعتبار للأمانة السياسية؛ أمانة الكلمة، وأمانة المال العام، وأمانة المسؤولية، وأمانة الوقوف إلى جانب المستضعفين. فالمسؤول لا يقاس بما يقوله في المنابر، بل بما يرفعه من ظلم عن الناس، وما يفتحه من أبواب للرزق والعدل، وما يتحمله من مساءلة حين يقصر أو يخطئ.

تنمية لا تصل إلى الإنسان

إن جوهر الأزمة ليس اقتصاديا فقط، بل هو أزمة عدل. عدل في توزيع الثروة، وعدل في توزيع الفرص، وعدل في الوصول إلى القرار، وعدل في المحاسبة.

ليس مقبولا أن تتكدس الخيرات في أيدي فئة محدودة، فيما تعيش فئات واسعة تحت ضغط الحاجة والديون والهشاشة. وليس مقبولا أن يظل الفقير يدفع من قوته ثمن الأزمات، بينما يجد أصحاب النفوذ دائما من يحمي مصالحهم. وليس مقبولا أن تتحول الكفاءة إلى قيمة ثانوية أمام الوساطة والانتماء والقرابة والولاء.

العدل ليس كلمة تزين الخطب، ولا مطلبا مؤجلا إلى مستقبل مجهول. العدل هو أساس الاستقرار، وشرط السلم الاجتماعي، وميزان شرعية الحكم. فحين يشعر الناس أن حقوقهم مصانة، وأن القانون يسري على الجميع، وأن أبواب الرزق مفتوحة بالكفاءة والعمل، يستطيع المجتمع أن يصبر ويتعاون ويبني. أما حين يشعرون أن الظلم أصبح قاعدة، وأن المحاسبة استثناء، وأن الثروة والسلطة تحتكران بعيدا عن إرادتهم، فإن الاحتقان يصبح نتيجة طبيعية.

ولا معنى للحديث عن التنمية إذا لم يكن الإنسان غايتها الأولى. التنمية التي لا تطعم الجائع، ولا تشغل العاطل، ولا تعالج المريض، ولا تحفظ كرامة العامل، ولا تمنح الشباب مكانهم الطبيعي في المجتمع، ليست تنمية مكتملة؛ إنها أرقام قد تلمع في التقارير، لكنها لا تنير واقع الناس.

انتخابات بلا صلاحيات.. إعادة إنتاج للعجز

إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتبديل الوجوه مع بقاء القواعد نفسها، ولا بإصلاحات جزئية تستخدم لتسكين الغضب ثم تفرغ من مضمونها. المطلوب تحول حقيقي يجعل الشعب شريكا في القرار، لا مجرد متلق له.

الشورى الحقيقية تعني أن يكون للمواطنين الحق الفعلي في اختيار من يدبر شؤونهم، وفي مراقبتهم ومحاسبتهم، وفي تغييرهم حين يفشلون. وتعني أن تكون المؤسسات ذات صلاحيات حقيقية، وأن لا تتحول الانتخابات إلى مجرد طقس دوري يعيد إنتاج العجز نفسه، وأن لا تبقى الإرادة الشعبية محاصرة بين الإحباط والتوجيه والشك في الجدوى.

والمحاسبة الحقيقية تعني أن لا أحد فوق القانون، وأن لا حصانة للفساد أو لتبديد المال العام أو لاستغلال النفوذ. كما تعني أن يعرف الناس كيف تصرف الأموال العمومية، ومن يتخذ القرارات، وما نتائج السياسات، وأن يجدوا آليات عادلة ومستقلة لمساءلة من يخطئ أو يقصر.

إن الشعوب لا تطلب المستحيل؛ تطلب أن تعامل بكرامة، وأن تسمع أصواتها، وأن ترى أثر ثرواتها في حياتها، وأن تشعر أن أبناءها لن يضطروا إلى الهروب عبر البحر بحثا عن حقهم في الحياة.

إلى الشباب.. حياتكم ليست وقودا لليأس

أيها الشباب، إن وجعكم حقيقي، وغضبكم مفهوم، وشعوركم بالاختناق في واقع لا يفتح أمامكم الأبواب ليس وهما ولا دلالا. لكن حياتكم أعظم من أن تسلم للموج، وأغلى من أن تصبح فريسة لتجار الهجرة والوعود الكاذبة.

إن قارب الموت لا يمنح الكرامة، بل ينقل الإنسان من قهر إلى خطر، ويترك وراءه أمهات معلقات بين الدعاء والانتظار والفاجعة. وإن أقسى ما يريده واقع الظلم من الشباب هو أن ييأسوا، وأن يتفرقوا، وأن يقتنعوا بأن لا جدوى من العمل المشترك ومن المطالبة السلمية بالحقوق.

فلا تجعلوا اليأس قدرا، ولا تتركوا مستقبل البلد لمن لا يشعر بوجعكم. إن أقوى جواب على الإقصاء هو الوعي والتنظيم والتضامن والصبر، والدفاع السلمي والمسؤول عن الحق في العمل والحرية والكرامة والعدالة. فالأوطان لا تتغير بالهروب منها، بل بإرادة أبنائها حين يحولون الألم إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى قوة مجتمعية تفرض الإصلاح.

كلمة أخيرة.. الوطن يبنى بالعدل لا بالخوف

إن فاجعة البحر ليست حادثة تخص أسر الضحايا وحدهم؛ إنها قضية مجتمع بأكمله. إنها سؤال موجه إلى كل مسؤول، وكل مؤسسة، وكل حزب، وكل من يملك قرارا أو كلمة أو موقعا: ماذا فعلتم حتى لا يضطر شباب الوطن إلى الهرب منه؟

إن استمرار النزيف ليس حتميا، فالباب لا يزال مفتوحا إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة: إرادة تضع الإنسان قبل الواجهة، والعدل قبل الامتياز، والمحاسبة قبل التبرير، والشورى قبل الانفراد بالقرار.

فإما أن يبنى وطن يحتضن أبناءه بالكرامة والعدل والحرية، فتتحول طاقاتهم إلى بناء ونهضة؛ وإما أن يستمر منطق الإقصاء والاستبداد والفساد، فيبقى البحر يبتلع أحلام الشباب، وتبقى الأمهات يدفعن ثمن سياسات لم يستشرن فيها.

إن الوطن لا يصان بالشعارات، ولا يبنى بالخوف، ولا يستقر بالإقصاء. الوطن يصان حين يكون العدل قاعدة، والكرامة حقا، والشعب مصدر القرار، والمسؤول خادما للأمانة لا متملكا لها.