في الاصطلاح الصوفي، “الوِرد” هو وظيفة يومية يلتزم بها السالك إلى الله تعالى من الأذكار والأدعية والتلاوة في وقت محدد وبعدد أو مقدار معلوم، بإذن الشيخ المصحوب، قصد تزكية النفس وتأهيل القلب لاستقبال الأنوار القدسية، أنوار القرب من الله تعالى. وللورد سند في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”. والدوام معناه تكرار عدد العبادة يوميا. وهذا هو معنى الورد 1.
وقد أدرك السادة الصوفية سر المداومة على الأذكار، وأثرها في تعاقب أنوار الليل والنهار على قلب المريد، فلزموها وألزموا بها تلامذتهم. يُروى عن الجنيد رحمه الله أنه سئل: “نراك تحافظ على أورادك وأنت شيخ؟” فقال: “طريق وصلنا بها إلى الله فلا نتركها”.
ويقصدون بالوصول إلى الله تعالى بلوغَ مقام الإحسان، أي أن يعبد العبدُ ربَّه كأنه يراه. فإذا ترقّى إلى هذا المقام وصار وليًّا محبوبا عند الله تعالى، تحققت له معاني القرب والتوفيق التي عبّر عنها الحديث القدسي الصحيح المعروف بحديث الولاية، حيث جاء فيه: “من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها…” 2.
وقد استقر عند القوم القول على أنه: “من لا وِرد له لا وارد له”. أي من لا ورد ثابتا له فلا وارد على قلبه من أنوار وفتوحات ومواهب إيمانية.
إن المداومة على الورد من أوضح دلائل صدق المريد، فما أصدق من طالبٍ يطرق باب مولاه كل يوم وليلة، شهرا بعد آخر، وسنة بعد أخرى، لا يمل ولا يفتر، مهما داهمته مغريات الدنيا أو نزلت به مصائبها، ومهما طال انتظار المقصود، يظل وفيا لوعده اليومي مع الله، لا يقطع ورده ولا يخلف ميعاده. فقد يصدق المرء لحظة، لكن الأوراد تشهد في عمقها لصدق عُمْرٍ بأكمله. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
وللصحبة دور جوهري في غرس الورد وتثبيته في قلب السالك، فالمصحوب هو المُسلّك المأذون الذي يمنح الورد خاصيته السلوكية: أن ينقله من ورد الأجر والثواب إلى ورد القرب والنفاذ. وفي هذا المعنى يُنقل عن الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله قوله: “عليكم بذكر الله، فإن الذكر مغناطيس الوصل وحبل القرب. يثبت ذكر الله في القلب ببركة الصحبة، والمرء على دين خليله. صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم قاتل”. رزقنا الكريم الوهاب حُسنَ الظن بأوليائه الصادقين الناصحين.
جاء في كتاب العدل للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله فصل بعنوان: “الورد السياسي الأخلاقي للحركة الإسلامية”، وهو الفصل الأول ضمن باب: “ماذا يريد الإسلاميون؟”. وليست استعارة كلمة “الورد” -بما تحمله من مضمون تربوي وسلوكي بارز- مجرد تزيين لغوي، ولا سيما أنها تصدر عن رجل السلوك والتربية بمقام الإمام، بل تحيل إلى دلالات تربوية مقصودة، تجعل الفعل السياسي داخل المقصد السلوكي لا خارجه.
ذلك أن الإمام ياسين وهب حياته لقضية مركزية، هي إحياء السلوك الجهادي، داعيا الى الارتقاء بالسلوك الصوفي من دائرة الخلوة والانزواء إلى السلوك الأكمل على مثال الصحابة رضوان الله عليهم، الذين ساروا إلى ربهم على منهاج النبوة، فجمعوا الخير من أطرافه: خير الصحبة والذكر والمجاهدة، وخير الجهاد في سبيل الله ونصرة المستضعفين.
يقول في كتاب الإحسان: “يقود إلى الشهادة وإلى الصّدّيقية رجالا نذروا حياتهم لله، ولم يلتفتوا إلى غير الله حتى لقوا مصرعهم وهم في ساحة القتال أو في ساحة تدبير الجهاد وإصلاح شأن الأمة” 3. وتشي هذه العبارة ببشرى بالغة الدلالة في تصور الإمام للحركة الإسلامية، إذ تفيد أن الصديقية لا تنال حصرا في خلوات الذكر والمجاهدة، بل ترتجى كذلك في ساحات السياسة حين تمارس بوصفها تدافعا وتدبيرا لإصلاح شأن الأمة. فللسياسة في هذا الأفق واردات نورانية لمن هيأ لها إناء التلقي بنية طلب وجه الله تعالى، ولزم وردها بإخلاص وتجرد.
كما يوضح في الكتاب نفسه، وهو يعقد مقارنة بين الجهاد السياسي والجهاد القتالي عند تعيّنه، “أن الجهاد القتالي، إن تعين، لا يعفي من الجهاد السياسي قبله وبعده، بل قد يكون الجهاد السياسي التربوي البنائي أشد كلفة وأطول نفسا وأعمق امتحانا، لأنه يحتاج إلى صبر طويل، ومرابطة مستمرة، ورفق في التدبير، بخلاف القتال الذي قد تهون مشقته على بعض النفوس بما تستثيره ريح الشهادة وما يصاحبها من كرامات التأييد الإلهي، فيكون صبره صبر ساعة وصبر الإصابة. وهكذا يغدو كلا الجهادين مرقاة إحسانية، ومدرسة تربوية، وامتحانا يوشح القرآن وتوشح السنة صدور مستحقيه بأوسمة الفلاح الأبدي” 4. ولنتأمل، في ضوء هذا البيان، قوله إن الجهاد السياسي هو أيضا مرقاة إحسانية.
لقد نقل الإمام الفعل السياسي للحركة الإسلامية من فعل تدافعي جهادي محمود إلى فعل جهادي سلوكي أسمى، يُرجى به بلوغ المقامات العظمى، مقامات أهل الله تعالى المقربين، ضمن فهمٍ عميق للسلوك النبوي الشامل الذي يصل بين تزكية الفرد وإصلاح شأن الأمة.
وهو ما تؤكده مكتوبات الإمام وسيرته، فالسياسة ليست مجالا منفصلا عن مضمار التزكية ومعاني الفتح الرباني الخاص بأهل التربية والسلوك، بل هي جزء من سلوك مأذون به، أذن به شرعنا، وأبرزه منهاج نبينا صلى الله عليه وسلم في وصل العبادة بخدمة الناس وإصلاح شؤونهم. كما أن فضل وارد الجهاد ثابت حين يكون موصولا بصحبة صادقة وذكر دائم، إذ يتحول بذل الجهد من فعل جهادي جماعي إلى معنى سلوكي يزكي القلب ويشده إلى الله، ويجعل الجهاد بمختلف ساحاته بابا من أبواب القرب الكبرى. يقول الله تعالى: لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 95].
هي معاني جليلة وبشرى عظيمة لا ينبغي لأبناء الحركة الإسلامية أن يغفلوا عنها وهم يقفون على ثغر من أخطر الثغور التي أوتيت الأمة من جهتها، وهو ثغر الحكم. فـ”ثغر الحكم” ثغرٌ حاسم في مصير الأمة، ومن ثَم فإن الوجود فيه بميزان الإحسان يحوّله إلى باب من أبواب القرب المباركة الموصلة إلى الله تعالى. فالسياسة بهذا المعنى ليست خروجا عن الورد، بل هي ورد من نوع آخر، وليست انشغالا بالدنيا، بل طلب لوجه الله تعالى في قلب الدنيا.