يعتبر الوقت من أجلِّ النعم التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان، وهو رأس ماله الحقيقي. وإذا أحسن استثماره ارتقى في مراتب النجاح، أما إذا فرط فيه فقد خسر من عمره ما لا يمكن تعويضه، إذ إن ما يمضي من العمر لا يمكنه استرجاعه، ومن هنا جاءت عناية الإسلام بالوقت عنايةً بالغة.
ورغم كل هذا فإن واقعنا يشهد تفريطا في استثماره، ويتجلى هذا بصورة أوضح في فصل الصيف، حيث يكثر الفراغ وتقل الالتزامات، فيقضي بعض الناس أوقاتهم في السهر الطويل، والإفراط في الترفيه. وتكمن أهمية هذا الموضوع في الحاجة الماسّة إلى ترسيخ الوعي بقيمة الوقت، وإبراز مكانته في حياتنا، كما تكمن أيضا في الحيز الهام الذي منحه الإسلام للوقت باعتباره نعمة وحرص على حسن استثماره، حتى يجعل الإنسان من كل مرحلة من عمره فرصةً لتنمية الذات، وطلب العلم، والعمل الصالح، وكل ذلك يدخل في صميم العبادة.
المحور الأول: الوقت… أعظم نعمة
وقت الإنسان هو تلك المدة الزمنية التي تجري خلالها حياة الإنسان، وفي حقيقته هو عمره، وهو الوعاء الذي تجري فيه أعماله، لذلك استوجب على المسلم استغلاله أحسن استغلال.
ولهذا، تتجلى أهمية الوقت في كونه أساس كل عمل، إذ إن الإنسان من طبعه إذا عرف قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وخاف ضياعه وفواته، وهذا شيء بديهي، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته كان أكثر حرصا على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه، وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يبين هذه الحقيقة بقوله: “وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشتك الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته… فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته”.
ولقد أولى القرآن والسنة بالوقت بصور عديدة، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر..
كما في قوله تعالى: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى{سورة الليل}، والفجر وليال عشر{سورة الفجر}، والضحى والليل إذا سجى{سورة الضحى}، والعصر إن الإنسان لفي خسر{سورة العصر}، وقوله أيضا: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب{سورة الشرح}.
وهي دعوة إلى عدم الاستسلام للفراغ، وأن ينتقل المسلم من عمل نافع إلى عمل نافع آخر، فيجعل حياته عامرة بالطاعة والجد والاجتهاد، بعيدًا عن الكسل وإضاعة أوقاته. ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، للدلالة على عظيم شأنه ومكانته، وما يحمله من حكمٍ وفوائد جليلة.
وقد جاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسؤول عنه يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال؛ عن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه” 1.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الوقت نعمة من نعم الله على خلقه، ولا بد للعبد من شكر النعمة وإلا سُلبت وذهبت. وشكر نعمة الوقت يكون باستعمالها في الطاعات، واستثمارها في الباقيات الصالحات.
المحور الثاني: أسباب تضييع الوقت
الإنسان الذي يعيش بلا هدف واضح، ولا يحمل رسالة يسعى إلى تحقيقها، غالبًا ما يجد نفسه يهدر أوقاته في أمور لا تعود عليه بالنفع. أما من كان له هدف سامٍ، فإنه يدرك قيمة كل لحظة من عمره، ويسعى إلى استثمارها فيما يقربه من تحقيق غايته.
وما يترتب عن غياب الهدف هو عدم إدارة الوقت، إذ يؤدي عدم وضع خطة واضحة لتوزيع المهام وتحديد الأولويات إلى ضياع الوقت في أعمال بدون أهمية، كما أن عدم تنظيم الأعمال وفق أهداف محددة يؤدي إلى تراكم المهام وتأخر إنجازها. لذلك يجب على الإنسان التخطيط المسبق لأعماله، ووضع برنامج يومي وتحديد الأولويات حسب أهميتها، فإذا غاب التخطيط، ظهر التسويف كنتيجة لذلك إذا اعتاد الإنسان تأجيل أعمال اليوم إلى الغد، فمع تكرار هذا الفعل تتراكم الأعمال، وتضيع فرص لا يمكن تعويضها. ولا يقتصر خطر التسويف على إهدار الوقت فحسب، بل يؤدي إلى التقصير في الواجبات، ناهيك عن الشعور بالندم عندما يدرك الإنسان تفريطه في الأوقات التي كان يمكن استثمارها فيما ينفعه، مما يؤدي باستمرار التسويف إلى الكسل وحب الراحة.
ورغم أن الراحة حاجة فطرية وضرورة للحفاظ على التوازن الجسدي والنفسي، وأيضا لاستعادة النشاط وتجديد القدرة على مواصلة العمل عند الاعتدال فيها، بل إنها مطلوبة إذا كانت بقدرٍ معتدل يعين الإنسان على أداء واجباته والقيام بطاعاته، إلا أن الإفراط فيها يصبح سببًا في إهدار الوقت، وتعطيل المصالح، وتأخير الأعمال، وفي ظل هذا الفراغ الناتج عن الكسل والتسويف، يندفع الناس إلى قضاء وقت طويل في وسائل التواصل الاجتماعي في التصفح ومتابعة المستجدات دون غاية محددة، حيث يؤدي هذا إلى تراجع القدرة على التركيز وإهمال الكثير من المسؤوليات والمهام، فضلًا عن استنزاف أوقات كان من الممكن توظيفها في التعلم، أو العمل، أو أداء العبادات. ولا يُقصد من ذلك هجر هذه الوسائل أو الامتناع عنها، فهي نعمة يسرت الوصول إلى المعرفة، وإنما المقصود هو معرفة استخدامها فيما يعود بالنفع، وتنظيم الوقت المخصص لها.
المحور الثالث: العطلة الصيفية واستثمار الوقت
يختلف مفهوم العطلة الصيفية لدى العديد من الناس، فمنهم من يرى أن العطلة الصيفية هي التحرر من كل الالتزامات والتسيب في الأوقات، ويراها آخرون فرصة لتدارك ما فات خلال السنة، غير أن المفهوم الصحيح للعطلة الصيفية لا يتمثل في الإفراط في اللهو أو إلغاء المسؤوليات، كما لا يقوم على الانشغال المستمر بالعمل دون راحة، وإنما يقوم على تحقيق التوازن بين الراحة واستثمار الوقت.
ويؤكد أن العطلة الصيفية ذات أهمية كبرى في حياة الإنسان، فأهميتها قد تضاهي فترة الجهد المتواصل، فهي وسيلة متميزة ليحظى المسلم ببرامج مختلفة تجمع بين التعليم والتربية والترفيه، وبناء شخصية متوازنة، ومن ثم تظهر الحاجة الماسة لوضع خطة محكمة للاستفادة من هذه الفترة الصيفية، كما يجب العمل على تغيير تلك النظرة السائدة لدى أغلب الناس من أن العطلة الصيفية هي فترة لهدر الأوقات والتحرر من كل الالتزامات، بل يجب أن نرسخ في الأذهان أن هذه الفترة الزمنية فرصة جد هامة لممارسة عدد من الأنشطة خصوصا تلك التي تسهم في بناء شخصية متوازنة لدى المسلم، وتغرس فيه حب العمل الجماعي والتعاون.
يُعد احترام الوقت من أهم المعايير التي ساهمت في تقدم المجتمعات وتنظيمها، إذ تحرص كثير من الدول على إدارة الوقت، والالتزام بالمواعيد، واستثمار ساعات العمل والتعلم بكفاءة، وفي المقابل، تعاني مجتمعات أخرى من سلوكيات تؤدي إلى هدر الوقت، مثل تأجيل الأعمال، وغياب التخطيط، وهي سلوكيات تؤثر سلبًا في الأداء الفردي والجماعي.
ولذلك أيضًا قال رسول الله ﷺ: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” 2.
ولعل العطلة الصيفية هي أوضح صورة لاجتماع هاتين النعمتين، فهي زمن يتوافر فيه الفراغ، ويكون المسلم غالبًا في أوج نشاطه البدني والذهني. ومن هنا فإن نجاح العطلة لا يقاس بعدد النزهات والرحلات، ولا بعدد الساعات التي قضاها المسلم في الترفيه، وإنما بما أضافته تلك الأيام إلى شخصيته، وإيمانه، وصحته، وعلاقاته، ومهاراته، غير أن الدعوة إلى حسن استثمار العطلة الصيفية لا تعني حرمان الإنسان من الراحة أو الترفيه، ولا تتعارض مع حاجته الفطرية إلى تجديد نشاطه، وإنما تهدف إلى ترشيد هذا الترفيه وضبطه باعتدال، حتى يؤدي وظيفته في تجديد الطاقة، دون أن يتحول إلى سبب في إهدار الوقت وإضاعة العمر.
حتى إن الإسلام لا يمنع الترفيه، بل يعتبره ضرورة لتجديد النشاط النفسي والجسدي، وقد أقره رسول الله ﷺ من خلال ممارسته الشخصية مثل مسابقة زوجه عائشة رضي الله عنها ومشاركته أصحابه في الألعاب، وغير ذلك، فلهذا فإن المسلم مطالب بأن يجعل من ترفيهه وسيلة لتجديد نشاطه، لا غاية تستحوذ على معظم وقته. إذن المطلوب هو الاعتدال، وألا يتحول الترفيه إلى أسلوب حياة يستهلك العمر كله. ولا ننسى أنه يجب على المسلم الموازنة بين العبادة والراحة.