الولد من عمل الإنسان

كثيرة هي الآيات التي تأمر بالعمل الصالح المقترن بالإيمان، ولأن هذه الأعمال متفاوتة في ثوابها، فإن الموفَّق من هُدي إلى أكثرها ثوابا، وأحبها للخالق وأنفعها للخلق.
وإن من أطيب الأعمال وأحبها إلى الله تعالى وأكثرها جراية للخير على صاحبها؛ الولد الصالح. "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" قال صلى الله عليه وسلم. ومعنى الحديث أن أطيب أكلكم بما كسبتموه بغير واسطةٍ، أو بواسطةٍ من كسب أولادكم، فالولد كسب أبيه وزرعُه. قال تعالى: ما أغنى عنه ماله وما كسب، قال ابن عباس "كسبه ولده".
فمتى وُفِّق الوالدان إلى تنشئة الولد على الخير، صار عمله من عملهما الذي لا ينقطع بموتهما، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1)، وقال: "سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته"؛ وعد منها؛ "أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته" (2).
والولد الصالح سبب في إدخال الفرح على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: "تزوجوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة" (حديث صحيح). ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفرح بالكثرة الغثائية وإنما يفرح بالنجباء الصلحاء من الذرية.
والولد الصالح سبب في نيل الدرجات يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: "من قرأ القرآن وتعلمه وعلمه وعمل به ألبس يوم القيامة تاجا من نور، ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويُكسى والداه حلتين، لا تقوم بهما الدنيا، فيقولان، بم كسينا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن" (3).
والعمل لا يكون صالحا إلا أن يكون مخْلَصا صوابا، والمخلَص من الأعمال ما أريد به وجه الله تعالى، وقد نبه القرآن إلى الاقتداء بالأنبياء في طلب الولد، فلا يكون طلبنا للذرية لمجرد التكاثر بل ينبغي أن نكون مثل سيدنا إبراهيم الذي سأل ربه رب هب لي من الصالحين، ومثل سيدنا زكرياء الذي قال: هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا. والصواب ما كان موافقا للسنة، والهدي النبوي في تربية الولد يجمله حديث عقبة بن عامر عند أبي نعيم، قال: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلام حديث السن، فقلت: بأبي أنت وأمي علم ابني دعوات يدعو الله بهن وخفف عليه، فقال: اجلس يا غلام، فأجلسه إلى جنبه وقال: قل: اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانا في حسن خلق، وصلاحا يتبعه نجاح. قال الغلام: زدني بأبي أنت وأمي، فأعادها عليه حتى قال الغلام: فهمتها.
ومن الفوائد التربوية لهذا الحديث:
- التماس المؤدب الصالح للولد.
- الحمل على التعلم في الصغر.
- الرفق بالولد والتخفيف عليه.
- الإيمان أصل، ثمرته حسن الخلق.
- صلاح الفرد مقترن بنجاح الأمة.
- التكرار في العملية التربوية ضامن لاستقرار المعلومة.
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(2) روى البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته » [حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم: 3596].
(3) رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.





