مقدمة
قلما نجد في التاريخ الإنساني منهجا تربويا منح الشباب الثقة والمسؤولية والرعاية التي منحهم إياها النبي ﷺ، فلم تكن السنة النبوية مجرد خطاب نظري، بل كانت ممارسة عملية يومية موجهة للشباب أساسها التوجيه والتقويم والتزكية، باعتبارهم رجال الغد وحملة الرسالة وإليهم يؤول أمر قيادة الأمة، فكان الشباب في عهد النبي ﷺ أكثر من حمل أعباء الرسالة من دعوة وتربية وجهاد، فخصهم ﷺ بالعناية والتربية وتوجيه الطاقات لما يخدم الأمة.
واللافت في الهدي النبوي مع الشباب أن عنايته بهم لم تكن جانبا واحدا يغلب على ما سواه، بل كانت رعاية شاملة متوازنة تحيط بالشاب من جوانب عدة: الجانب المهاري والعملي، الجانب العلمي والمعرفي، والجانب الشخصي والنفسي.
نستعرض في هذا المقال ثلاثة مواقف نبوية جامعة، تبرز كيف بنى النبي ﷺ شخصية الشباب المسلم عبر التمكين والمسؤولية، وطلب العلم، والتربية على العفة والإحصان، من خلال الحرص على تهذيب وتقويم كل جوانبهم الحياتية.
أولا: أسامة بن زيد.. الكفاءة هي المقياس لا السن
من أكثر المواقف الدالة على ثقة النبي ﷺ بطاقات الشباب هو تأميره لسيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما على جيش كامل يضم كبار الصحابة وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.
فقد جهز النبي ﷺ جيشا لغزو الروم وأمَّر عليه أسامة، فطعن بعض الناس في إمارته، باعتباره أصغر سنا منهم وأقل خبرة، فلما وصل الأمر لرسول الله ﷺ قال: “أن تَطعنوا في إمارَتِه فقد كُنتُم تَطعنونَ في إمارةِ أبيه مِن قَبلُ، وايمُ اللهِ إن كان لَخَليقًا للإمارةِ، وإن كان لَمِن أحَبِّ النَّاسِ إليَّ، وإنَّ هذا لَمِن أحَبِّ النَّاسِ إليَّ بَعدَه.” 1
والأبلغ من ذلك أن النبي ﷺ توفي ولم يتحرك هذا الجيش، فأصر خليفة المسلمين آنذاك سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، رغم اعتراض بعض الصحابة، على إنفاذ الجيش تنفيذا لأمر النبي ﷺ “فماذا قال لهم؟ قال لهم في ثبات عجيب: والله! لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن الطير والسباع من حول المدينة تخطفنا، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة… ولما رأى الصحابة إصرار أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال بعضهم لـ عمر بن الخطاب: قل له: فليؤمر علينا غير أسامة… فانتفض أبو بكر وأخذ بلحية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ “ 2
هذا الموقف النبوي لم يكن حالة استثنائية معزولة، بل كان امتدادا لسنة نبوية ثابتة في إسناد المهام الكبرى للشباب، فقد أوكل النبي ﷺ لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حمل لواء المسلمين وهو شاب في الثالثة والعشرين، ولسيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قيادة سرية وهو في العشرينيات من عمره، ولسيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مهمة استخباراتية دقيقة في غزوة الأحزاب، فالمعيار النبوي لم يكن السن، بل الكفاءة والأهلية، وهذا درس عميق لكل مربٍّ: أن يمنح الشباب الثقة قبل أن يطلب إثبات نفسه، فالثقة هي التي تصنع الكفاءة.
ثانيا: معاذ بن جبل.. القدوة في طلب العلم والاستزادة منه
كان سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه، الذي أسلم وهو في الثامنة عشرة من عمره نموذجا فريدا لشاب استثمر عمره القصير في تحصيل العلم حتى صار أعلم الصحابة بالحلال والحرام، ولم يكتف رسول الله ﷺ بتعليمه، بل زرع فيه حب طلب العلم والاستزادة منه بصورة مستمرة.
وحين أراد النبي ﷺ أن يبعث معاذا إلى اليمن داعية ومعلما وقاضيا، اختبر فيه أولا منهجه في طلب العلم والاجتهاد، فسأله: “كيف تقضي إذا عَرَض لك قضاءٌ؟ قال: أقضي بكتابِ اللهِ. قال: فإن لم تجِدْ؟ قال: فبسُنَّةِ رسولِ اللهِ. قال: فإن لم تجِدْ؟ قال: أجتَهِدُ رأيي ولا آلو. فضَرَب بيَدِه في صدرِه، وقال: الحمدُ للهِ الذي وفَّق رسولَ رسولِ اللهِ لِما يُرضي رسولَ اللهِ”. 3
كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بمنهج تدرجي في الدعوة والتعليم فقال له: “إنَّك تَأتي قَومًا مِن أهلِ الكِتابِ، فادعُهم إلى شَهادةِ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإن هُم أطاعوا لذلك فأعلِمْهُم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم خَمسَ صَلَواتٍ في كُلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، فإن هُم أطاعوا لذلك فأعلِمْهُم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم صَدَقةً تُؤخَذُ مِن أغنيائِهم فتُرَدُّ في فُقَرائِهم، فإن هُم أطاعوا لذلك، فإيَّاك وكَرائِمَ أموالِهم، واتَّقِ دَعوةَ المَظلومِ؛ فإنَّه ليس بينَها وبينَ اللهِ حِجابٌ”. 4
من خلال هذه المواقف نستخلص أن النبي المعلم لم يمنح معاذا موقعا دون أن يبني فيه أولا أداة للتفكير والاجتهاد المستقل، ولم يكتف بتلقينه العلم بل رباه على منهج أصيل في التعلم: الرجوع إلى الأصل أولا، ثم الاجتهاد عند الحاجة.
ثالثا: التعفف والإحصان.. الزواج لمن استطاع والصوم لمن لم يستطع
من أعمق ما تميزت به التربية النبوية معالجتها الواقعية لمرحلة الفتوة والشهوة، دون تجاهل لها، ودون إطلاق للعنان، فعن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: “يا مَعشَرَ الشَّبابِ، مَنِ استَطاعَ مِنكُمُ الباءةَ فليَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغَضُّ للبَصَرِ، وأحصَنُ للفَرجِ، ومَن لم يَستَطِعْ فعليه بالصَّومِ؛ فإنَّه له وِجاءٌ.” 5
هذا الحديث منهج تربوي متكامل لمواجهة الشهوة وفق مسارين لا ثالث لهما: الزواج باعتباره الحل الأمثل لما فيه من إحصان وتحقيق للاستقرار النفسي والاجتماعي، أو الصوم وهو بديل تربوي هدفه توجيه الطاقة نحو التزكية والعبادة.
ولم يقتصر الأمر على التوجيه المجرد، بل عمل النبي ﷺ على تيسير أسباب الزواج للشباب، وحض الأولياء على تزويج من صلحت حاله دون تعقيد أو مغالاة في المهور.
خاتمة
من خلال هذه المواقف التربوية تتضح معالم المنهج النبوي في التعامل مع الشباب من خلال منح الثقة والمسؤولية بحسب الكفاءة لا السن، وبناء منهج تعليمي أصيل أساسه حب التعلم لا التلقين، والتربية الواقعية المتدرجة بين تيسير الحلال والصبر عليه.
وهذه الملامح الثلاثة تشكل رؤية نبوية لصناعة جيل من الشباب الواعي المسؤول العفيف، وهي رؤية كانت ولا تزال أصلح ما يستلهم منه في معالجة قضايا الشباب اليوم.
[2] راغب السرجاني، الصاحب والخليفة أبو بكر الصديق: ج2 ص5، المكتبة الشاملة.
[3] أخرجه أبو داود (3592)، والترمذي (1328)، وأحمد (22007) باختلاف يسير.
[4] أخرجه البخاري (7372) باختلاف يسير من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ بلفظ “لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا نحو اليمن قال له”.
[5] أخرجه البخاري (5065)، ومسلم (1400).