يشكل شهر رمضان محطة اجتماعية بامتياز، لا تقتصر على البعد التعبدي الفردي، بل تمتد إلى إعادة إحياء الروابط الأسرية وصلة الرحم، بما تحمله من معاني السكينة والتسامح ولم الشمل. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه العزلة الرقمية عند الشباب، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لرمضان أن يعيد الاعتبار للعائلة ويجدد دفء العلاقات داخل البيت وخارجه؟
في هذا السياق، تحدثت مريم بن عبة، طالبة باحثة في شعبة الجغرافيا، عن موقع رمضان في ترميم العلاقات العائلية، وعن الدور المحوري الذي يمكن أن يضطلع به الشباب في إحياء صلة الرحم وما يترتب عنها من أثر مباشر في التماسك الاجتماعي.
وترى بن عبة أن رمضان يمنح العائلة فرصة نادرة لتجديد العلاقات، بل ولتجاوز ما قد يكون عالقا من قطيعة أو خصومات سابقة، معتبرة أن أجواء الشهر بما تحمله من رحمة وصفاء تساعد على تليين القلوب وتخفيف ما تسميه “كدرة القلب”، بما يجعل التسامح أقرب، والصلح أسهل، وعودة التواصل أكثر تلقائية.
وتربط المتحدثة هذا المعنى بواقع الشباب اليوم، موضحة أن التطور التكنولوجي وتسارع الإيقاع اليومي للحياة جعلا كثيرا من الشباب يبتعدون عن العلاقات الأسرية، ويعيشون قدرا من العزلة داخل عالم الشاشات. وتضيف أن ضغط السرعة وتراكم المهام يدفع بعضهم إلى النظر إلى الجلسات العائلية والزيارات وكأنها “مكلّفة زمنيا” تحتاج حسابات مسبقة، بدل أن تُفهم باعتبارها قيمة إنسانية وتربوية لا غنى عنها.
ومن الزاوية التي تركز عليها الطالبة الباحثة، فإن المشكلة ليست في ضيق الوقت بقدر ما هي في ضعف تعظيم المعنى، مؤكدة أن صلة الرحم “عبادة” ينبغي أن تؤدى بقلب حاضر ونية صادقة، لأن النية تمنح الفعل بركته وتوسع أثره، تماما كما هو شأن سائر العبادات. وترى أن رمضان فرصة عملية لإحياء هذا الوعي من جديد، خاصة حين يجد الشاب نفسه محاطا بصحبة صالحة تعينه على تثبيت هذه المعاني وترجمتها إلى مبادرات وسلوك يومي.
وتشير بن عبة إلى أن من أبرز ما يميز رمضان اجتماع العائلة اليومي على مائدة الإفطار، وهو اجتماع قد لا يتكرر خارج هذاا الشهر بهذه الصورة المنتظمة. فبعد يوم طويل من الدراسة أو العمل، يفرض وقت المغرب لحظة لقاء مشتركة تجمع أفراد البيت في توقيت واحد، بما يصنع مساحة للحوار والبسط واستحضار الذكريات وتبادل الآراء. وتؤكد أن تكرار هذه اللحظات ثلاثين يوما لا بد أن تترك أثرا واضحا في توطيد العلاقات داخل الأسرة، وكذلك يعيد للقاء العائلي قيمته التي قد تضعف خلال بقية السنة.
ولا تقف المتحدثة عند حدود رمضان، بل تشدد على ضرورة ألا تبقى هذه الروح حبيسة الشهر، معتبرة أن استمرار اللقاءات وتثبيت عادة التواصل بعد رمضان هو مكسب حقيقي ينبغي المحافظة عليه، بدءا من تجديد العلاقة بالوالدين والإخوة، ثم توسيع الدائرة نحو باقي أفراد العائلة. وتوضح أن تماسك الأسرة ينتج عنه بالضرورة تماسك المجتمع، لأن المجتمع في نهاية المطاف شبكة أسر مترابطة، فإذا قويت الروابط داخل البيوت انعكس ذلك على الاستقرار والتكافل والتعان خارجها.
وفي خلاصة حديثها، تؤكد مريم بن عبة أن الشباب هم لب هذا المسار، لأنهم العنصر الأكثر حركة داخل الأسرة، والأقدر على المبادرة وبعث الروح في العلاقات، خاصة وأن “الآباء والأقارب قلوبهم مفتوحة” كما تقول، ولا يحتاج الأمر سوى مبادرة واهتمام. وتضيف أن الشباب الذين يندفعون بحماس إلى المبادرات الاجتماعية في رمضان، مثل قفف الدعم أو تنظيف المساجد وغيرها، ينبغي أن يمنحوا العلاقات الأسرية القدر نفسه من الجهد؛ لأن أساس التكافل يبدأ من البيت، ثم يمتد إلى العائلة، فالمجتمع ككل.