مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
إن أعظم خلق يمكن أن يتزين به المرء في حياته هو الصدق، وهو من أجل الأخلاق وأعظمها، ومنبع كثير من الفضائل الخلقية، لذا حث المولى عز وجل المؤمنين على التحلي بهذه الخصلة في جميع أحوالهم، ووعد المتصفين بهذا الخلق العظيم بأجزل المثوبة في الدنيا والآخرة.
وعليه فإن قضية الصدق هي قضية مركزية من قضايا الدين الكبرى التي لا يمكن للإنسان أن يبلغ عند الله منزلة إلا بها، وهي معنى من المعاني التي لا ينبغي لأي مؤمن يريد أن يكون عند الله بمكان، إلا أن تكون هذه القضية همه وسعيه فيها، وتفكيره دائم الاشتغال بها.
فما المقصود بخصلة الصدق؟ وما درجاتها؟ وكيف نجددها في أنفسنا؟
أولا – مفهوم الصدق ودرجاته
الصدق لغة، هو نقيض الكذب، صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً وصَدَّقه قَبِل قولَه وصدَقَه الحديث أَنبأَه بالصِّدْق 1.
أما اصطلاحا فهو حسب ابن عقيل الخبر عن الشيء على ما هو به، وهو نقيض الكذب 2. أما حسب الراغب الأصفهاني فهو مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما 3.
ومنزلة الصِّدْقِ حسب ابن القيم رحمة الله عليه هِيَ مَنْزِلَةُ القَوْمِ الأَعْظَم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين… فَهي رُوحُ الأَعْمَالِ، وَمَحَكُّ الأَحْوَالِ، وَالحَامِلُ عَلَى اقْتِحَامِ الأَهْوَالِ، وَالْبَابُ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ الوَاصِلُونَ إِلَى حَضْرَةِ ذِي الجَلَالِ، وَهُوَ أَسَاسُ بِنَاءِ الدِّينِ، وَعَمُودُ فُسْطَاطِ اليَقِينِ، وَدَرَجَتُهُ تَالِيَة لِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ دَرَجَاتِ العَالِمِينَ 4، وقد أمر الله تعالى أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، إذ قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119].
وأخبر الله سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال تعالى: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة: 119].
وعليه فإن الصدق لا يتحقق إلا باستجماع عناصره:
أولا – صدق الحديث: أي صدق القول والإخبار، إذ ينبغي للمرء حفظ ألفاظه فلا يتحدث ولا يخبر إلا بالحق، فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عليكم بالصِّدقِ فإنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البرِّ وإنَّ البرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ وما يزالُ الرَّجلُ يصدقُ، ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ صدِّيقًا وإيَّاكم والكذبَ فإنَّ الكذبَ يَهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى النَّارِ، وما يزالُ العبدُ يَكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ كذَّابًا” 5.
ثانيا- صدق الأعمال: أي استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد 6.
ثالثا- صدق الأحوال: أي استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص لله تعالى، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة، قال يزيد بن الحارث: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصف، وإذا كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإذا كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور، وأنشدوا:
إِذَا السِّرُّ وَالْإِعْلَانُ فِي الْمُؤْمِنِ اسْتَوَى
فَقَدْ عَزَّ فِي الدَّارَيْنِ وَاسْتَوْجَبَ الثَّنَا
فَإِنْ خَالَفَ الْإِعْلَانُ سِرًّا فَمَا لَهُ
عَلَى سَعْيِهِ فَضْلٌ سوى الكد والعنا
فما خالص الدينار في السوق نافق
ومغشوشه المردود لا يقتضى المنا 7.
وبحسب كمال هذه الأمور في المرء وقيامه بها تكون صِدِّيقِيَّتُهُ.
ثانيا – تجديد خصلة الصدق في أنفسنا
قبل التطرق لكيفية تجديد صدقنا مع المولى عز وجل، لا ضير في استحضار رسالة أرسلها الإمام المجدد عبد السلام ياسين إلى فضيلة الأستاذ محمد عبادي، يقول فيها: “اختاروا لمجالسكم من أعطى للصدق برهانا، وللصدق عنوانا”.
ثم يقول: “لا يستطيع عبد أن يعالج مرضك وخللك من جانب الصدق. لا يقترب من ذلك إلا تصفحك لنفسك صباح مساء، ومقارنة تخاذلك باجتهاد غيرك أحياء وأمواتا، وبكاؤك على ربك الكريم أن يمسح غبار الغفلة وعفن الاستغناء بمكاسبك من الطاعات مهما كانت، واستعانتك بإخوتك في مجالس النصيحة، تسمع وتشارك، وتحضر وتواسي بنية المحتاج لا بالتصدر للرئاسة. إنه لا يرقد في قبرك غيرك، ولا يتبوأ مقعد الصدق عند الله تعالى من يتسلق على أعين الناس وقلبه هواء خواء من صدق الطلب، وصدق الهجرة، وصدق النصرة، وصدق الحاجة إلى المولى”.
وعليه فإن تجديد خصلة الصدق في أنفسنا، يتطلب منا تجديد:
أولا – صدق الطلب: طلب وجه الله سبحانه وتعالى، أي يجب على المرء ألا يتمنى الحياة إلا للحق، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان ولا يلتفت إلا ترفيه الرخص، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “لولا ثلاث لما أحببت البقاء، لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر” 8.
ويقول الأستاذ عبد الله الشيباني: “على قدر صدقك في الطلب، وعلى قدر صدقك في الصحبة في الجماعة، وعلى قدر صدقك في الذكر، تنفتح بصيرتك ويتحسن تعلمك وفهمك ونظرك وتقييمك وحكمك ونقدك” 9.
ثانيا- صدق الهجرة: وذلك بهجر كل ما حرم الله إلى ما أحله سبحانه، فعن الإمام عبد السلام ياسين رحمة الله عليه قال: “لابد من هجرة إلى الله ورسوله بقطع حبال الجاهلية، وذلك عن طريق هجرة ما حرم الله، ثم قطع ما يربطنا بالماضي قبل التوبة، والتعالي على حاضر الفتنة، وترقب نصر الله بالتخطيط للمستقبل والاستعداد له” 10.
ثالثا- صدق النصرة: نصرة الله تعالى والمستضعفين، إذ يجب على المرء ألا يخاف لومة لائم في قول كلمة الحق، فعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته” 11.
رابعا- صدق الحاجة إلى المولى عز وجل: وذلك بالتبتل والدعاء والإلحاح في طلب وجه الله سبحانه وتعالى.
من أراد حرث الدنيا آتاه الله منها ومن أراد حرث الآخرة زاد له في حرثه، ومن لا يدعو الله يغضب عليه الله، ومن لا يسأل الله لا يعطه الله.
وفي الختام؛ لا يسعنا القول إلا أنه يجب على كل فرد منا أن يجدد نيته وصدقه مع المولى عز وجل، وهذا الأمر لا يتحقق إلا بـ:
· التدبر والتفكر في آيات المولى عز وجل ليل نهار لتتبع محابه واجتناب مناهيه.
· التأمل في سيرة خير الأنام حبيبنا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة الكرام للتأسي بأخلاقهم والسير على خطى ونهج من سبقونا بالإيمان.
· الإكثار من الدعاء والتبتل والتضرع للمولى عز وجل أن يجعل مدخلنا ومخرجنا على الصدق وأن يحشرنا في زمرة الصديقين، يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا [الإسراء: 80].
· التمسك بالصادقين ومخاللتهم، يقول حبيبنا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” 12، ويقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “هذب نفسك بصحبة من هو أعم منك، ومن استغنى برأيه ضل” 13.
· أن يشغل كل منا ثغره أيا كان تخصصه واهتمامه على النحو الذي يحبه المولى عز وجل لإعلاء كلمة الحق ونصرة المظلومين والمستضعفين، يقول الشيخ محمد زكي حمد رحمة الله عليه: “ينبغي البدء من الآن، فالقلوب مهيأة والموت واعظ والدنيا مدبرة والآخرة مقبلة “ 14.
فاللهم أصلح نوايانا، واجعل قلوبنا نقية تقية هنية مؤمنة، وارزقنا اللهم الإخلاص لك في كل قول وعمل ونقنا من شوائب الرياء، وطهرنا من دنس الدنيا، واجعل اللهم سرنا خيرا من علانيتنا، وعلانيتنا صالحة.
[2] ابن عقيل “الواضح في أصول الفقه”، الجزء الأول، ص 129.
[3] الراغب الأصفهاني “الذريعة إلى مكارم الشريعة”، ص 270.
[4] ابن القيم الجوزية “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”، الجزء الثاني، ص 257.
[5] رواه البخاري في صحيحه، رقم 6094، “كتاب الأدب”، ص 2724.
[6] ابن القيم الجوزية “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”، مرجع سابق، ص 258.
[7] أبو حامد الغزالي “إحياء علوم الدين”، الجزء الرابع، ص 391.
[8] أخرجه ابن المبارك في «الجهاد» (222) وعبد الله بن أحمد في زوائد «الزهد» (145-146) وأبو نعيم في «الحلية» (1/51).
[9] عبد الله الشيباني، مقال تحت عنوان “على قدر صدقك تنفتح بصيرتك ويتحسن تعلمك وفهمك”.
[10] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، ص 170.
[11] رواه الإمامان أحمد وأبو داود.
[12] رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
[13] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، مرجع سابق، ص 126.
[14] محمد زكي حمد، “تحت راية الطوفان خندق خباب”، ص 138.