تحت مطارق الفراق

في ظلمة الهواجس
لطالما تحدثوا مع ذاك الرعديد الأهوج الذي لا يدري ما يفعل وهو يسوق دون اعتبار لأحد منهم وكأنه يخرق الأجواء لمفرده ظانا أن فن السياقة رهين بمدى الإسراع في الطريق واللف بين منعرجاتها الشائكة... لقد تحدثوا معه مرارا أن القصد من السير إنما هو الوصول بأمن وسلامة وأمان دون التجاسر على خوض صعاب الطريق بهذه الخفة الرعناء التي لن تودي بصاحبها إلا إلى الهلاك... وكم من أخرق ظن نفسه مالكا زمام السياقة فاعتد بذاته فصار كومة لحم مفرقة بين الطرقات... لكن صاحبهم لم يرعو أبدا، ولم يستنكف عن المضي في طريق التسرع والدخول إلى لجج الطرقات بأرقى السرعات، فلم يأخذهم شك حينئذ أنه معجب بنفسه، مستبد برأيه، بعيد عن الاتصاف بخُلق التؤدة والاتزان والحلم والأناة، ولكنه لم يكن بد من الصبر عليه ومواصلة طريق الرحلة العلمية هاته معه.
نعم حين وصلوا أدنى الجبل رأى الجمع أنه من الحكمة التريث قليلا قبل سلوك غمار الطريق المنعرج للجبل لاسيما وإن الأجواء مظلمة، والسحب الماطرة آتية، وجو الصقيع يلسع وجنات كل من خرج إلى تلك الأزقة الموحلة، ثم إن الظلام الدامس مانع من الرؤية الحقيقية للأشياء لما يسببه من إعتام وكلل بالأبصار، فتأجيل السفر إلى الغد هو عين الحكمة عند الباحثين كلهم... لكن صاحبهم لم يذعن لرأيهم واشتط غاضبا:
- ألم أتكفل بكل ما في هذه الرحلة من مصاريف مادية؟ ثم إن العقل يشير أن المالك للرأسمال مالك للقررات. ألست أنا المسؤول عن تعب الرحلة كلها... فاخلدوا للراحة ودعوني أدخل ساحة هذا الجبل الراسي الذي لم يرعبني قط بضخامته أو علو هامته.
- هون عليك يا صاح، لسنا في غمار المعارك الطاحنة، إنما نريد إتمام هذه الرحلة العلمية بأمان فقط، مع العلم أن هناك فسحة في الزمن إن أمضينا ليلتنا في إحدى فنادق القرية ...
- لن أعيد ما قلته، فأنا مصمم على مقارعة الجبل وإخضاعه لسطوتي.
- وكيف تفعل مع المنعرجات الموحلة والطرقات المعتمة والعاصفة الآتية؟
- المغامرة تقتضي ترك الجبن والتقاعس والخوف من صعود الجبال، وإلا فالأولى لكم الارتكان في زوايا بيوتكم دون التنطع لخوض معترك الرحلات التاريخية...
- على أي فكل فعل تقوم به إنما تتحمل المسؤولية الكاملة فيه، لكن ما نخشاه إنما هو غدو المفسدة الذاتية لك مفسدةً كلية تجر الويل على الجميع...
- اطمئنوا فالطرقات والمسارات تعرفني، ولم توجد أي عقبة في الطريق لتكون سببا لانتكاس إرادتي أو إحباط عزيمتي... فلتهنأوا أيها الرفاق...
أخيرا رضخ الأصحاب لرأي صاحبهم المستبد، وكل واحد ممسك بطرف من الكرسي، متوقع حصول مأساة... فبدأت نبضات قلوبهم بالإسراع، ووجلت أنفسهم من كيفية سير المعتوه في الطريق، إذ لم يضع في حسبانه إنقاص السرعة عند الوصول إلى المنعرج، فانخلعت أفئدة الكل، وأحسوا برجة نفسية قوية تمنى البعض أنه لو لم يشق الطريق من أصله مع غَمر لم يستحكم بعدُ قواعد العشرة وفن الصحبة ولم تفلح التربية في تهذيب طبائع استبداده...
سكت (السعيد) حينا وصرخ في وجه هذا الذي لم يضع في حسبانه ثمن الأرواح التي معه، فأخذ بكتفيه لينقص السرعة خاصة وإن شاحنة هوجاء مارة من قبالتهم... فلم يلتفت إليه الأحمق ومال يسرة، فأخرج السيارة عن حافتها لتصبح قشة في الهواء آتية إلى الأرض مرتطمة بالسفح وأغصان الأرز...
ولم يدر (السعيد) في لحظة السقوط هاته وهو مواجه الموت لا محالة، كيف تبدت الهواجس المظلمة ظاهرة في مخيلته، ولم تكن بادية من قبل.
- أو سأغادر هاته الحياة إلى الأبد؟
- إنه الضياع التام أن أُفنى من الوجود لأكون في عداد الذين ستلتهمهم الأرض فيُنسون أبد الدهر.
- آه، لَم أحس بأحوال هؤلاء الذين شاهدتهم وهو يُغسلون ويكفنون إلا اليوم، أوَ سأكون مثلهم جدثا خاويا مآله الإدخال إلى الحفرة المظلمة التي لا خروج منها أبدا...
- وإن أدخلت فيها فلن يكون معي أحد سواي، آه من ظلمة الانفراد دون أنيس أو أخ أو صديق حميم...
- ثم إن مكوثي فيها سيكون دهرا، بل زمنا مستديما وتاريخا متطاولا... آه من العدم... آه من العدم... آه من افتراقي للحياة ودخولي عالم الفناء والتراب...
تلك أحاسيس هدت من قواه، ولم يلتفت إلى هول الارتطام، فاعتصر الأسى ذاته، واستسلم لما ستحدثه مجريات الأقدار...
في قدوم النور
أشرقت الشمس على جثث هامدة وأضلاع مكسرة وأوصال مفرقة وشعور منتفشة ودماء قانية تسيل من تحت السيارة التي غُيرت هيئتها فأصبحت عجينا من حديد، ولم يُسمع صوت أحدهم إلا صوت السعيد الذي يشبه الخوار فضلا عن حشرجة نابعة من صدر مهدود، ففتح عينه وأيقن بأنه محتضر لا محالة، لاسيما وإن أحوال أصحابه لم تترك له أملا في الحياة، إذ الجمع غادروا الأرض وأصبحوا موتى هامدين... لم يستطع أن يدير رأسه أو أن يقوم بفعل أي شيء، لأن كتفه انخلع وجسده شُل وانهار من وطأة الارتطام...
فراودته الهواجس ذاتها، هواجس الافتراق عن هذه الأرض ومغادرتها إلى الأبد، فأثقلت بظلها عليه، وتركت قلبه فزعا مذعورا، لم يستطع تحمل أوهاقَ وساوس منهكة، وأثقال هواجس قاتلة، خاصة وإنه أيقن أن مرحلة الانتقال إلى هناك دون يقين في الرجوع إلى الحياة الثانية موتة أخرى ورعب كبير لا يعرفه - كما قال - إلا من اقترب من ساحة موتٍ هادم لحياة الإنسان في هذه الأرض وعوائده كلها....
وفي خضم التوحل في خضخاض تلك الهواجس، لمح السعيد خيطا من نور بدا في الأفق، ليُذوب براكين الوساوس المنصهرة التي أحرقت قلبه فغدا مكسرا محطما لا يلوي على شيء ...
دخل رحاب التفكر فرجع إلى أيامه الأولى حين ولادته، فعرف يقينا أنه جاء إلى الأرض من عدم دون تدخل أي كان في استواء خلقته إلا من قبل مبدع، ولم توهب له الحياة أصلا إلا بقدرة قادر... لذلك فمن البديهي أن الذي أخرجني إلى الوجود بداية دون جسد يذكر، لن يعجز أبدا أن يخرجني إلى الوجود الثاني بجملة عظام وأتربة وأوصال مقطعة في قبر، أو ليس الإنشاء الثاني أيسر من الإنشاء الأول المرتبط بالعدم بداهة...
ألم تتبدى لي معجزة الإحياء حين كنت أدقق النظر في الكائنات التي كانت محل دراستي وبحوثي الجامعية... إذ كم لمحت في ثواني معدودة خروج نباتات عدة إلى الحياة خاصة في فصل الربيع، فضلا عن العدد الوفير من الحشرات والحيوانات والكائنات الصغرى، فإذا دلفتُ إلى البحار رأيتُ حياة كائنات لا تعد ولا تحصى، ألا يدل ذلك قطعا على أن سر الإحياء منشر في الكون؟ ألم يتجل حقيقة إلا بهذه الوفرة المتكاثرة من الكائنات الحية المرئية التي خرجت إلى الوجود... ولو كان هذا السر مفقودا أو متعسرا لرأيت انعدام الكائنات من أصله أو وجود ضآلة في خلقتها... لكن ما شاهدتُه ينفي العسر فيه، مما يبشرني بأنني سأحيى ثانية لا محالة، إذ المُحيي لهذه الكائنات الشائعة - وهو إحياء لم ينقطع لحظة واحدة - لن يتركني عدما، وما أنا إلا نفس واحدة من تلك الأنفس التي تُحيى وترى في الوجود كل حين...
ثم إن رحلاتي العلمية هاته وما درسته حين كنت طالبا، أو حين أصبحت أستاذا باحثا تشير إلى حقيقة ناصعة أنسانيها الشيطان مع فتنِ الالتصاق بالأرض واللهث وراء لعاعاتها المنقضية .
لقد بدا لي بجلاء حينها أن خِلقة الإنسان لن تضاهى أبدا مع هذا الجبل الراسي المتطاول، ولن تقارن أبدا مع انبساط المحيط وانفساحه، حيث يغدو الإنسان وسطه كنقطة لا تُرى إذا خاض عبابه ودخل وسط الازرقاق المنبسط الذي لم ينته امتداده أبدا، نعم لن توضع خلقتي الحقيرة في كفة مع تلك الكواكب السيارة والأجرام السابحة في الفضاء الكبير... فالذي يتحكم في هذه المجرات والكواكب المنتثرة ويسيرها بقوانينه المضبوطة لم ولن يَعي بخلقي أو إخراجي ثانية إلى الحياة ...
آه كم كنت غافلا عن قدرتك يا رب... ولو لم أكن متذبذب الإيمان لما هجمت علي تلك الوساوس المنخرقة، إي والله كنت غافلا عن قدرتك، ولم تظهر لي في بحوثي العلمية سوى حكمتك... فالآن سطعت لي آمال حقيقية لحياة ثانية، وبدأت أزحف حقا نحو الإيقان بالآخرة، ولكنني أستحق خسارة سرمدية لا تنتهي لأنني أنا الذي انزويت هاربا مما كان يقوم به (خليل) من مجالس تحدث عنها الكل أنها الديدن الرئيس لغرس الإيمان والإيقان في نفوس الأصحاب، لاسيما الإيمان بالآخرة واليقين في البعث والنشور...
يا ويلتى من أحمق درس كل شيء ولم يدرس حقائق مصيره ...
انسكب الدمع من عين السعيد وأغمي عليه، وحين استفاق وجد رجال الوقاية المدنية يسعفونه ويخبرونه أنه نجا من الموت بأعجوبة كبرى، فحمد الله وصمم العزم على التغيير، على التغيير الحقيقي الذي لا إرجاء أو تهاون فيه... تغييرٍ يقلب الحياة رأسا على عقب كما انقلبت سيارة أصدقائه من قبل.





