تدبر آية ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾

Cover Image for تدبر آية ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾
نشر بتاريخ

من كرم الله تعالى ونعمه التي أنعم علينا أن فضلنا على كثير من خلقه، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، وأكرمنا بكتابه الكريم، وأمرنا بإخلاص العبادة له سبحانه.

وإذا تأملنا في القرآن الكريم نجد أن الله تعالى أمرنا بالعبادة وقرنها بأمور أخرى كلها تحث على التوحيد والعبادة، يقول الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (سورة البينة: 5)، ويقول عز من قائل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة التوبة: 31).

والخلق كله مأمور بالعبادة لله حق العبادة، يقول تعالى: ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ (سورة الأنعام: 102)، ويقول سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات: 56).

تأتي الآية الكريمة: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (سورة الإسراء: 23) لتؤكد العبادة لله تعالى. و”قضى” هنا بمعنى حكم بأمره إليكم أن تعبدوا الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وهو إثبات لعبادته وحده دون سواه، وهي حقيقة كلمة التوحيد: “لا إله إلا الله”. قال ابن عباس والحسن وقتادة: “ليس هذا قضاء حكم بل قضاء أمر” (تفسير الطبري).

و”ربك” جاء بهذا الاسم الكريم من أسمائه تبارك وتعالى، وهو من أجمع الأسماء وأوسعها؛ فالرب هو المالك، وهو السيد المتصرف التصرف المطلق، وهو المربي خلقه، تفضل عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، يأمرهم وينهاهم لأنه هو المتصرف. وجاء الخطاب بصيغة المفرد موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ظاهريا، لكنه موجه في نفس الوقت للأمة جمعاء حين جاء بصيغة الجمع: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.

وقد بدأ الله سبحانه الآية بالتوحيد الذي تستقيم به الأعمال، فمهما كانت الأعمال جميلة ومهما كانت الأخلاق صالحة فلا تنفع صاحبها إذا لم تكن مسبوقة بالتوحيد، كما في قوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (سورة الفرقان: 23). فالتوحيد هو المفتاح لكل أعمال الخير التي تأتي من بعده.

وإذا أردنا أن نربط بين الآية وَقَضَىٰ رَبُّكَ والآية التي سبقتها وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (سورة الإسراء: 22)، نجد أن الله سبحانه وتعالى يحذر عباده من الشرك به، ومن يفعل ذلك فقد استحق الذم والخذلان. بعد هذا التحذير جاءت الآية: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، المتنعم عليكم بالنعم، المستحق للعبادة والتوحيد لا غيره.

وقد عطف سبحانه الأمر بالإحسان إلى الوالدين لأنهما السبب الثاني بعد خلق الله وإيجاده له. فالعبادة حق لله تعالى، والإحسان والشفقة حق الوالدين، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: “التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله” (رواه البخاري ومسلم).

وقد جاء ذكر الإحسان إلى الوالدين مقروناً بالعبادة لله في مواضع كثيرة في القرآن الكريم: قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (سورة النساء: 36). وقوله سبحانه: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (سورة الأنعام: 151).

والإحسان أرقى مرتبة في العبادة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ويأتي أيضاً بمعنى الإتقان في العمل: “رحم الله من عمل عملاً فأتقنه” (رواه ابن حزم)، والإحسان إلى الخلق: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (سورة القصص: 77)؛ كما أحسن الله وأنعم عليك فأحسن إلى الناس والخلق أجمعين.

والإحسان إلى الوالدين في الآيات السابقة جاء بلفظ التعظيم، أي إحسانا عظيما كاملا، وهذا جزاء إحسانهما إليك في صغرك إحسانا قد بلغ الغاية العظيمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سره أن يمد في عمره ويزداد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه” (رواه الإمام أحمد).

قال الإمام المجدد عبد السلام ياسين في كتاب تنوير المؤمنات صفحة 193: “ما يرفع المرأة إلى القداسة إلا أمومتها، وما يرفع الرجل إلا أبوته، يذكر حقهما بعد حق الله مباشرة في قوله تعالى: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا“.

فنحن مأمورون بالإحسان إلى الوالدين ما استطعنا بجميع أشكال الإحسان ولين الجانب: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (سورة الإسراء: 24).