تعدد الزوجات بين الشرع ومدونة الأسرة

Cover Image for تعدد الزوجات بين الشرع ومدونة الأسرة
نشر بتاريخ

يعد تنظيم مؤسسة الزواج وحمايتها من أهم المقاصد التي أولتها الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية عناية بالغة. ومن بين أكثر القضايا إثارة للنقاش الفقهي والقانوني مسألة “تعدد الزوجات”، والتي تتأرجح دائماً بين حدود الإباحة الشرعية وقيود الضبط القانوني. وإذا كانت أحكام الفقه الإسلامي قد نظرت إلى التعدد باعتباره رخصة استثنائية مشروطة بضوابط أخلاقية ومادية صارمة أهمها العدل، فإن المشرع المغربي من خلال “مدونة الأسرة” سعى إلى ملاءمة هذه الأحكام مع التحولات الاجتماعية الحديثة. لكن ورغم مرور عقدين على تطبيق مدونة الأسرة، فإن الواقع العملي كشف عن جملة من الإشكالات القانونية والواقعية؛ فبين تطبيق مسطرة الشقاق للزوجة الأولى في حال رفضها للتعدد دون إذنها، ومعضلة ‘الأمر الواقع’ عبر زواج الفاتحة،  يطرح السؤال الجوهري نفسه: إلى أي حد استطاعت المسطرة القانونية الحالية محاصرة التجاوزات وضمان حقوق جميع الأطراف دون المساس بجوهر النص الشرعي؟ وكيف وازنت الشريعة الإسلامية بين الإباحة والتقييد في مسألة التعدد؟

لا يمكن فهم فلسفة الإسلام في إباحة تعدد الزوجات بمعزل عن السياق التاريخي والمقاصدي للتشريع الإسلامي، فالإسلام لم يبتدع التعدد، بل جاء ليهذبه ويضع له سياجا من الضوابط الأخلاقية والقانونية التي تضمن كرامة المرأة واستقرار المجتمع؛ باعتباره من الكوابح المهمة للزنا واختلاط الأنساب في مجتمع قد يفوق فيه عدد الإناث عدد الذكور، أو قد تصاب الزوجة بالمرض، أو تكون عقيما. إلا أن هذا الحكم الشرعي تم تقييده بضرورة العدل وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء: 3].

“ظالم إحداهن يجيء يوم القيامة خَلْقاً مشَوّها إذا جاء المؤمنون العادلون خلقا كاملا. وعلى الرجل المضطر لتعديد الزوجات أَن يجتهد لتطيبَ له بينهن العشرة في الدنيا إن استطاع. كما وسعت عليه الشريعة فلم تحمِّله إلا حقا جامعا هو العدل، تتَنَاوشُه غَيْرة الضرائر، ومكائدهن، وتقلباتهن، واشتغال بعضهن ببعض، فذاك التوسيع بهذا الحَرَج” 1.

أما مدونة الأسرة لسنة 2004 فقد خصصت لمسألة التعدد فصولا وموادا (المواد 40-46)، ووضعت له قيوداً صارمة، جعلته “استثناءً” وليس أصلاً، فلم تأذن به إلا في حالتين اثنتين؛ أولاهما: توفر الموارد الكافية لإعالة أسرتين، وضمان جميع حقوقهما من نفقة وسكنى وعدل في كافة جوانب الحياة، وثانيهما: الإدلاء بمبرر موضوعي واستثنائي يثبت سبب رغبة الزوج في التعدد، وإذن القاضي به بناء على بحثه وتقديره للحالة المعروضة.

لكن على المستوى العملي؛ أفرز الواقع عدة إشكالات قضائية ومجتمعية لمسطرة التعدد، وظهرت عدة ممارسات احتيالية مخالفة للنصوص القانونية. ومن بين الإشكالات القانونية المطروحة؛ ما تثيره المادة 45 من مدونة الأسرة، حيث إنه مع تمسك الزوج بطلبه الإذن بالتعدد وعدم موافقة الزوجة المراد التزوج عليها، تطبق عليها المحكمة من تلقاء نفسها مسطرة الشقاق، ولو لم تطلب الزوجة. ثم اللجوء إلى مسطرة ثبوت الزوجية المنصوص عليها في المادة 16 للتحايل على مقتضيات المادة 41 من مدونة الأسرة، حيث يلجأ بعض الراغبين في التعدد – في حالة رفض القاضي الموافقة على ذلك عند عدم توفر مسوغاته – إلى الزواج بأخرى والإنجاب منها، ثم يرفع الأمر إلى المحكمة التي تكون مضطرة إلى توثيق الزواج حفظا لحقوق الزوجة والأولاد، وللحاجة إلى تقييدهم في دفتر الحالة المدنية، فتحول النص بذلك من آلية لحماية الحقوق (خاصة النساء والأطفال) إلى مطية للالتفاف على إجبارية توثيق الزواج وتجاوز قيود التعدد.

وباعتبار أن النجاعة القانونية تقاس بمدى قدرتها على معالجة اختلالات الواقع، فإن مواجهة التعقيدات المتعلقة بالتعدد، تستوجب تبني مقاربة إصلاحية شاملة، يمكن حصر أهم معالمها في النقاط التالية:

–  رفض مطلب إلغاء التعدد؛ لأن فيه نوعا من التجني والمصادرة على حقوق الناس، خصوصا إذا كانت هناك أسباب واقعية وموضوعية تقتضيه، إذ المنع المطلق قد يفتح أبواب العلاقات غير الشرعية.

– بخصوص الضمانات الحامية للزوجة والأبناء في حالة التعدد، يرجع فيها إلى السلطة التقديرية للقاضي.

– الإبقاء على المادة 16 مع حصر تطبيقها في الحالات الناشئة قبل الأجل المحدد لبداية تطبيقها.

– إلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 45، التي تقضي بإعمال المحكمة مسطرة الطلاق للشقاق تلقائيا في حالة رفض الزوجة قبول التعدد وإصرار الزوج عليه حتى وإن لم تطلب الزوجة التطليق، بل يترك لها الاختيار بين أن تُبقيَ على عقد الزوجية أو أن تطلب حَلَّه.

– تقدير مدى حاجة الأمة أو المجتمع للتعدد.

– دراسة الحالات الفردية ومدى حاجتها أو اضطرارها للتعدد.

ختاما؛ إنّ تجاوز التحديات القانونية والواقعية التي يطرحها نظام التعدد يقتضي الانتقال من منطق ‘النصوص الجامدة’ إلى منطق ‘الحماية الفاعلة’، وذلك عبر تبني مقاربة تشريعية شمولية لا تكتفي بوضع الضوابط، بل تضمن آليات تنفيذها. ويتمثل المدخل الأساسي لهذه الحلول في إعادة الاعتبار لمفهوم ‘المصلحة الفضلى للأسرة’ كمعيار ناظم، يربط بين المقاصد الشرعية للعدل وبين الحقوق القانونية المكتسبة، من خلال ترسانة قانونية تسد ثغرات التحايل الإجرائي وتضمن التوازن المادي والمعنوي لجميع أطراف العلاقة الزوجية.


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ط 2018/4، دارلبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج 2، ص 170.