نظمت جماعة العدل والإحسان مجلس نصيحة الوفاء في آخر أنشطتها المركزية المخلدة للذكرى الثالثة عشرة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، يوم السبت 27 دجنبر 2025 في موضوع “سنة الله في النصر والتمكين”.

مجلس النصيحة الذي بثت مجرياته في الصفحات الرسمية للجماعة وللإمام عبد السلام ياسين وقناة الشاهد، افتتح بآيات بينات من الذكر الحكيم بصوت القارئ محمد طه اليعقوبي، أعقبها دعاء خاشع للداعية المصطفى حمور، ثم أدار فقراته الأستاذ محمد بارشي، عضو مجلس الإرشاد، وأطره كل من الأستاذ محمد الميسر، والأستاذة كريمة البعوني، بينما ألقى الأستاذ فتح الله أرسلان كلمة ختامية جامعة.
في افتتاح نصيحة الوفاء للإمام.. الأستاذ بارشي يذكّر: لا تحبس الصلة برازخ الموت
افتتح الأستاذ محمد بارشي تسييره بالدعاء، سائلا الله تعالى أن يديم على الإمام المرشد النظر إلى وجهه الكريم، وأن يقر عينه بمن أحب ومن يحب، وأن يكتبهم في سجل حسناته من المحسنين، واستحضر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ”. ثم أشار إلى أن الصحابة رضي الله عنهم حين غاب عنهم رسول الله، ثبتهم الله بأن خطب فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم بقيت الوراثة القلبية جوهر هذا الدين، وبقي التحاب في الله وترابط القلوب، وهي نعمة إذ “لا تحبس الصلة برازخ الموت”.
وأبرز الأستاذ بارشي سنة الله تعالى في أحبائه بالابتلاء الشدائد والأزمات، موردا قول الله تعالى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وموضحا أنه سبحانه وضع سنة التدافع في الأرض، وهي ابتلاء واختبار، فانتصار مؤقت لأهل الباطل أو انتصار لأهل الحق إن توفرت فيهم شروطه وأسبابه. ومن أهم شروطه، يوضّح، أن ينصروا الله في أنفسهم وأن يكونوا بنيانا مرصوصا كما أحب الله سبحانه وتعالى. لافتا إلى أن “الصحبة مفتاح” وهي شرط ما فتئ الإمام عبد السلام ياسين يذكر به رحمه الله.
ذ. الميسر: وعد الله بالاستخلاف والتمكين سنة ربانية متجددة لا تختص بجيل دون آخر
وفي مداخلته، أكد الأستاذ محمد الميسر، أن إرادة الله تعالى تقوم على التبيين والتخفيف والتوبة والهداية لسننه الثابتة التي وضعها لخلقه بمقتضى حكمته وعلمه، لافتا إلى أن قوانينه سبحانه لا تحابي أحدا، وهي التي تحكم حياة الإنسان والمجتمعات وحركة التاريخ والحضارات والأمم.
وتناول الميسر في كلمته “سنة الله تعالى في النصر والتمكين”، استرشادا وعلما وفهما وإدراكا، ثم عملا بمقتضاها منهجا وسلوكا، انطلاقا من قوله تعالى في سورة النور: وَعَدَ ٱلله ٱلذِينَ ءَامَنواْ مِنكمۡ وَعَمِلواْ ٱلصٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنهمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيمَكنَن لَهمۡ دِينَهم ٱلذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهمۡ وَلَيبَدلَنهم منۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبدونَنِي لَا يشۡرِكونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأوْلَٰٓئِكَ هم ٱلۡفَٰسِقونَ آية 55. وأشار إلى أن فهم هذا الوعد الإلهي يقتضي وضع الآية في سياقها القرآني، مبرزا أن سورة النور تميزت بمطلعها الفريد الذي يهيئ القلوب لتلقي أحكامها بنية التنفيذ، وبحديثها عن نور الله وآثاره وتجلياته على الفرد والأسرة والجماعة المسلمة، وصولا إلى وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن.
دة. البعوني تقارب سنن النصر والتمكين بين غزوة الأحزاب وطوفان الأقصى
و قدمت الدكتورة كريمة البعوني ضمن هده النصيحة؛ مداخلة موسومة بـ«غزوة الأحزاب: وعد من الله لا يتخلف، وعمل دؤوب من موقن لا يتوقف»، تناولت فيها ثلاثة محاور، الأول: غزوة الأحزاب: السياق التاريخي والأسباب والنتائج. والثاني: طوفان الأقصى في ضوء غزوة الأحزاب: أوجه التشابه والاختلاف. أما الثالث فوقفت فيه على الدروس المستفادة في واقع الأمة المعاصر، وعلاقتها بالنصر والتمكين.
وقدمت المتحدثة لمداخلتها بسؤالين؛ خص الأول الغاية من استدعاء أحداث وصراعات ارتبطت بميلاد الإسلام مع اختلاف السياقات والأوضاع وتباين الظروف والأحوال، والثاني سبب اختيار غزوة الأحزاب دون غيرها من الغزوات.
فأجابت عن السؤال الأول باقتباس من كلام للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى جاء فيه: “دراسة السيرة النبوية في المجتمع الجاهلي الأول تعطينا نموذج النشأة، ومعيار القيمة، وحقيقة التاريخ، وحظ الجهد البشري، وحياطة العناية الإلهية، وشروط هذه العناية، تعطينا صورة لسنة الله في فترة الميلاد الإسلامي نستهدي بملامحها العامة في سيرة التجدد الإسلامي”. وأما اختيار غزوة الأحزاب فقد أعزته لكونها غزوة امتحن الله فيها إيمان وإيقان وإرادة المؤمنين الأوائل رضي الله عنهم يوم أجمعت الأحزاب على قتالهم واستئصال دينهم، تعلم منها الصحابة الكرام أن “لا غالب إلا الله”، وهو نفس الدرس الذي تعلمناه في معركة طوفان الأقصى.
ذ أرسلان: نشر خطاب الاستبشار والثقة في وعد الله واجب اليوم.. والنصر مسار متدرج وليس ضربة لازب
وكان مسك ختام هذه النصيحة في الفقرة الليلية مع كلمة للأستاذ فتح الله أرسلان نائب الأمين العام للجماعة، توقف فيها عند سنة الله في النصر والتمكين، مستحضرا معاني التدرج الإلهي في النصر، ومؤكدا أن ما تعيشه الأمة اليوم لا ينفصل عن وعد الله بنصرة المؤمنين.
وبينما استهل الأستاذ أرسلان كلمته بالترحم على الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، نبه إلى ما قد يسقط فيه كثير من الناس عند حديثهم عن نصر الله سبحانه وتعالى، وهو الفهم الخطأ لمفهوم النصر، متسائلا عمّا إذا كان النصر لحظة واحدة تأتي في نهاية الأحداث، أم مسارا يتنزل بالتدرج، وهل لهذا التدرج أصل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي واقع الأمة اليوم. وأشار إلى أن حالة اليأس التي تهيمن على شريحة واسعة من المسلمين لا تنسجم مع حقيقة الواقع، معتبرا أن هذا الجو، في جزء كبير منه، صناعة مقصودة وفخّ تُديره قوى معادية للإسلام، سقط فيه كثير من المسلمين دون وعي.
وفي استحضاره للسيرة النبوية، وضح الأستاذ أرسلان أن النصر لم يكن دفعة واحدة، بل جاء بالتدرج، مذكّرا بما سبق غزوة الخندق من ثلاث سنوات من الحصار الشديد، الذي بلغ فيه الحال بالمسلمين حد أكل العشب، قبل أن يفتح الله عليهم بالهجرة إلى المدينة، ثم ببناء المجتمع، ثم بالانتصارات المتتالية، إلى أن غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، واستمر هذا النهج التدرجي.
جدير بالذكر أن الجماعة كانت قد افتتحت أنشطة الذكرى 13 لرحيل الإمام عبد السلام ياسين يوم الأحد 14 دجنبر الجاري، بندوة فكرية مركزية في موضوع “طوفان الأقصى والخطر الصهـيوني.. التداعيات الإقليمية والتحولات العالمية“، شارك فيها ثلة من المفكرين والساسة والباحثين من داخل المغرب وخارجه، وعرفت حضور وجوه وطنية من توجهات وتيارات مجتمعية ومدنية وسياسية متنوعة. ثم أعقبت ذلك بتنظيم ليلة الوفاء يوم السبت 20 دجنبر خصصتها لموضوع “الإمام عبد السلام ياسين شاعرا“، بمناسبة إصدار المجموعة الشعرية الكاملة للإمام شهدت مشاركة ثلة من الأدباء والشعراء والنقاد والفنانين.
