تقرير دولي.. التعليم المغربي يكرس “غياب الإنصاف” ويحول الأستاذ من فاعل تربوي إلى “آلة تنفيذ”

Cover Image for تقرير دولي.. التعليم المغربي يكرس “غياب الإنصاف” ويحول الأستاذ من فاعل تربوي إلى “آلة تنفيذ”
نشر بتاريخ

تعد الدراسة الدولية للتعليم والتعلم (TALIS) المسح الدولي الأكبر للأساتذة ومديري المدارس عبر العالم. هذا المسح تنجزه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) 1 كل خمس سنوات. يشارك فيه ما يقارب خمسين دولة، وتطرح فيه على الأساتذة ومديري المدارس أسئلة معمقة حول ممارسات التدريس والتكوين والاستقلالية البيداغوجية والرضا المهني وعبء العمل.

انخرط المغرب في دورة سنة 2024 للمرة الأولى في تاريخه. وأشرفت على البحث فيما يتعلق بالوضع المغربي؛ الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بشراكة مع وزارة التربية الوطنية، وشارك فيه 18,179 أستاذا ومربيا ومديرا من أكثر من 1,200 مؤسسة تعليمية في السلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي، بنسبة مشاركة تجاوزت 95%.

الأساتذة “الأقل خبرة” للتلاميذ الأكثر حاجة إلى الدعم

وحسب الدراسة التي قدمت نتائجها يوم 24 مارس 2026، فإن متوسط عمر أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي في المغرب 39 سنة، أقل بست سنوات من المتوسط الدولي البالغ 44 سنة، وثلاثة من كل عشرة أساتذة تقل خبرتهم عن ست سنوات. أوليا تبدو هذه الأرقام مؤشر تجدد وحيوية، غير أن الأرقام حين توزع جغرافيا، نجد هذه العناصر الشابة لا تتوزع بالتساوي على الخريطة المدرسية في عموم التراب الوطني؛ حيث يتمركزون في المناطق القروية، وفي المؤسسات التي تستقبل أكبر عدد من التلاميذ في وضعية هشاشة.

وبالتالي التلاميذ الأكثر حاجة إلى الدعم هم من يحصلون على الأساتذة “الأقل خبرة” حسب نتائج الدراسة. تواتر هذا المعطى يؤشر على كونه ليس مجرد خلل عارض قابل للتبرير بالمصادفة أو قلة الموارد. بل هو اختيار بنيوي، اختيار يعيد إنتاج اللامساواة بشكل منهجي، ويضع شعار الإنصاف التعليمي في خانة الاتهام.

وحين نعلم أن 84% من أساتذة الثانوي الإعدادي صرحوا بوجود تفاوت كبير في المستويات الدراسية داخل نفس الفصل، وأن نحو نصفهم يواجهون نسبا مرتفعة من التلاميذ ذوي الصعوبات التعليمية، ندرك أن الأستاذ المبتدئ الذي لم يتلقَ تكوينا كافيا أصلا هو من يوضع في قلب هذا الواقع المركب. هذا ليس سوء حظ. هذا سوء تدبير.

المنظومة التعليمية بالمغرب تتقن نقل المعرفة ولا تتقن بناء الكفايات

تكشف الدراسة أن الممارسات البيداغوجية المغربية قوية في تنظيم الدروس وإدارة الفصول؛ 90% من الأساتذة يلخصون المضامين ويحددون الأهداف في بداية الحصة، وأكثر من 91% يشترطون الإصغاء. تنظيم وضبط قوي وهيكلية واضحة. لكن فقط 42% من الّاساتذة يعملون بالمجموعات الصغيرة، و57.5% يحفزون التفكير النقدي بوضوح. وهو ما يعبر عن كون المنظومة التعليمية بالمغرب تتقن نقل المعرفة ولا تتقن بناء الكفايات حسب خلاصات الدراسة.

في سلك الثانوي الإعدادي لا تتجاوز نسبة الأساتذة الحاصلين على الماستر 18%، مقابل متوسط 57% في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ويتجاوز 90% في دول كفنلندا وكرواتيا والبرتغال. وفي الابتدائي لا تتعدى هذه النسبة 8%.

74% من الأساتذة يسجلون غياب الحوافز لمواصلة التكوين المستمر

أما التكوين المستمر فالصورة ليست أفضل؛ 64% فقط من مدرسي الثانوي الإعدادي تلقوا تكوينا في الأدوات الرقمية، وهي نسبة دون المتوسط الدولي، فيما لا يمس التكوين في الذكاء الاصطناعي سوى 20% منهم، في حين أن أكثر من 60% يعبرون صراحة عن حاجتهم الماسة إليه.

والرقم الأكثر دلالة على عمق المشكل هو أن 74% من أساتذة الثانوي الإعدادي يشيرون إلى غياب الحوافز كأبرز عائق أمام الاستفادة من التكوين المستمر، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسطات الدولية.

لا يتعلق الأمر بأساتذة يرفضون التكوين أو يعرضون عنه، بل بمنظومة لا تحفزهم عليه ولا تيسره لهم ولا تكافئهم على الانخراط فيه. حين يشعر المعلم بأن التكوين لن يغير وضعه المهني ولن يرفع راتبه ولن يحسن ظروف عمله، فلماذا سيتعب نفسه؟

الأستاذ المغربي ينفذ ما قرره غيره ولا يشارك في بناء ما يدرِّسه

لا يتمتع سوى نصف أساتذة الثانوي الإعدادي بالاستقلالية اللازمة لتكييف المنهاج الدراسي، ولا يشارك في تحديد محتوى الدروس سوى 6% منهم مقابل متوسط دولي يبلغ 25%، ما يعني أن الأستاذ المغربي إجمالا ينفذ ما قرره غيره، ولا يشارك في بناء ما يدرسه.

وحين تصادر استقلالية الأستاذ يتحول من فاعل تربوي إلى موظف تنفيذي، ومن موظف تنفيذي إلى آلة تحفيظ، ومن آلة تحفيظ إلى عبء على التلاميذ الذين يحتاجون إلى ملهم. والمفارقة الصارخة أن 80% من الأساتذة يقرون بقدرتهم على المساهمة في القرارات داخل مؤسساتهم، لكن 6% فقط يشاركون فعليا في تحديد المحتوى.

92% من الأساتذة يقولون إنهم راضون عن مهنتهم بشكل عام، و90% يعبرون عن متعة في التدريس. 21% فقط من أساتذة الابتدائي راضون عن أجورهم، من بين أدنى النسب في الدراسة بأسرها. و68% من أساتذة الثانوي الإعدادي يرون أن مؤسساتهم خاضعة لفائض من المبادرات والإصلاحات المتسارعة، مقابل متوسط دولي لا يتجاوز 39%.

كثرة الإصلاحات في غياب الإصلاح الحقيقي، خطط تتناسل قبل أن تنجز سابقاتها، ومبادرات تصدر دون موارد، وتغييرات تفرض دون مواكبة؛ يرى هؤلاء الأساتذة أنها مسلسل من الارتجال والاستعجال والعبث، لا سيما في غياب تام لأي دراسات دقيقة تقيم الحصيلة السابقة.

وفي إشارة أخرى مرتبطة بغياب الإحساس بالاستقرار المهني، يرغب 44% من أساتذة الثانوي الإعدادي في تغيير مؤسساتهم مقابل 21% في المتوسط الدولي، وربع الأساتذة في السلكين يفكرون في مغادرة المهنة نهائيا خلال خمس سنوات، وترتفع هذه النسبة إلى 59% لدى من تجاوزوا الخمسين.

خلاصة التقرير

ما تقوله TALIS 2024 عن التعليم المغربي ليس جديدا في جوهره، ولن يتغير في عام أو عامين، سيما وأنه موثق بأرقام مقارنة دوليا. فنحن أمام منظومة تملك كوادر شابة وملتزمة لكنها تهدر بتوزيع ظالم. وتملك أساتذة منخرطين لكنها تحاصرهم بضعف الاستقلالية وغياب الحوافز. وتملك مؤسسات وقوانين وخططا لكنها تغرقها في موجات الإصلاح المتتالية التي لا تصلح بقدر ما تشوش.

والدفاع عن الأستاذ ودوره وكرامته ومكانته ليس ترفا فكريا، بل هو في صميمه دفاع عن الوطن وعزته، بحث عن الرقي به إلى مصاف الدول المنتجة للمعرفة والمستثمرة في مستقبلها. وما دام السؤال الجوهري معلقا بلا إجابة حقيقية، وما دامت الإرادة السياسية تكتفي بالإعلان عن النوايا دون بناء الشروط، فإن كل ما سيقال عن الجودة والارتقاء والتميز لا يعدو أن يكون فقاعات مصطنعة.


[1] تعرف نفسها في موقعها الرسمي بأنها “منظمة اقتصادية حكومية دولية تضم 35 دولة عضو، تأسست عام 1961 لتحفيز التقدم الاقتصادي والتجارة العالمية. إنه منتدى للبلدان التي تصف نفسها بأنها ملتزمة بالديمقراطية واقتصاد السوق، وتوفر منصة لمقارنة تجارب السياسات، والبحث عن إجابات للمشاكل المشتركة، وتحديد الممارسات الجيدة وتنسيق السياسات المحلية والدولية لأعضائها.”