توطئة تاريخية
لقد ساس النبي صلى الله عليه الناس بالوحي يتنزل عليه وعلى أصحابه الكرام غضا طريا. علم الوحي (القرآن والسنة)، الجامع للأحكام والتشريعات، وما تعلمه صلوات ربي عليه من ربه، وبما أدبه به خالقه ومولاه، وما تخلق به من مكارم وفضائل بين العالمين. كانت الفطرة سليمة تستجيب لنداء التوحيد ولدعوة النبوة الرحيمة بتدرج وتؤدة رفيقة بالقلوب. ينذرهم ويرغبهم الحبيب صلى الله عليه وسلم مرتادا أسواقهم ومجامعهم: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” 1.
انكسر العلم النبوي زمن الملك العاض، لكنه لم يندثر من الحضور الفعلي كتخصصات متناثرة عند العلماء في مصنفاتهم الزاخرة. فلا يكاد اجتهاد علماء السلف يتعدى أصول الفقه والعبادات، وفقه المعاملات، والأحكام الاجتماعية والسلطانية. أمسى ميراث النبوة منحسرا معزولا عن السياسة ومطلب العدل في حياة الناس وعن النهي عن الظلم والجور، منفيا من حظيرة الدعوة.
لقد أنتج الفصام النكد بين القرآن والسلطان في زمان الجبر والاستبداد الحالي إقصاء شبه كلي للدين في الحياة العامة، ناهيك عما اختلط فيه من ملوثات الفتنة، والغفلة الفردية والجماعية عن ثوابت الدين، وطغيان العلمانية وقمامات الحداثة وغيرها كثير. هل يا ترى سلم دين المسلم من الأذى؟ وهل يكفي إنسان الألفية الثالثة العلم بالكتاب والسنة ليهتدي ويكتمل دينه ويدافع الباطل، ويصانع واقع الفساد والاستبداد؟ أم يسلم نفسه لجدالات العقل العقيمة في الخلاف، ويستسيغ القدح في علوم الأولين وحتى المعاصرين من أولي العلم؟ وبمعنى أبسط أي علم يراد للإنسان المعاصر؟
1- أول العلم وآخره “لا إله إلا الله”
حول النبي صلى الله عليه وسلم تحلقت جموع ثلاثة بين محب ومتربص؛ الصحابة المحبون للنبي المستجيبون لنداء الوحي، والكفار واليهود المناهضون لمشروع النبوة، ثم المنافقون وهم أشرس فئة على الإطلاق في زمان النبوة وفي كل الحقب التاريخية، هم فتيل يسهل إضرامه، مذبذبين بين مجالس الوحي ومجالس الكيد للدعوة المحمدية ولمسار الحق عموما.
العلم الذي بثته النبوة بين الناس علم هداية ربانية، يبني قلوبا تنكر الشرك وتعرض عن جهالة الكفر، وتتيقظ لحبال الغفلة والفتن. فلا غرابة أن تجد المنافقين لا حظ لهم من هذا الفهم لعلم النبوة، فهم قلب من قلب موحى إليه من رب العالمين وهو القائل سبحانه وتعالى في محكم التنزيل عن نبيه واصفا من حوله من المنافقين: وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا [محمد: 16]. لم تصلهم هداية القرآن وأنوار صحبة العدنان، إنما فاز بهذا المقام من وصفهم الرحمن بأولي العلم لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.
الصحابة الكبار ومنهم الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين هم ورثة العلم النبوي الأوائل في بناء صرح الدعوة المحمدية بالتزكية القلبية وسمو الأخلاق والجهاد. في المقابل لكل دعوة حق وإيمان وسمو بآدمية الإنسان يتواجد المتربصون من تحالفات الكفر والنفاق. يحول الله بينهم وبين هدى الفرقان أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد: 16]. طبع الله على القلب المنافق حين أغلقوا نوافذ الإيمان بالله وبالغيب وتعنتوا على منبع الوحي ومبلغ الوحي، فكيف يحصل لهم – أي المنافقين والمكذبين – الإيمان في الآخرة والله يقول فيهم: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ[سبأ: 53]؟ 2، أي في الدنيا وكذبوا الرسل وحاربوا الرسالات.
خطاب العلم في القرآن تحدوه غاية عظمى وهي استكمال العبودية الخالصة لله وحده. علم بالقول “لا إله إلا الله” ذكرا وتسبيحا وإيمانا، تجسده جوارح الإنسان عملا على مستوى الفرد والجماعة، لتستقر فيه معاني لا إله إلا الله في العقل والقلب ويتيسر تنزيله في أرض الواقع.
ونحن نسوق علم الأكابر من ورثة علم النبوة الذين جاهدوا لنيله النفس والهوى، وقطعوا عنهم حبال الجاهلية واعتصموا بالمصحوب النبوي سيد الخلق وبمحجته البيضاء من بعده لا يزيغ عنها إلا هالك، نتساءل: ما هي سمة هذا العلم وما منهاجه؟ وكيف يستمسك المسلمون به في زمن الفتن العارمة؟
في الوقت الذي سيطرت فيه نظم العولمة والتسابق نحو العلوم الكونية الحديثة التي أصبحت معيار العالم، بل الميزان المعتمد في كل مناحي الحياة البشرية، لا مجال لإنكار الدور الرائد للعلوم التجريبية والإنسانية في التكوين المعرفي والفكري، وفي مسار بناء حضارة الإنسان، لكنها لا تجدي نفعا إذا أقصيت تربية الوحي وأخلاق الوحي وشرائع الوحي المنظمة للبشرية. فالعلم بدون إيمان وفي غير استحضار للغيب والنبأ العظيم مظلمة، ووحشية تدمر البشرية وتهتك أوصال الإنسانية.
ما تحتاجه البشرية والمسلمون بخاصة حسب تعبير الأستاذ عبد السلام ياسين هو “ذاك العلم الكلي”، والفقه الذي “يشمل المعاملات الجزئية والعبادات الفردية، في نسق واحد يؤدي وظيفة إحياء الأمة وإعادتها إلى حضن الشريعة وصراط الله” 3، ذلك الفقه هو ما وسمه رحمه الله بعلم المنهاج النبوي؛ الفقه الجامع لما تفرق في الأمة من علوم عقلية ونقلية وتربية وتزكية، علم لواءه لا إله إلا الله توحيدا وتنزيلا وجهادا وتبليغا، لا يفصم بين الدعوة والدولة، وبين الصلاة وسياسة الناس بالعدل.
اليوم وقد أضحت الأمة غثاء عدديا، مغلوبة من لدن الاستكبار العالمي، ومقهورة تحت سندان الاستبداد العربي في أمس الحاجة إلى هذا العلم الشامل للدنيا والدين، باعتباره علما يدعو إنسان الحداثة المادية والفكرية المفلسفة إلى التتلمذ تحت إمامة الوحي، الذي من أسمى سماته الغيب والصحبة النبوية الممتدة عبر الأجيال.
ما أحدثته العلمانية عبر الحقب التاريخية في أمة الإسلام لا يصلحه إلا فقه منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما يفعله الإلحاد والعولمة التغريبية المقدسة للمادة والمتعة والاستهلاك لا يصده ويكسب الإنسان مناعة وقوة في وجه فتنه إلا شمولية هذا العلم بحيث لا يتجرد من الغيب والإيمان، ويكون هذا العلم عملا يصلح الحياة المدنية المفتونة بالجاهلية بأخلاق القرآن وإحسان القرآن والتربية النبوية.
يقول الله تعالى لنبيه ورسوله صلوات ربي عليه بعد أن بخع نفسه على آثار أهل الكفر والنفاق أسفا يدعوهم فلا يستجيبون: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ” [محمد: 19]. الرجعة للأصل وهو الله وحده جل وعلا توبة وإنابة، دعاء ويقينا في أن التغيير والبناء من جديد وعلى أسس متينة لا يكون إلا بأول بلاغ النبوة والقرآن في سابق العهد وهو “لا إله إلا الله” هي البدء وهي المعاد.