تنزيل العلم النبوي في التغيير والبناء (2)

Cover Image for تنزيل العلم النبوي في التغيير والبناء (2)
نشر بتاريخ

لا جرم أن إنسان الألفية الثالثة في أمس الحاجة إلى العلم الشامل (الكتاب والسنة وعلومهما والعلوم التجريبية والإنسانية) ليمارس الغاية الكونية وهي الاستخلاف في الأرض، ويحقق العبور للآخرة. لكن أي علم هذا الذي يحفظ فطرته من الكفر والطغيان وأخلاقه ومعاملاته من الفسوق، وآدميته من الفسولة، وإنسانيته من الانحدار والتلاشي؟

لا ريب أن العلم الذي ارتضاه الوحي وترك ميراثه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو ما ينفع الدنيا والآخرة، الدين والدولة، هو “ذاك الذي يخط لنا ويعلمنا حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها، في تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه، في تربية وتنظيم جماعة المؤمنين، في إدارة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعايش، في إدارة الاقتصاد ووظائفه، في جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد، في تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه لهذا العصر” 1. إنه علم من أجلّ مقاصده التغيير والبناء لهذا الإنسان لكيلا تتبدل فطرته وتنفصم عن خالقها وتعرض عن نداء الإيمان والسعي الصالح الآمن.

1- الضرورة الإيمانية

في المشروع التجديدي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله نقرأ في المنهاج لخصلة العلم وشعبها 2، فبها بدأ هذا الدين الحنيف منزلا على سيد المرسلين صلوات ربي عليه عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 5]. علمه ربه الأكرم ليتعبد ويبلغ الرسالة لتكون رحمة للعالمين الجاهلين كنه وغاية وجودهم. بدون هذا العلم وتبعا لمسار النبوة لا يسلك سالك إلى ربه ولو تبحر في علوم الأرض كلها، لأنه يخطئ الغاية والمقصد، ويضل عن المسلك، ويتيه عن الصراط المستقيم.

بات العلم النبوي فرض عين على كل إنسان في زمان غُيِّبَ الله والدار الآخرة عن الحياة العامة، وأمسى التعامل والتفاعل مع الواقع يحتاج لسلاح الفهم عن القرآن والسنة والنظر في التاريخ بحيث “يأخذ -الإنسان- من العلم ما يقيم به فرضه وسنته، ويتوسع في فقه الشريعة ما أمكنه” 3. هذا إلى جانب النظر في علوم التخصصات التكنولوجية والتجريبية المهمة لاكتساب مهارات وتجارب الحياة.

تكمن شمولية هذا العلم النافع للفرد والجماعة في كونه ينأى بنفسه عن مرامي الفلسفات الجاهلية التي ربطت الإنسان بالطبيعة، وقيدته بالصدفة والعدم، وعزلته عن أصل خلقه، وقطعته عن خالقه، وخاصمته مع فطرته، وأقصت المعاد والغيب من حياته. تلك هي الفتنة العلمية التي ابتلي بها فكر الأمة بعد نحلة الغالب وفلسفة الدين، بل صارت بعد عصر الحداثة حمأةً مُدَّتْ بِمَاء بعد الغزو الإلحادي والتغريبي الماسخ للفطرة، المخترق للتربية الإيمانية الإسلامية والقيم، المنازع للمسلمات والثوابت.

2- الضرورة العملية والمقاصدية

تتحدد ضرورة العلم بالغاية منه والمقاصد التي سطرتها نواميس الله وسننه في كونه سبحانه، إذ لا يمكن أن يُعرف الله ويُستسلم لشريعته، ويُقام القسط والعدل بميزان الحق في أرضه بغير مطلب العلم.

علم بشقيه اللازمين: نتاج ما وصلنا من منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعة القرآن، والعلوم الكونية العقلية. تلك هي القوة التي حث عليها القرآن في واجب الإعداد للحاضر والمستقبل وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60]. إعداد لمواجهة النفس وسهامها الإبليسية، وممانعة الباطل والفساد والاستبداد.

وتحذو هذا العلم إرادة العمل وعزيمة التنفيذ في الواقع على كل المستويات المطلوبة، التعبدية والمعاملاتية، والأخلاقية والسياسية وغيرها. العلم إمام العمل 4 كما يقول الإمام ابن قيم رحمه الله، فكل عمل لا يكون ملازما للعلم تابعا له فهو غير نافع لصاحبه، ضار للمجتمع، بذرة فساد في الأمة، وكما قال بعض السلف: “كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به” 5.

يتساءل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في معرض حديثه عن خصلة العلم عن ماهية هذا العقل والإرادة التي يفهم بها وينفذ بها “العلم النافع” الشامل. فإذا كان الوحي قد شمله الحفظ الرباني فتنزيله على مستوى الفهم في الميدان على مستوى الفرد والجماعة يتباين ويختلف فيه التصور بحسب إرادة الإنسان ومدى إخلاصه في تلقيه وتشربه مما يؤثر على العمل به في أرض الواقع.

لقد حذر الإمام رحمه الله في مشروعه المنهاجي من مزالق ثلاثة إن صح القول: أولها: الجهل بماهية هذا العلم “إن عمدنا إلى كتاب الله والسنة نستنطقهما بذهنية لم تستكمل وسائل العلم” 6، فاختارت الانزواء بعد عجزها عن النظرة الشاملة التي تجمع بين علم السلف، وفهم التاريخ من الأعالي، وقراءة الواقع ثم التخطيط لمستقبل الإسلام والأمة.

ثانيا: مزلق اعتبره “الشر حين تكون النصوص سلاحا لتكفير المسلمين وتضليلهم” 7، وهذا ما تتخبط فيه أجيال اليوم بعد إضرام فتيل الطائفية والمذهبية الخلافية بين ذراري أمة الإسلام.

ثالثا: علم يُخَرِّج الطاعم الكاسي وديدان القراء. حصاد سيئ للعلم أن يولد من رحمه الطيبة علماء سوء ومن زلت بهم القدم يرضون الناس بما يسخط الله. لاريب أن ذلك من انفصال القرآن عن السلطان، وخضوع العالم والفقيه لسلطة الدولة. إن هذا المزلق يعطل الدعوة وكل تغيير وبناء في جسم الأمة.

إن حاجة المسلم للعلم الشامل ضربة لازب ليسلك إلى ربه، ويلزم صراط الهداية، ويعبر إلى الآخرة بسلامة قلب. لا يكون ذلك إلا بعلم “يمكن المسلم من فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده الله بالإرادة الجهادية” 8. تفتح معرفة مقاصد “الفقه الكلي” بوابة التحرر من عبودية ما يعترض مسار الإنسان ليكون عبدا لله، فينقذ نفسه وجماعة المسلمين والأمة جمعاء من مدلهمات الفتن العارمة. سيظل هذا العلم المؤتم بالوحي، المستنبط من اجتهاد السلف، المجَدَّدِ على يد الراسخين في العلم من رجال هذه الأمة المحمدية هو دليل الإرادة الجهادية التغييرية العالمة العاملة لأجل مستقبل الإسلام.


[1] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ط 2022/5، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع-إستانبول، ص236.
[2] هي خامس الخصال العشر من شعب الإيمان التي فصل فيها الإمام عبد السلام ياسين في منهاجه النبوي.

انظر: https://siraj.net/ar/books/المنهاج-النبوي-تربية-وتنظيما-وزحفا/pages/233?q=خصلة%20العلم


[3] المنهاج النبوي، م. س. ص 236.
[4] مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية، 1/82.
[5] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، ج2، ص6.
[6] المنهاج النبوي، م. س. ص234.
[7] نفسه.
[8] المنهاج النبوي، م. س. ص201.