ثلاثيات نظرية المنهاج النبوي: من اللاءات إلـى الملاذات

Cover Image for ثلاثيات نظرية المنهاج النبوي: من اللاءات إلـى الملاذات
نشر بتاريخ

أما قبل:

يقوم مشـروع جماعة العدل والإحسان علـى نظرية المنهاج النبوي التـي أثلها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله؛ نظرية تغييرية أصيلة تأسست علـى قراءة لتاريخ المسلمين حددت عوامل الانكسار ممثلة فـي الانقلاب الأموي علـى الخلافة وتحويلها إلـى مُلك وراثـي إلـى يوم الناس؛ نظرية تغييرية هـي منهاج علم وتربية يجدد الحافز الإيماني، ويُكسب المهارات والكفاءات العلمية والعملية صناعة للقوة فـي جميع المجالات الحياتية؛ نظرية تغييرية حازت قوة علمية شهد لها المنصفون بالأصالة والتماسك، وارتأى النظام المخزنـي تحجيمها وحصارها والحيلولة دون بسطها وتداولها، وبالأحْرى الاستفادة منها، فمنع مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله من العرض فـي المكتبات العامة وأروقة المعرض الدولـي السنوي للكتاب.

وسعيا للتعريف ببعض آليات ووسائل المنهاج النبوي الذي يعتبره الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله اجتهادا لهذا الزمان وهذا المكان جوابا علـى السؤال: “كيف نربـي الإيمان فـي القلوب، وعلم الجهاد في العقول، ودراية التحرك بين الناس، وطلب الشهادة في سبيل الله مع الصف وبنظام الصف؟” (المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا – ص: 30)، نقف عند مجموعة من ثلاثيات المنهاج النبوي ونختمها بإشارات عن مخرجاته.

اللاءات الثلاث:

وعيا بطبيعة الميدان والواقع السياسـي المغربـي، بادر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله وهو يخطّ أولى سطور مشروعه التغييري لرفع لاءاته الثلاث:

1. لا للعنف بكل أشكاله.

2. لا للسـرية والانكفاء علـى الذات.

3. لا للتعامل بكل أنواعه مع الخارج.

وإذا كانت اللاءات الثلاث تشترك فـي المآل والعاقبة حيث تسُوق إلى المحاسبة القانونية وتسوِّغ القضاء علـى العمل ووأده فـي بداياته، فإن رفض العنف فـي بعده الأفقـي وعلاقته مع الشعب يستند إلى قراءة لواقع أمة مفتونة مغلوبة علـى أمرها نتيجة انكسار تاريخـي خاصم فيه السلطانُ القرآنَ، فانتُقِضت عرى الإسلام بدءا بحكم راشد شوري استحال مُلكا عَضُوضا وجَبْـرِيّا وانتهاءً بترك الصلاة كما في الحديث النبوي؛ انكسار أحدث تراجعا فـي منسوب تديّن الأمة وفتنةً تطلبت تطبيبا رحيما بدل تسليط سيف الابتداع والتكفير علـى رقاب العباد وتعنيفهم. هـي لاءاتٌ تؤشـر إلـى فقه مسدّد حصنت العمل من أي استهداف وقطعت علـى المتربصين بالعمل الإسلامـي الطريق.

العقبات الثلاث:

من متطلبات التنظير لأي مشـروع استحضار الصعوبات خلال عملية التنزيل تفاديا للفشل والإخفاق؛ صعوبات لا يُكتفـى بتحديدها والتنبيه إليها، بل بتحديد سبل التصدي لها، فحدد المنهاج النبوي ثلاث عقبات “لكل منها بعد نفسـي تربوي وبعد اجتماعـي تنظيمـي”:

1. ذهنية رعويّة/إِمَّعِيَّةٌ: وتسمـى أيضا “عقلية القطيع” وهـي فقْدُ الثقة فـي النفس علـى الفعل، “تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل”.

2. أنانية مستعلية: تعنـي تضخم الذات والكسب المجانـي دون تضحية أو جهد. “قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس!”.

3. عادات جارفة: تتجلـى فـي مجاراة التيار السائد باعتباره يشكل منطقة آمنة، فلا يُسعـى لإحقاق حق ومعروف أو إبطال منكر؛ عادات ونفسية “تقدّس” المتعارف عليه وتتصدى دون وعـي لأي تصحيح أو تغيير؛ “تقديس” للقائم من الأوضاع يُحيل علـى موقف أقوام رفضوا الاهتداء بنفس التبرير: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَـىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلـَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (المائدة: 106).

النواظم الثلاث:

تعتبر النواظم الثلاث نقطة ارتكاز نظرية المنهاج النبوي، فلا عجب أن يُسهَب فـي بسطها. والنواظم هـي آليات أشبه بالقانون الداخلـي لضبط العلاقات فـي الجماعة أعضاءً ومؤسساتٍ. “فلا تنظيم إلا بنواظم، فإذا كان المؤمنون جواهر نفيسة كل منهم على حدة، فإنهم إن انتظموا فـي عِقد ازدادوا نفاسة. هـي ثلاث نواظم: الحب فـي الله، التناصح والتشاور فـي الله، والطاعة… ثلاثُ نواظمَ لا تقوم إحداها مقام الأخرى، ولا يقوى جسم إسلامـي على جهاد إسلامـي إلا بها”.

1. الحب فـي الله: جامع للقلوب مؤلف للصف، فــــ”جسم الجماعة إذا لم يكن يسوده الوئام الكامل، والوحدة الوجدانية العَقَديّة والتحاب فـي الله عز وجل، لا يستطيع أن يؤثر فـي مجتمعاتنا الفتنوية الفاسدة التي يسيطر عليها الحقد الطبقـي…”.

2. التناصح والتشاور: يُـربّـي علـى الفاعلية والمشاركة فـي صناعة القرار وتحمّل مسؤوليته، فــــ”المطلوب إلـى كل عضو فـي الجماعة أن يهتم بأمر المسلمين وبأمر جماعته ويشارك، ويقترح، وينتقد، من موقعه وخبرته… أمِـرْنا ألّا نكون إِمّعَةً، فينبغـي أن نربـيَ فـي المؤمن القدرة علـى الصدع برأيه”.

3. الطاعة: تترجم القرارات إلـى فعل ميدانـي، فـــ”التنظيم الإسلامـي… يراد أن يكونا جسما قويا قادرا علـى التنفيذ. والطاعة عصمة الأمر كله مع المحبة والشورى”.

“فالمحبة فـي الله – يؤكد المنهاج النبوي – لحمُ الجسد ودمُـه. وهو بها وحدها جسمٌ رخوٌ لا يقوم لجهاد. والهيكل العظمـي هو التناصح والتشاور لما فيهما من صلابة فـي الحق تشبه صلابة العظم فـي الجسم. والتناصح والتشاور بلا محبة تغطـي العيب، وتتجاوز عن الهفوة، قعقعة آراء، وأنانيات، وتأجيج خلاف. ثم لا يكون الجسد حيا إلا برئيس يقوده، وأجهزة تنفذ أوامر الرئيس. فالرئيس فـي جسد اللحم والدم والعظم العقل الآمر…”

المزالق الثلاثة:

علـى قدر توازن التربية تطيب النتائج، وكل خلل فـي التربية يؤدي إلـى خلل فـي البناء وفشل العمل؛ توازنٌ تربوي يفرض تفادي ثلاثة مزالقَ:

1. زهادةٌ بدعوى الروحانية: إيثارا للعافية، وتبريرا للهروب من الميدان، واستقالة من معمعان مخالطة الناس والصبر علـى أذاهم، يُشتغل علـى خُويصة النفس.

2. إغـراقٌ فـي الفكر: وعيا بإكراهات العمل الميداني تربيةً للناس وتعبئةً للجهود، يُؤْثـِر البعض مجال الفكر اعتقادا منهم أن سبب تخلف الأمة الأساسَ هو الجهل وعدم مواكبة الركب الحضاري والعلمـي.

3. تقصير أو إسـراف فـي الحركة: الفعل الميدانـي مطلوب لكن دون إفراط أو تفريط، مع وجوب التسلح بالحظ من التقوى والعلم، وإلا أضحت حركة تائهة: ضجيج ولا طحين.

شـروط التربية الثلاثة:

إذا كانت النواظم تضبط العلاقات وتؤطرها، فإن المعول عليه لنجاح النواظم فـي بناء جماعة تصلح محضنا لتربية إيمانية تعالج الخلل فـي النفوس، وتستأصل الأنانية وحب الظهور والشح والهوى المطاع؛ تربية “علـى نجاحها يتوقف ميلاد المسلم فـي عالم الإيمان، ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد إلا بتربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية”؛ تربية حُددت لها شـروطٌ ثلاثة:

1. الصحبة والجماعة وفـي الجماعة: “هـي لقاء رجل يربيك وجماعة مؤمنة تؤويك تحضنك، حتـى يسري بصحبة المربـي والجماعة إلى قلبك وسلوكك أو سِلك من أسلاك نور الإيمان، وأول نفحة من عبيره، وأول فيض من مائه”؛ “ومتى كان المصحوب وليا لله حقا والصاحب صادقا فـي طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة”. وفـي حديث الترمذي وأبـي داود: “الرجل علـى دين خليله، فلْينظر أحدكم من يخالل”.

2. الذِّكرُ: به يخرج المؤمن والمؤمنة من الغفلة والتيه، وإليه يُلاذُ فرارا من هوس العالم وضجيجه. “ومتـى أصبح ذِكر الله ودعاؤه والإقبال عليه فـي كل زمان الفرد المؤمن والجماعة الإيمانية المجاهدة هـو الشغلَ الأولَ للقلب واللسان والجسم والفكر، فقد بدأ تحوّلُ الفرد والجماعة من الغفلة عن الله لـذِكْره…”؛ “وإنما تحيـى القلوب بذكر الله والتفكر فـي آلائه، واستمطار رحمته، ومناجاته… حتـى يصبح همُّ المؤمن اللهَ”. “رجال ذاكرون رجال مجاهدون، قوم غافلون قوم قاعدون”.

3. الصدق: الاستعداد لطلب وجه الله، و”البرهنة بالاستقامة فـي القول والفعل علـى الاستعداد للجهاد”: “قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (سورة النمل: 66). ومن مقتضيات الصدق أن يعرف العضوُ موقعه فـي الصف، وأن يعرف متطلبات المرحلة، وأن يبذل الوُسع للقيام بواجب الوقت. “لابد أن يكون الصف مكونا من عناصـر قادرة علـى التماسك، ولابد داخل الصف أن نميِّـز العناصـر القيادية ذات الاستعداد العالـي لنضعها فـي مكان المسؤولية”.

أما بعد: 

استعرضنا ثلاثيات نظرية المنهاج النبوي التـي اشتغلت عليها جماعة العدل والإحسان باعتبارها محضن المشروع وبيئة التنزيل؛ نظرية وجبت مساءلتها عـن الجدوى والأثر فـي المجتمع بعد أربعة عقود ونيف من العمل الميدانـي علـى الرغم من ظروف التضييق والعرقلة والتشويش التـي فُرضت علـى الجماعة منذ نشأتها إلـى يوم الناس؛ أثَـرٌ يمكن رصده وتقييمه من خلال ملاذات ثلاثة:

الملاذ الأخلاقـي:

التربية، التربية، التربية، أمُّ أولويات الجماعة كما صـرّح الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله مؤسس الجماعة ومرشدها فـي الندوة الصحفية غداة رفع الحصار عنه (20 ماي 2000م) جوابا علـى سؤال حول أولوية الجماعة. تربية إيمانية متوازنة تجدد الإيمان وتشحذ الإرادة وتبعث الحافـز لطلب الخلاصين: خلاص فردي للفوز بالله ورضاه وتشوفا لمقام الإحسان، وخلاصٌ جماعـي انخراطا فـي مشروع انبعاث الأمة وانعتاقها من الغثائية والذيلية تأهيلا لمعانقة البشارة النبوية أن بعد دياجير قرون مُلك العضّ والجبْـر خلافة ثانية علـى منهاج النبوة؛ تربية إيمانية انتشلت أفواجا من شباب المجتمع من تيارات التطرف والانحراف، فجنبت البلاد ويلاتِ قلاقلَ زلزلت بلدانا وزعزعت استقرارا؛ تربية إيمانية نبوية سـرت نموذجا فـي الناس وجها باشا، وكلمة طيبة، ونصحا رفيقا، وتطبيبا رحيما لأعراض الفتنة والغفلة عن الله، فاستحالت جماعة العدل والإحسان ملاذا أخلاقيا وعنوانا للتائبين.

ووعيا منها بمركزية الجبهة الأخلاقية، تتخذ جماعة العدل والإحسان مبادرات متنوعة ترافعا عن منظومة قيم المجتمع وهُويته الحضارية وتصديا لمخططات التمييع والتفاهة التـي يراد أن تستحيل “نظاما عالميا” يفكك الروابط الاجتماعية، ويشوش علـى مشاريع نهضة الأمة وانبعاثها من كبوتها.

الملاذ السياسـي:

مع التربية تُبنـى المواقف والتـي علـى قوتها ووضوحها وثباتها تقاس مصداقية نظرية المنهاج النبوي، مواقفُ رسمت الخط السياسـي لجماعة العدل والإحسان منذ نشأتها فأبت الدخول فـي جُبّة النظام وتحت عباءته، وانحازت وبمسؤولية إلـى قضايا الشعب ومطالبه فـي الحرية والعدالة والكرامة، حتـى أضحـى اتهام جماعة العدل والإحسان بالوقوف وراء كل فعل احتجاجـي لازمة فـي المشهد السياسـي المغربي، وهو اتهام بقدر ما يروم التخويف من الاحتجاج يشهد للجماعة بحضور فـي الميدان وتجاوب مع نبض الشارع؛ مواقف أدّت الجماعة فاتورتها تضييقا، وحصارا، وتشويشا، وتشهيرا، ومصادرة للأرزاق، وحرمانا من الشغل، ومنعا من الجمعيات، وإعفاء من المهام الوظيفية، وتشميعا للبيوت، فترشحت لتكون، مع آخرين، ملاذا سياسيا لأحرار وفضلاء البلد وذوي المروءات لتدشين جبهة تتصدى لتغوُّل الاستبداد (حراك فبراير 2011 نموذجا)، وبناء الثقة بين الفاعلين المجتمعيين لإطلاق حوار مجتمعـي يُتوّج بميثاق مؤطر للعمل الميدانـي المشترك والإصلاح الهادئ الذي يجنب البلاد القلاقل، ويفوت علـى المتربص الخارجـي الفرصة لإجهاض مشـروع الإصلاح.

الملاذ العلمـي:

مثلما انحازت الجماعة لمطالب الشعب فـي الحياة الكريمة، انحازت لقضية فلسطين معتبرة إياها أم القضايا ومفتاح تحرير الأمة من الاستبداد محليّه وعالميّه؛ انحياز أصيل وليس طارئا فـي مشروع الجماعة علـى المستوى النظري من خلال مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وتضامن ميدانـي رفع طوفان الأقصـى وما واكبه من إبادة وتصفية عرقية للإنسان الفلسطينـي منسوبه؛ تضامن تنوعت فعالياته تُوّج بإحداث المجموعة العلمائية المغربية لإسناد القضية الفلسطينية بمبادرة من مجموعة من العلماء الشرفاء ضمنهم ثلة من علماء الجماعة يُرجـى أن يكون واجهة علمية وأكاديمية تعضد السردية الفلسطينية وتسهم فـي بناء الذاكرة وتدارك تبعات إخلاء المجال للكيان الغاصب لفرض روايته.

إسناد علمـي للقضية الفلسطينية يؤكد استواء مشـروع الجماعة وقدرتها علـى التدافع، مثلما ما يؤكد حضورها وتأثيرها فـي مختلف المجالات.