بقلم: عائشة الهلال
لك العتبى حتى ترضى
ويشاء الله عز وجل أن يلم المرض بعم الرسول الكريم صلى الله علیه وسلم ومانعه من المشركين فتوافيه المنية على ملة الأجداد وصدى كلمات النبي كان لا يزال يتردد في غرفة العم “أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله” ليستحيل الحزن حزنين: حزن على فقد الحصن الذي كانت تحتمي به دعوة الإسلام الفتية، وحزن على إصرار العم على مسايرة قومه في عقيدة الشرك إلى آخر نفس.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان حين يأوي إلی بيته يجد اُمنا خديجة وما أدراك ما خديجة، يجدها قد بسطت له من أجنحة المحبة والود والرفق ما يسكن ألم الروح ولواعج النفس. ولا عجب في ذلك فهي من هي: آزرته في أشد الأزمات وخففت عنه مغارم الجهاد ومره وها هي اليوم تهون عليه ما وجد من عنت قومه بعد أن فقد العم.
إلا أن سهام المنايا سوف تصوبها الأقدار هذه المرة إلى بيت النبوة. فيختار الله عز وجل طيبة الذكر، اُمنا خديجة إلى جواره راضية مرضية. فمن يسري عن المصطفى وقد اشتد عليه ألم الفقد وزاد الوجع على الوجع وأصبح قومه أكثر جرأة علی جنابه الشريف ولم يرعو سفهاؤهم عن إذايته والنيل منه.
بکت إحدی بناته يوما ورقت لحال أبيها حين حث السفهاء التراب على رأسه، فهدأ من روعها وهو يردد بيقين الأنبياء “إن الله مانع أباك”.
ولم يمض كثير وقت حتى خرج رسول الله بدعوته من مكة إلى الطائف راجيا أن يجد فيها تربة خصبة تنمو فيها دعوته، وقلوبا لينة مستجيبة لنداء الحق بعد أن كابد وثلة من المؤمنين برسالته أصنافا من العذاب والاضطهاد والصد. لكن أهل الطائف لم يكونوا أقل جرأة وسفها من غيرهم ولم يكتفوا بأن أغلقوا قلوبهم وصموا آذانهم عن دعوة الحق بل أخرجوا الحبيب صلى الله عليه وسلم مکسورا مقهورا من سوء فعالهم ليبث شكواه إلى الحكيم الكريم ورب المستضعفين، شكوى من قلت حیلته وهان أمره على الناس، فله العتبى حتى يرضى ولا حول ولا قوة إلا بالله.
جبر بعد كسر
ولأنه الكريم الحليم وجابر قلوب أنبيائه وأوليائه، أرسل ملك الجبال ليرفع الضيم عن عبده وليكون طوع أمر الرسول الأكرم إن شاء أن يطبق الجبلين على قومه فعل، لكنه رفض رجاء أن يخرج الله من أصلاب هؤلاء الموتى أحياء يوحدون الله ولا يشركون به.
وتمضي الأيام ثقيلة، والدعوة تشق طريقها الوعر بين اضطهاد لا تخمد ناره ونجاح يتلمح نوره في الآفاق البعيدة.
وفي ليلة من ليالي رجب حيث کانت تسكن مكة ويلفها صمت لا يقطعه إلا أنفاس الليل، يخلد المصطفى إلى النوم في بيت أم هانئ، سيدة جمعت بين القوة والحكمة والإيمان وكانت تلك الليلة مختلفة تجلى فيها عظم الجبر وتمام الرضا عن المحبوب. كان الحبيب على موعد مع رحلة معجزة، شرف بيت أم هانئ بأن يكون مبتدأها ومنطلقها. إنها رحلة الإسراء والمعراج.
لنريه من آياتنا الكبرى
هو نهج الكريم مع أنبيائه ورسله، يريهم من آلائه وآياته الكبرى ليثبتوا ويصمدوا أمام العناد والصد والتنكيل وليعرفوا منازلهم ويتحققوا من قدرهم عند من اصطفاهم رسلا وهداة للناس.
قُلنا یَا نَارُ کُوني بَرْدا وَسَلامًا عَلَى إبْرَاهِيم [الأنبياء 69]
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ[طه 17-21]. هما مثالان لما أكرم الله به أنبياءه ورسله تثبيتا لهم وتحديا سالما من كل معارضة لمن أشرك وشكك.
أما سيد الأنبياء وإمامهم فقد رأى من آيات ربه الكبرى حین طويت له الأرض والسموات، فتمت رحلته المعجزة في ليلة واحدة تحدت کل حسابات العقل القاصر عن إدراك عظمة الخالق، يقول عز من قائل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء 1] من آياته رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم لإخوانه من الأنبياء، كان يوحى إليه بشأنهم وها هو الآن تكتحل عينه پرؤيتهم والسلام علیهم وإمامتهم في الصلاة، فأي شعور يضاهي شعور الأحبة في الله في موقف اللقاء. يقول العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله “لم یکن الإسراء مجرد حادث فردي بسيط رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات الكبرى… بل اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان دقيقة وإشارات بعيدة المدى… فالرسول ھو نبي القبلتين وإمام المشرقين والمغربين ووارث الأنبياء قبله وإمام الأجيال بعده”.
نحو سدرة المنتهى
كانت لقيا النبي بأحبته وإخوته من الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه في الأرض أولا، مهد الدعوة وموطن اشتغالهم ومكابدتهم لسلطان الكفر والطغيان، وأعقبه لقاء ثان في عالم السموات، كان يعرج به، فیسلم على من يجد من إخوانه الأنبياء، ويطلع على بعض من أحوال أهل الجنة وأهل النار، وبينا هو كذلك إذ شم رائحة طيبة فقال: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ قال هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها. نعم لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من نعيمها وحدث به أصحابه فقصتها ملهمة لكل من سلك دروب الإيمان والجهاد لأنها خلدت درسا في الثبات عز نظیرہ في التاريخ، فقد تسلط عليها فرعون الطاغية وهددها بقتل الأبناء إن لم تراجع نفسها وترجع إلى ملة الكفر لكنها أبت وباعت النفس والولد رخيصا في سبیل الله فانتشر طيب صنيعها في الأرض وطيب ريحها في السماء.
وهناك حيث سدرة المنتهى، كان الحبيب المصطفی قاب قوسین أو أدنى، وفي مقام الجلال والجمال يكرم الجليل عبده بأعظم فريضة بل أعظم نعمه، إنها الصلاة، فرصة العبد للتحرر من ثقل جذب الأرض والعروج بالروح إلى الأعالي حتى تصير بين يدي المولى عز وجل فيرتاح البال ويطرب القلب وتسكن الجوارح، فما حملت فريضة ما حملته الصلاة من معاني الطهر والنظام وجمال الانقياد والخشوع للخالق سبحانه. ورغم بلوغ النبي إلى سدرة المنتهى فقد أثر عن الصديقة عائشة رضى الله عنها نهيها عن القول برؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لله عز وجل عند السدرة وكانت تردد قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] كانت رضي الله عنها موضع ثقة الصحابة في رواية الحديث، ذكر أن أبا موسى الأشعري قال “ما أشكل علینا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علما” فرضي الله عن معلمة الرجال والأجيال.
جبر وتسرية وأسرار
جبر الله تعالى لخاطر نبيه صلى الله عليه وسلم كان عظيما، قرت العين واطمأن القلب ورجع المصطفى يدعو الى ربه بحماس ويقين بموعود الله في إتمام هذا الأمر.
في طيات هذا الجبر وفي ثنايا هذه الرحلة المعجزة أسرار ولطائف تلوح للقارئ وهو يجول ويحلق في سماء هذا الكم من الإعجاز:
– كانت الرحلة تهيئة من الله الجليل لنبيه ولثلة المؤمنين من ورائه لعهد جديد ومرحلة فاصلة في الدعوة، تبدأ بالهجرة إلى المدينة المنورة وإقامة أسس دولة الإسلام الفتية.
– ربطت الرحلة أمة القيادة بأسلافها وأصولها من الأنبياء حيث صلى بهم إماما، وفي ذلك إيذان بانتقال القيادة الروحية والإمامة إلى أمة تتدفق بالبر والإحسان وتبني حضارتها على مبادئ التعاون والعدل والمساواة، تملأ العالم عدلا بعد أن ملئ جورا وقهرا.
– التقت في هذه الرحلة مكة بالقدس والبيت الحرام بالمسجد الأقصى، وهو ربط يشعر المسلمين بمسؤولیتهم نحو المسجد الأقصى المبارك، وكل نيل منه ما هو إلا توطئة للنيل من المسجد الحرام. وصون المسجد الحرام يبدأ بالذّود عن حرمة المسجد الأقصى وما بارك الله تعالى من حوله.
– قصة ماشطة ابنة فرعون تأكيد آخر على أن القوى المادية مهما علت واستعلت تبقى عاجزة عن إلغاء الفكرة وإخماد جذوة الإيمان في القلوب، يستوي في ذلك الرجال والنساء. كذلك كانت نساء الإسلام ولازلن، فخديجة وعائشة وأسماء ذات النطاقين وأم سليم وغيرهن كثيرات رضي الله عنهن. كن حلقات في سلسلة من نور ممتدة إلى قيام الساعة، جاهدن وصبرن واحتضن دعوة الحق وأبدعن في ذلك وكن بحق منارات لنساء يسطرن اليوم أروع الملاحم في تاريخ يكتب بمداد من الفخر والعزة والكرامة.