إنّ البيوت لا تهدم حين تتساقط جدرانها، ولا حين تتصدع أسقفها، وإنما تنهار حين تنطفئ أنوار المودة في أركانها، وتذبل زهور الرحمة في ساحاتها، ويجف نبع الاحترام بين ساكنيها. فالبيوت تُشيَّد بالحب قبل الحجر، وتُصان بالكلمة الطيبة قبل الأثاث الفاخر. كلمة قاسية قد تكون معولًا يهدم صرحًا كاملًا، ولحظة كبرياء قد تشعل فتيل الخراب، وظلم صامت قد يقوّض أركان السعادة كما لا يفعل فقر ولا ضيق عيش.
فكيف يمكن للبيت أن يهدم حقا، فيصبح جحيما لا يطاق، يضاعف هموم المرء، ويزيد توتره، ويشوش ذهنه، ويكدر صفوَه؟
حين تخبو المودة وتذبل الرحمة
يهدم البيت حين يتحوّل من واحة سكينة إلى ساحة نزاع بين الزوجين، حيث تُستبدل لغة القلوب بلغة الخصام، ويعلو صوت الجدال على صوت المودة، فتغيب الضحكات التي كانت تملأ الأركان، ويحلّ محلها الصراخ والعتاب الجارح. ويهدم حين يفقد الزوجان فنّ الإصغاء، فلا يستمع أحدهما للآخر بصدق، بل يتحدث كل منهما ليغلب، لا ليفهم، فتذبل لغة التواصل، وتخبو شعلة التفاهم.
يهدم حين يُختزل الزواج في شكله الخارجي: بيت فخم، وحياة مترفة، ومظاهر اجتماعية براقة، بينما في الداخل فراغ عاطفي وجفاء وجداني. فجوهر الزواج ليس في المظاهر، بل في أن يجد الزوج في شريكه سندا، وتجد الزوجة في زوجها مأمنا، فإذا غاب هذا الجوهر، صار البيت مسرحا بلا حياة.
ويهدم حين يتكدس الصمت بين الجدران، ذلك الصمت البارد الذي لا يحمل طمأنينة ولا سكينة، بل يخفي خلفه جدارا من الجفاء يحول بين قلبين كانا يوما متحابين. إنه صمت الوحدة في حضرة الآخر، صمت الاغتراب داخل البيت الواحد، صمت يقول الكثير ولا يُقال.
ويهدم حين تغلق الأبواب لا على بيت عامر بالمودة، بل على أجساد متجاورة وأرواح متنافرة، فتضيق الجدران بما رحبت، ويصبح البيت قفصا خانقا يضاعف هموم المرء بدل أن يخففها. عندها لا يعود البيت ملاذا يأوي إليه المرء، بل يتحول إلى جحيم يزيد التوتر، ويشوش الذهن، ويكدر الصفو.
فالبيت في حقيقته لا يقوم على الطوب والحجر، ولا على الزينة والأثاث، بل على العدل في المعاملة، حيث يُنصف كل طرف الآخر، وعلى الرحمة في المواقف، حيث يُقدّم العذر قبل اللوم، وعلى الوفاء بالعهد، حيث يبقى كل وفيا لما تعهد به قلبه قبل لسانه. فإذا انهارت هذه القيم، سقط البيت من داخله، ولو بقيت جدرانه شامخة في الخارج.
إنّ البيت الحق هو بيت القلوب، لا بيت الجدران. هو ذلك الحصن الذي يحفظ المشاعر من التبعثر، والأحلام من الانكسار، والنفوس من الضياع. فإن وجدت فيه المودة والرحمة، كان جنة على الأرض، وإن فقدهما، صار خرابا مهما ازدانت جدرانه بالرخام والذهب.
لنجعل بيوتنا جنة
يصبح البيت جنة حين تلتقي المودة بالإيمان، فتغدو القلوب نابضة بالرحمة، والعقول مستنيرة بنور الله. وعندما يعلو التسامح على الخلاف، تنحسر الضغائن، ويذوب الغضب في دفء العفو، فتتعانق الأرواح ويسود السلام فيعم الهدوء النفوس، وتغذو الأرواح مطمئنة.
فالمودة شعلة مضيئة، لا تنطفئ إلا إذا سقيت بكلمات طيبة، ولمسات حانية، وابتسامات صادقة. كل كلمة رقيقة تشق طريقها إلى الروح، فتزرع الأمان والطمأنينة، وتخفف عن القلب ثقل الأيام. وكل لمسة حانية، سواء كانت عناقا أو مداعبة صغيرة، تتغلغل في النفس لتعلن عن الحب بلا كلام، وتذكر بأن الشريك حاضر دائمًا في الزاوية الأعمق من القلب.
أما الابتسامة الصادقة، فهي شعاع ينير الظلام، ويذيب الضغوط، ويجعل كل زاوية في البيت تتوهج دفئًا وسعادة. في كل اهتمام متبادل، في كل لحظة عناية يقدمها الزوجان لبعضهما، تكمن قوة خفية، تبني جسور المودة وتحميها من الصمت القاتل والبرود الروتيني. هكذا تصبح المودة ليست مجرد شعور، بل لغة حياة، تغذي الروح وتثري القلب، لتبقي البيت روضة من رياض الجنة.
والرحمة ماء يروي جدران البيت، فتزهر القلوب وتثمر التسامح. عندما نتجاوز الأخطاء بعذر قبل لوم، ونمنح الآخر الحق في أن يكون على طبيعته بلا سخرية أو احتقار أو تسلط، يتحول كل صراع بسيط إلى فرصة للتقارب، ويصبح كل خلاف جسرا يربط بين القلوب بدل أن يهدمها. الرحمة تضفي دفئا عميقا على الحياة المشتركة، وتجعل من البيت جنة ينعم فيه كل فرد بالأمان والطمأنينة.
وفن الاستماع هو الجسر الذهبي بين القلوب، والمفتاح الذي يحفظ البيت من الانهيار. فالكلمة حين تُسمع بصدق تصبح نعمة، تزرع الطمأنينة في الروح وتفتح أبواب التفاهم، بينما حين تُقال بلا انتباه أو باستهزاء أو استعلاء تتحول إلى جرحٍ يثقل البيت ويطفئ دفئه. الاستماع الحقيقي يتجاوز مجرد سماع الأصوات؛ إنه حضور بالقلب قبل الأذن، تفهم ومشاركة للشعور، وإتاحة مساحة للآخر ليعبر عن نفسه بلا خوف أو تردد. بهذا، يتحول البيت إلى جنة.
أما الصدق والوفاء فهما جوهر العلاقة الزوجية، تلك الكنوز الثمينة التي تزين البيت من الداخل، وتمنحه دفئا لا يزول. فكل كلمة صادقة تبني جسرا من الثقة المتبادلة، وكل وعد يُوفي به يرسخ أساس الإخلاص، فيشعر كل طرف بأن الآخر سند حقيقي في الحياة، لا يهزه أي اضطراب أو خلاف عابر. الأعمدة التي يشكلها الصدق والوفاء تصمد أمام العواصف والرياح، مهما اشتدت الصعاب، فهي تحمي البيت من الانكسار، وتحافظ على دفء العلاقات الداخلية.
وهكذا نجعل من بيوتنا جنة، حيث يسود الحب والاحترام، وتغمره المودة والرحمة. بيت تصان فيه القلوب وتربى فيه النفوس على الخير، ويكون ملاذا للأمان والسكينة. بيت تتعانق فيه الطاعة لله مع الاهتمام بالآخر، فتكون كل لحظة فيه فرصة للسعادة، وكل عمل صغير فيه بذرة لفرح كبير.