حدث الهجرة وأسئلة الحاضر

Cover Image for حدث الهجرة وأسئلة الحاضر
نشر بتاريخ

كيف نقرأ بعض الأحداث التاريخية حين تشتد أزمات واقعنا الراهن؟ أو كيف نقرأ واقعنا الحاضر بوقائع الماضي؟ أو بصياغة أدق، والعالم الإسلامي يحتفي بحدث صنع تاريخ أمة: ما الذي يجعل الهجرة النبوية حاضرة في لحظة راهنة يشهد فيها العالم صورا يومية للتهجير والحصار وغياب الأمان؟

أسئلة راهنية تجعل من الهجرة موضوعا للتفكير في معنى التهجير والموطن والذاكرة والكرامة، بغض النظر عن قدسية المناسبة.

ليست كل الأحداث التاريخية قابلة لأن تعبر القرون بالمستوى ذاته، فبينما تستقر وقائع كثيرة في أرشيف الماضي، تظل أحداث أخرى قادرة على استدعاء ذاتها كلما واجه الإنسان أسئلة مشابهة لتلك التي نشأت في سياقها الأول. وعلى هذا الأساس تبدو الهجرة النبوية حدثا يتجاوز زمنه الخاص، بما يثيره من قضايا تتصل بعلاقة الإنسان بالمجال والانتماء والأمن والمصير، فأمام ما يحدث يوميا في غزة من تقتيل وتشريد وحصار شعب أعزل، يصبح استحضار الهجرة مناسبة للتفكير في واحدة من أكثر القضايا التصاقا بالتجربة الإنسانية.

ماذا يحدث للإنسان حين يصبح وجوده اليومي مهددا؟ وكيف يعيد بناء علاقته بالمجال حين يفقد شروط الاستقرار والأمان؟

في هذا المستوى من القراءة، لا تفهم الهجرة بوصفها انتقالا مكانيا بقدر ما تقرأ  كلحظة لإعادة تشكيل الروابط الاجتماعية داخل الجماعة الناشئة. فقد برز فيها منطق الالتحام بين المهاجرين والأنصار، حيث اتخذت النصرة معنى بنيويا في بناء الجماعة، تجاوزت الاستجابة الظرفية إلى التحام دائم، قوامه الإيواء والتكافل وتقاسم شروط العيش، بما جعل من الهجرة تجربة مؤسسة لمعنى التضامن في لحظة الأزمة.

فمكة في هذا السياق، كانت موضع الذاكرة والقرابة والتجربة المشتركة، غير أن شروط الاستضعاف دفعت الجماعة إلى إعادة تنظيم علاقاتها الداخلية على أساس النصرة والمؤاخاة، بما ضمن استمرار وجودها الاجتماعي والديني في آن واحد، توج باستعادة الأرض وبناء خير أمة.

تحتفظ الهجرة بمكانة خاصة في الذاكرة الإسلامية لارتباطها بإحدى اللحظات المؤسسة في تشكل الجماعة المسلمة الأولى. غير أن ما يفسر استمرار حضورها عبر الزمن يتجاوز حدود الحدث في ذاته إلى ما يكشف عنه من آليات اجتماعية مكنت الجماعة من تجاوز وضعية الاستضعاف.

ولعل النصرة تأتي في مقدمة هذه الآليات، باعتبارها الإطار الذي انتظمت داخله علاقات المؤازرة والإيواء والتكافل بين المهاجرين والأنصار.

ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب الهجرة راهنيتها، فالقيمة التاريخية للأحداث تكمن في الأسئلة التي تظل قادرة على إنتاجها عبر الزمن، ولا شك في أن ما تثيره غزة اليوم من قضايا تتعلق بالحصار والاقتلاع والحق في العيش الكريم؛ يجعل من حدث الهجرة مناسبة للتأمل في معنى الثبات الإنساني أمام المحن، وفي قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج شروط الوجود الجماعي في أقسى سياقات الضغط التاريخي.

جملة القول؛ تكمن أهمية الهجرة في ما تفتحه من مجال للتفكير في كيفية تشكل الروابط الاجتماعية في لحظات الاستضعاف، وفي قدرة الجماعات على إنتاج أشكال الالتحام والتكافل والنصرة.