حين ارتفع علم فلسطين في جنازة محمد بنسعيد آيت إيدر

Cover Image for حين ارتفع علم فلسطين في جنازة محمد بنسعيد آيت إيدر
نشر بتاريخ

وفاء لتاريخ ومسيرة المجاهد أيت يدر -رحمه الله تعالى- في ذكرى رحيله الثالثة يحاول هذا المقال، بشكل مختصر، رصد حضور فلسطين في فكر وسيرة بنسعيد آيت إيدر، من خلال تتبع الوعي المبكر بالقضية، وانعكاساتها على مساره السياسي، ومواقفه الرافضة للتطبيع، ثم الرمزية البالغة التي حملها مشهد رحيله.

من مقبرة الشهداء بالدار البيضاء لم يكن المشهد مألوفا، جنازة رجل وأي رجل، إنه المجاهد آيت يدر الذي تختزل سيرته سيرة وطن ومسيرته من أجل الاستقلال والحرية والكرامة والديمقراطية، رجل من طينة خاصة وأحد رجالات المغرب الذين كانوا ضمير المغرب وروح تاريخه، بمبدئية الوطني الصلب وبصلابة الأمازيغي الجلد المقاوم الحر، وبأفق الإنسانية الرحب، وبالانتماء العروبي والإسلامي العميق، ليس مألوفا في المغرب أبدا أن يرتفع العلم الفلسطيني خفاقا في وسط المقبرة وفي أكنافها، وليس معتادا في المغرب أن يغطى الجثمان المسجى بالعلم الفلسطيني، فقد كانت هذه إشارات رمزية تحمل دلالات عميقة تلخص علاقة رجل بقضية، عرفها الرجل منذ نكبتها 1948 وواكب تاريخها، قضية فلسطين التي تحتل موقعًا مركزيًا في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، والتي تعتبر مرآة كاشفة لمدى التزام النخب السياسية والفكرية بقيم التحرر والعدالة، ومن بين الشخصيات المغربية التي تماهت مسيرتها النضالية مع هذه القضية، يبرز اسم المجاهد محمد بنسعيد آيت إيدر كأحد رموز الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة، الذي ظل وفيًّا لفلسطين باعتبارها قضية وطنية لا تقل أهمية عن معركة التحرير بالمغرب.

الوعي المبكر بالقضية الفلسطينية

تزامنت سنوات دراسته بكلية ابن يوسف بمراكش (1948) مع نكبة فلسطين، وقد تابع أحداثها عبر صحيفة العلم، لسان حزب الاستقلال آنذاك 1، يذكر في شهادته على قناة الجزيرة (شاهد على العصر) أن أحد زملائه التحق بصفوف المتطوعين بفلسطين وراسله من بيت لحم، مما عمّق ارتباطه النفسي والفكري بالقضية 2. بذلك كانت فلسطين مدخلا لاكتشاف عالم السياسة، وأحد أهم عناصر تشكّل وعيه الوطني والإنساني، وقد مثّلت تلك اللحظة حدثًا تأسيسيًا لجيل كامل من الشباب المغربي، إذ تداخل الوعي بالاستعمار المحلي مع إدراك مأساة استعمارية أخرى في المشرق العربي، وفي الجزء الأول من كتابه “هكذا تكلم بنسعيد”؛يستعيد أثر تلك المرحلة في تشكيل وعيه السياسي، مشيرًا إلى متابعته لأحداث فلسطين عبر صحيفة “العلم”، وإلى التحاق بعض معارفه بصفوف المتطوعين في فلسطين، كما أكد في شهادته ضمن البرنامج أن القضية الفلسطينية كانت من أوائل القضايا التي أدخلته عالم السياسة، وجعلته يربط بين أشكال الاستعمار المختلفة، ويمكن قراءة هذا التحول في ضوء ما يسميه بعض الباحثين بـ”الوعي العابر للحدود” في الحركات التحررية، حيث تتشكل الهوية النضالية في سياق تضامن أممي ضد الاستعمار، وعليه، لم تكن فلسطين بالنسبة إليه حدثًا خارجيًا، بل تجربة مرآتية تعكس واقع المغرب نفسه.

فلسطين في مساره النضالي والسياسي

اعتبر بنسعيد رحمه الله تعالى أن القضية الفلسطينية قضية وطنية للمغاربة، وليست شأنًا خارجيًا، بل امتدادًا لمعركة التحرر الوطني ضد الاستعمار 3 من موقعه كمناضل يساري، أكد على مركزية المقاومة الشعبية الفلسطينية باعتبارها التعبير الأصدق عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وظل يربط بين تحرير المغرب من الاستعمار الفرنسي ومقاومة الفلسطينيين للاحتلال الصهيوني، معتبرًا أن الحرية لا تتجزأ.

وقد تميّز فكر المجاهد بن سعيد بهذا الربط الواضح بين التحرر الوطني المغربي والتحرر الفلسطيني. فقد اعتبر أن مقاومة الاحتلال في فلسطين امتداد طبيعي لمقاومة الاستعمار في المغرب، وأن القيم المؤسسة للنضال الحرية، السيادة، الكرامة لا تكتسب مشروعيتها إلا بكونها شاملة.

في هذا الإطار، يمكن فهم موقفه ضمن تصور أوسع للفكر السياسي المغربي، الذي جمع بين الوطنية الصلبة والانتماء القومي، غير أن خصوصيته تكمن في إصراره على تحويل هذا الانتماء إلى التزام عملي مستمر، سواء في مواقفه السياسية أو في تصريحاته الفكرية المعلنة.

إن مفهوم “الحرية غير القابلة للتجزئة” يعتبر مفتاحا تحليليًا لفهم خطابه، فالتحرر، في تصوره، ليس شأنًا داخليًا يُحسم بجلاء الاستعمار، بل مسارًا أخلاقيًا يتطلب الانحياز إلى كل قضية عادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

مواقف رافضة للتطبيع

عقب إعلان اتفاقيات التطبيع في المغرب، تكررت المناسبات التي عبر فيه محمد بنسعيد آيت إيدر عن رفضه الصريح للتطبيع، معتبرًا أن المسألة تتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية إلى رهانات رمزية وأخلاقية، فقد أصدر مركزه للأبحاث والدراسات سنة 2020 نداءً يرفض كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني 4، كما دعا إلى حشد القوى الحية بالمغرب لمواجهة مشاريع التطبيع، مؤكدًا أن الشعب المغربي يعتبر فلسطين جزءًا من قضاياه الوطنية. 5. وفي مشاركته في المجلس الوطني للجبهة المغربية لمناهضة التطبيع سنة 2022، شدد على أن التضامن المادي والمعنوي مع الشعب الفلسطيني واجب وطني وأخلاقي. 6 وأنه جزء من الثوابت التاريخية للشعب المغربي.

وبينما اختارت بعض النخب -المتأيسرة والمتأسلمة- تبرير التطبيع باعتبارات واقعية، ظل بنسعيد وفيًا لمبدأ استمرارية النضال التحرري، معتبراً أن التنازل الرمزي يفضي إلى تآكل المرجعية الأخلاقية للحركة الوطنية، واعتبر بنسعيد أيت إيدر أن “المقاومة التي تقودها الفصائل الفلسطينية الموحدة هي الصخرة التي ستتكسر عليها قوارب التطبيع”، داعيا “كافة قوى الشعب المغربي المناضلة والمدافعة عن الحق بالتجاوب مع الدعوة الفلسطينية المتمثلة في رفع العلم الفلسطيني في كل المواقع يوم 15 شتنبر 2020 ومع غيرها من المبادرات تعبيرا منا عن رفض كل أشكال التطبيع، وتشبثا منا بكافة حقوق الشعب الفلسطيني الصامد” 7.

رمزية الرحيل

عند وفاته في فبراير2024، وفي جنازة مهيبة، غُطي نعشه بالعلم الفلسطيني، ورفرف علم فلسطين في سماء مقبرة الشهداء بالدار البيضاء 8، هذا المشهد لم يكن مجرد تكريم رمزي، بل تجسيد لمسار رجل ربط حياته بين النضال الوطني المغربي والدفاع عن فلسطين، فحين غُطي نعشه بالعلم الفلسطيني بدا المشهد تتويجًا لمسار طويل من الالتزام، فالرمزية هنا لا تُقرأ باعتبارها مبادرة عاطفية، بل باعتبارها تعبيرًا عن تطابق السيرة مع الموقف، فتوظيف الرمز في لحظة الوداع يعكس ما يمكن تسميته بـ”تراكم المعنى السياسي” في المسار الشخصي؛ إذ تتحول الجنازة إلى لحظة إعادة إنتاج للهوية النضالية والذاكرة الجماعية.

إن قراءة مسار محمد بنسعيد آيت إيدر تكشف عن شخصية نضالية جمعت بين الالتزام الوطني والبعد القومي، لقد كانت فلسطين رفيقة دربه الفكري والسياسي، منذ وعيه الأول وحتى آخر أيامه، ولهذا فإن إرثه يشكل درسًا للأجيال في ضرورة الربط بين معركة التحرر الوطني ومساندة القضايا الإنسانية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ففكرة التحرر غير القابل للتجزئة، لذا كانت فلسطين عاملا مكوِّنًا لوعيه السياسي منذ بداياته، وظلت معيارًا لقياس صدقية المواقف في مختلف المراحل، وعليه، فإن تجربة آيت إيدر تؤكد أن القضايا تتحول بفعل الاستمرارية والالتزام إلى جزء من الهوية السياسية ذاتها، لا مجرد مواقف عابرة.


[1] محمد بنسعيد آيت إيدر، هكذا تكلم بنسعيد، ج1، الدار البيضاء: منشورات طارق، 2010، ص. 57.
[2] برنامج شاهد على العصر، أحمد منصور يحاور محمد بنسعيد آيت إيدر، قناة الجزيرة، 2006.
[3] عبد العزيز بلقزيز، الفكر السياسي المغربي المعاصر، الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 2002، ص. 214.
[4] مركز محمد بنسعيد آيت إيدر للأبحاث والدراسات، “بيان حول التطبيع”، 2020.
[5] موقع هسبريس، “آيت إيدر: الشعب المغربي يعتبر فلسطين قضية وطنية”، 15 ديسمبر 2020.
[6] المؤتمر المغربي لمناهضة التطبيع، أشغال الدورة المنعقدة بالرباط، 2022.
[7] جريدة العمق المغربي، “تقرير عن جنازة محمد بنسعيد آيت إيدر”، 21 سبتمبر 2025.
[8] تحول الأمر إلى عرف نضالي وتكرر في جنازة المناضلين البراهمة وأسيدون.