حين تنطق الصورة

Cover Image for حين تنطق الصورة
نشر بتاريخ

لقد صاحبت الصورةُ الإنسان في رحلته عبر الزمان والمكان، ولم تفارقه، بل كانت من بين وسائله لفهم العالم وبناء المعنى والإفصاح عن مكنوناته؛ نقشها على جدران الكهوف، واستودعها خوفه ورجاءه، وما لم يستطع تفسيره، وبث فيها انتصاره وانكساره. ولقد كانت الصورة، ولا تزال، لغة كونية بامتياز، تنطق في لحظات بما تعجز عنه الألسن.

وهي في زمننا ليست مجرد شكل مرئيّ، بل أداة تفكير وتأويل وإشارات ودلالات؛ بل قد تحمل عبءَ التعبير عن المعاني الدقيقة التي تعجز الحروف والألفاظ عن حملها، حتى يكون المشهد نابضا بالحياة، وبذلك يكون لهذه اللغة الصامتة قوّتها وبلاغتها، وصدقها بعيدا عن الزيف والشعارات. ومن هذا الأفق، يأتي هذا النصّ ليتأمّل صورةً لا ترفع صوتها، لكنها تنطق صدقا، وتكشف جوهرا.

يجلس الأمين العام لجماعة العدل والإحسان؛ الأستاذ محمد عبادي إلى جوار نائبه؛ الأستاذ فتح الله أرسلان ـ حفظهما الله ورعاهما ـ فيتجلّى المعنى القرآني العملي في أحد أنقى صوره: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ ذلّةُ رحمةٍ لا ذلّ هوان، وعزّةُ حقٍّ لا صلابة طغيان، وخفضُ جناحٍ يُنشئ الهيبة وينميها ولا ينقضها، ويؤسس القيادة ولا ينمقها.

هنا يتوارى الشكل ليبقى الجوهر، وتخفت الألقاب حتى تذوب، وتنطفئ – بل تنكسر – أصوات الأنا، فلا يُرى منصبٌ ولا تُستحضر رتبة، وإنما تُرى قلوبٌ تجاورَت على بساط المحبة الصادقة، وأرواحٌ التأمت على عهد الإحسان، ولسانُ حالها يصدح في صمتٍ بليغ: إن العزة كلّها لله، ومن تواضع له رفعه.

تمعن تلك النظرة..

فإنها نظرة اللين التي لا تصدر إلا عن قلبٍ ممتلئ، والحبّ الصادق الذي لا يكون إلا مصدر المهابة الحقيقية؛ مهابَة لا تُفرض بالقوة، ولا تُستجدى بالرمزية، بل تنبثق من صدق التوجّه وصفاء السريرة. والذلّة لله مقام انكسار، وأساس من أسس القيادة الراشدة، وهل يقود الناس ويسوسهم من قلبه لم ينكسر  بين يدي الله ذلة، أم يُصلح الصفَّ من لم يُهذِّب نفسه  في محراب التواضع رفعة.

انظر كيف يلين أحدهما للآخر، كما يلين الغصنُ المثقلُ بالثمر؛ لا ضعفًا بل امتلاء، ولا تهاويًا بل نضجًا، ولا تصنّعًا بل صدقًا عميقًا، استقر في السلوك حتى صار طبعًا. هو لين العارف بمسؤوليته، الواثق بطريقه، الموقن أن الترفّع عن الإخوان فقر، وأن القرب منهم غنى.

وهكذا تشهد الصورة – دون أن تتكلم – أن القيادة صحبة قبل أن تكون إدارة، وأن المسؤولية أمانة قبل أن تكون سلطة، وأن خفض الجناح عبادة متصلة لا لحظة عابرة؛ عبادة تُربي الأحوال قبل الأقوال، وتشكّل الوجدان قبل البيان، وتترك أثرًا في القلوب  أبلغ من الخطب والكلمات الساحرة.

هنا تتكلم القدوة ببيانٍ صامت، وتُلقِي درسها بلا صوت، شاهدةً أن الإحسان روح الدعوة، وعماد الطريق، وسرّ الثبات حين تتقلب الأحوال وتشتدّ الابتلاءات. وهناك، في فسحة اللحظة التي تنحني فيها الأرواح قبل الأجساد، يتجلّى معنى الصحبة في أبهى أوصافها البهية.

انظر رحمك الله: وجهان أضاءهما السجود الطويل، والإشفاق من الجليل… وقلوبٌ صقلتها دموع الأسحار، انظر كيف يجلسان لا كشيخٍ ومريد، ولا كقائدٍ وجندي، بل باعتبارهما أخوين التقت جباهُهما على عتبة العبودية، فانتفى بينهما ما سوى الله.

 هنا؛ في انحناءة الكتف، وفي التفاتة العين، تقرأ تاريخًا من التربية والصحبة والجهاد الصامت، وتسمع آية: “وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين”؛ تتنزّل خُلُقًا يمشي على الأرض، لا حبرًا على ورق.

تلك الهيبة التي لا تصنعها الألقاب بله المظاهر، إنما يشعها قلبٌ تعلّق بالسماء حتى استغنى عن تصفيق الأرض وأهلها، وتواضَع حتى صار بالقرب منهم أرفعَ ما يكون.

إنه مشهدٌ يقول لنا دون أن ينطق: القيادةُ أن تبقى عبدًا منطرحا بين يدي الله منجمعا عليه، مهما عظمت رتبك…