حينما يسكت أهل الحق... لك الله يا أقصى

تطلعنا وسائل الاتصال غير الرسمية على مشاهد تدمع المقل وتبكي لها القلوب من كمد، وجحافل بلطجية السوء من آل صهيون المغتصبين يستبيحون مسرى نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم ويعيثون فيه فسادا، ويروعون مرتاديه من المصلين، ويمنعون بيت الله أن يذكر فيه اسمه ويسعون في خرابه ويدمرون معالمه وخزائنه وأوقافه. يفعلون ما فعلوه لعقود من الزمن، لكن هذه المرة بهمجية أشد، وصلافة أكبر، وتجبر ما شُهد له مثيل، بعد أن أعطيناهم الدليل أنا لن نحرك ساكنا فنحن منشغلون بإخماد ثورات البلاد وتكميم أفواه العباد وإخماد حماسة حماس، وولاؤنا لأمريكا السيدة وابنتها المدللة أقمنا عليه الدلائل والبراهين، وأخرجنا لإرضائهما الإتاوات بالبلايين. يدنسون ويروعون ويضربون والمحارمَ ينتهكون، ولا صوت يعلو على أصوات تجبرهم، إلا صوت أحرار الوطن المغتصب الجريح، وآهات الحرائر يستغثن برفات معتصم عساها تنهض وتستجيب ما دام حكام الوطن الكبير أمواتا لا حياة لهم. يستغيثون لعل بقية باقية من مروءة عربية وغيرة على الدين تُنهض من طال سباتهم، واستفحل انبطاحهم، وأعلنوا بتطبيعهم فلم يعودوا يخشون ولا يستحيون، ماتت هممهم وانكفأ إناء رجولتهم إلا لمما، فسال سما زعافا في صدور لا تؤمن إلا بنيل رضا طواغيت زمانهم، متبعين خطاهم سرا وجهرا، طواعية وجبرا، متهافتين على كسب ودهم لعلهم يرضوا وإن على حساب دينهم ومعتقداتهم وقيمهم وشعوبهم: وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير.[1] سكت أهل الحق عن الحق، وخرست ألسنتهم عن المطالبة به فاستقوى أهل الباطل... وأضحوا يتغنون بأهازيج مظلوميتهم وهم الظالمون، وألحان بطولاتهم وهو الضعفاء الأرذلون المستقوون، لما ذب الوهن والجبانة والخزي والخذلان فيمن كانوا يصونون البلاد ويحمون العباد ويحفظون المقدسات. تشتتت الأمة إلى مزع وأشلاء، وغابت الشهامة وإغاثة الملهوف ونصرة المستضعفين، وطفا التطبيع وعظم سوق النخاسة، وذبحت السياسة الرشيدة على أيدي الأغيلمة العاضين على عروشهم، القامعين شعوبهم، ولم يعد صوت الجهاد إلا صدى يتردد من الزمن البعيد، وصارت اليوم قضية تحرير القدس تنطرح على هذه الأجيال من المسلمين والتجزئة التي أصابت بلاد المسلمين كانت ولا تزال قطيعة والصلة بالدين أصبحت مسألة فردية، تدفع إلى هذه العلمانية كل الأنظمة الحاكمة، باستثناء تلك التي تتملق الشعوب الإسلامية البادئة في الاستيقاظ بقطع أيدي السراق الصغار زعما أن ذاك هو تطبيق الشريعة[2]. هل لا تزال سمفونية التغني بحقوق الإنسان تفيد بعد هذا الذي تراه أعيننا؟ وهل لا زال بمقدور مواثيق المجتمع الدولي الترجمة لبنود حماية حرية المعتقد والدين وصيانة المقدسات؟ جميل أن تنهض ممثلة كوبا في اجتماع اليونسكو وتطالب بدقيقة صمت على أرواح أولئك الشهداء الذين يرتقون تباعا في بلاد فلسطين، ردا على المندوب الإسرائيلي الذي أراد أن يستدعي تعاطف المجلس مع حثالته المغتصبة، فطالب بدقيقة صمت لقتلى "المحرقة" وظلم السنين الممارس على شعبه الباغي، المزوِّر لتاريخ أمة بكامله، في مخالفة صريحة للبروتوكول الجاري به العمل. كم سيكون المشهد أكثر تأثيرا لو انعتق أحد ممثلي دولنا من شراك ذله، وأعاد بعض العافية لجسدنا المريض، وبعض الرجولة لعضلاتنا الفاترة، وتحدث بخطاب يشهد ميلاد أمتنا من جديد. ماذا لو قام أحد حكامنا وأرسل ولو وعيدا لكيان كثر فساده وعظمت استطالته على مقدساتنا، لعل فعله يذكي روح المقاومة، ويحيي أوصالا تجمدت بفعل صقيع المذلة، وانقطع من عنق جسدها الوريد. ماذا لو جددوا ثقتهم بالله تعالى الناصر، وكان حرصهم على خطب ود أعداء الإنسانية مصالحة مع رب العباد... لنا أن نستيقظ من أحلام لن تصدق إلا إذا صح منا العزم على مواصلة طريق التحرر والانعتاق، طريق عبّده أسلافنا ببطولات سار بها الركبان، وجعلت الصغير والكبير يقف لهم موقف التعظيم والإكرام، من أجل أن نستمر في ذات المسير. لكن هيهات هيهات، لن يتغير حالنا إلا إذا طردنا الوهن وحب المناصب والتقاتل على الدنيا، وخلصت نياتنا لله الواحد القهار، ونادينا جميعا بصوت القوة أن القدس لنا والأرض لنا ولن نفرط في غصن من شجر الزيتون ولا الصنوبر ولا الرمان...، لن يتغير حالنا ما دمنا هشيما تذروه رياح غفلتكم عنا وتصلبكم على كراسيكم بثمن الذل والبوار والخزي والانكسار لكم ولشعوبكم، لن يتغير حالنا ما لم نعد لميزان التربية الاعتبار، ويصير حرصنا على الموت أعظم من حرصهم على الحياة، لن يتغير حالنا إلا إذا قام منكم المعتصم ونور الدين وصلاح الدين فسارعوا لتلبية نداء الأمة الخافت من شدة القهر وظلم القرون... هذا بيننا وبينكم، وإلا فقد صدق فيكم قول ملك الشعراء[3]:
ارفعوا أقلامَكمْ عنها قليلا
واملأوا أفواهكم صمتاً طويلا
لا تُجيبوا دعوةَ القدسِ
وَلَوْ بالهَمْسِ
كي لا تسلبوا أطفالها الموت النَّبيلا
دُونَكم هذي الفَضائيّاتُ
فاستَوْفوا بها (غادَرَ أوعادَ) وبُوسوا بَعْضَكُمْ
وارتشفوا قالاً وقيلا
ثُمَّ عُودوا..
وَاتركوا القُدسَ لمولاها
فما أَعظَم بَلْواها
إذا فَرَّتْ مِنَ الباغي
لِكَيْ تلقى الوكيلا
* * *
طَفَحَ الكَيْلُ
وَقدْ آنْ لَكُمْ
أَنْ تسَمعوا قولا ًثقيلا:
نَحنُ لا نَجهلُ منْ أَنتُم
غَسلناكُمْ جميعا
وَعَصرناكُمْ
وَجَفَّفنا الغسيلا
إِنَّنا لَسْنا نَرى مُغتصِبَ القُدْسِ
يهوديّاً دخيلا
فَهْو لَمْ يَقْطَعْ لنا شبراً مِنَ الأَوْطانِ
لو لَمْ تقطعوا من دُونِهِ عَنَّا السَّبيلا
أَنتُمُ الأَعداءُ
يا مَنْ قد نَزعْتُمْ صِفَةَ الإنسان
مِنْ أَعماقِنا جيلاً فَجيلا
واغتصبتُمْ أرضَنا مِنَّا
وكُنْتُمْ نِصفَ قَرْنٍ
لبلادِ العُرْبِ مُحتلاً أصيلا
أنتُمُ الأَعداءُ يا شُجعانَ سِلْمٍ
زَوَّجوا الظُّلْمَ بظُلْمٍ
وَبَنَوا للوَطَنِ المُحتلِّ عِشرينَ مثيلا!
* * *
أَتعُدُّونَ لنا مؤتمراً !
كَلاَّ
كَفى
شكرأً جزيلا
لا البياناتُ سَتَبْني بَيْنَنا جِسراً
ولا فَتْلُ الإداناتِ سَيُجديكمْ فتيلا
نَحنُ لا نَشْري صراخأً بالصَّواريخِ
ولا نَبتاعُ بالسَّيفِ صَليلا
نَحنُ لاُنبدِلُ بالفُرسانِ أقناناً
ولا نُبْدِلُ بالخَيْلِ صَهيلا
نَحنُ نرجو كلَّ من فيهِ بَقايا خَجلٍ
أَنْ يَستقيلا
نَحْنُ لا نَسْأَلكُمْ إلاّ الرَّحيلا
وَعلى رَغْم القباحاتِ التي خَلَّفتُموها
سَوْفَ لن ننسى لَكٌمْ هذا الجميلا
* * *
احمِلوا أَسْلِحَةَ الذُّلِّ وولُّوا
لتَرَوا
كيفَ نُحيلُ الذُّلَّ بالأحجار عِزّاً
وَنُذِلُّ المستحيلا
[1] سورة البقرة، الآية 120.
[2] عبد السلام ياسين رحمه الله، الإسلام والقومية العلمانية، ص95.
[3] من قصيدة للشاعر أحمد مطر: ارفعوا أقلامَكمْ عنها.








