حيوية الاستعارة في شعر الإمام عبد السلام ياسين.. قراءة بلاغية تربوية في المنظومة الوعظية (1)

Cover Image for حيوية الاستعارة في شعر الإمام عبد السلام ياسين.. قراءة بلاغية تربوية في المنظومة الوعظية (1)
نشر بتاريخ

تمهيد

الحمد لله الذي رفع بالبيان قدر الإنسان، وجعل الكلمة جسرا بين العقول والقلوب، وفضّل أهل العلم درجات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفصح العرب لسانا، وأبلغهم بيانا، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إنّ البلاغة العربية ليست صناعة لغوية فحسب، بل هي علم يعيد تشكيل الوعي ويُربي الذوق ويسهم في بناء الإنسان. ومن بين فروعها المشرقة تبرز الاستعارة بوصفها أداة عميقة تؤسّس للمعنى في النفس، وتنتقل بالقارئ من ظاهر العبارة إلى بواطن الدلالة. ولأنّ الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله جمع بين البيان التربوي والنّفَس الشعري، وبين الحس البلاغي والرسالة الهادفة، فإنّ شعره يقدّم نموذجا تطبيقيا يمكن عبره الكشف عن قدرة البلاغة – وخاصة الاستعارة – على تحريك الوجدان، وترسيخ القيم، وإيقاظ الإرادة.

أهمية هذا البحث

تنبع أهمية هذا البحث من عدة اعتبارات، من أبرزها:

– إغناء حقل الدراسات البلاغية التطبيقية بنماذج تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

– الكشف عن وظيفة الصورة الشعرية عند الإمام بوصفها آلية تربوية وتحفيزية، لا مجرد عنصر زخرفي.

– إبراز دور الاستعارة في بناء الخطاب القيمي الذي يتجاوز حدود الشعر إلى التربية والوعي والممارسة.

– سدّ فراغ نقدي في دراسة شعر الإمام بمنظور بلاغي منهجي يبرز قوّته التصويرية والتربوية في آن واحد.

إشكالية البحث وأسئلته

ينطلق هذا البحث من الإشكالية المركزية الآتية:

كيف وظّف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الاستعارة في شعره بما يخدم رسالته التربوية والفكرية، ويُسهم في توجيه المتلقي نحو الوعي والعمل؟

ويتفرع عنها أسئلة فرعية، منها:

ما طبيعة الاستعارات في شعر الإمام؟ وكيف تتوزع بين التصوير الوجداني، والتأثير الأخلاقي، والاستنهاض العملي؟

ما أثر هذه الاستعارات في المتلقي؟ وكيف تتجاوز التزيين اللغوي إلى التأديب الروحي والتوجيه الحركي؟

ما المنهج الأنسب لمقاربة الاستعارة في شعر الإمام دون بتر للبعد التربوي أو إهمال للبعد الفني؟

منهجية وخطة البحث

اعتمد هذا البحث المنهج البلاغي التحليلي، من خلال:

– قراءة شعر الإمام قراءة نصّية دقيقة تكشف عن البنية الاستعارية في مقاطع مختارة.

– الاستناد إلى مفاهيم البلاغة الكلاسيكية – وخاصة عند الجرجاني والسكاكي والقزويني – لبناء جهاز مفهومي صالح للمقارنة والاستنباط.

– الجمع بين التحليل البلاغي والاستقراء التربوي للكشف عن الوظائف الوجدانية والتوجيهية للصورة الشعرية.

ويمكن تلخيص بناء البحث على النحو الآتي:

– مقدمة نظرية في مفهوم الاستعارة وامتداداتها البلاغية والتربوية.

– تحليل نماذج شعرية من ديوان الإمام تكشف عن الاستعارة بوصفها أداة تربية وتحفيز.

– استخلاص النتائج في ضوء المقارنة بين التعريفات والممارسة الشعرية، وختام بتوصيات للانفتاح على شعر الإمام بلاغيا.

تعريف الاستعارة

عرّفها القاضي الجرجاني بقوله: «فأما الاستعارة فهي أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسّع والتصرّف، وبها يتوصّل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر». وعرّفها مرة أخرى بقوله: «ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصلي ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها بقرب التشبيه، ومناسبة المستعار للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر» 1.

وعرّفها عبد القاهر الجرجاني بقوله: «الاستعارة في الجملة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفا تدلّ الشواهد على أنه اختصّ به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلا غير لازم فيكون هناك كالعارية» 2.

وعرّفها السكاكي بقوله: «الاستعارة أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدّعيا دخول المشبه في جنس المشبه به دالّا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخصّ المشبه به» 3.

وعرّفها الخطيب القزويني بقوله: «الاستعارة مجاز علاقته تشبيه معناه بما وضع له. وكثيرا ما تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبّه به في المشبّه، فيسمى المشبه به مستعارا منه، والمشبه مستعارا له، واللفظ مستعارا» 4.

يتبيّن من خلال هذه التعريفات المتكاملة أنّ الاستعارة ليست مجرّد نقل لفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر، بل هي آلية لإعادة تشكيل الدلالة عبر علاقة دقيقة بين المشبَّه والمشبَّه به، تقوم على الامتزاج العميق بين اللفظ والمعنى، بحيث يغدو المنقول إليه أقدر على الإيحاء والتأثير من المعنى المباشر. فالجرجاني يكشف عن عمق البنية التصويرية، والسكاكي يركّز على دعوى المشابهة واندماج الطرفين، والقزويني يضعها في إطار المجاز المرتبط بعلاقة التشبيه. وهذا كلّه يؤكّد أن الاستعارة ليست ترفا بلاغيا، بل جسرٌ بين اللغة والتجربة، بين التصوير والتأثير.

انطلاقا من هذا الثراء النظري الذي قدّمته البلاغة الكلاسيكية، سنعتمد هذه المفاهيم أساسا لتحليل الاستعارة في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، لكن من غير أن يحصرنا ذلك في الأفق القديم وحده؛ إذ سنفتح أفق النظر كذلك على البلاغة الحديثة – في حدود ما يخدم موضوعنا – لما تتضمّنه من مقاربات تداولية وتأويلية وتواصلية تتجاوب مع مقصد الإمام في الإقناع والتحفيز والتغيير. فالإمام لا يكتب استعارة للتزيين، بل استعارة لإيقاظ الوعي وتحريك الإرادة، وهو ما يجعل تحليل شعره بحاجة إلى جهاز بلاغي مزدوج يجمع بين صرامة التصوّر الكلاسيكي وانفتاح القراءات الحديثة.

وسنشير في حلقات لاحقة إلى هذا التداخل المنهجي وإمكاناته في الكشف عن قوة الصورة الهادفة في شعر الإمام.

الاستعارة بين الإيقاظ الوجداني والبناء التربوي: مدخل إلى شعر الإمام

حين يضيق بالروح متّسع الدنيا، ويعلو ضجيج الغفلة في سكون القلب، يبحث الإنسان عن كلمة توقظ المعنى فيه، لا لتوبّخه، بل لتأخذ بيده نحو أبواب التوبة، وتعيد إليه صفاء البصيرة وحرارة السؤال: ترى، أين نحن من أنفسنا؟ وأين أرواحنا من ربّها؟ وليس شيء أبلغ في هذا الإيقاظ من كلمة تُرى بالعين قبل أن تُسمع بالأذن، وتُحسّ بالقلب قبل أن تُفهم بالعقل؛ كلمة تجعل الحقيقة تمشي في صورة، والفكرة تتجسّد شعاعا يبدّد غيوم الغفلة.

وهنا تتجلّى الاستعارة بوصفها روح البيان ومعين الإيحاء؛ فهي لا تقف عند حدود المعنى المجرّد، بل تنقله من حيّز الإخبار إلى فضاء التصوير، ومن التقرير البارد إلى التجسيد المؤثّر. وقد رأى عبد القاهر الجرجاني أنّ قوتها ليست في غرابة اللفظ، بل في تلك القدرة الفذّة على «أن تُريك المعنى في صورة تملكه عليك»، فتجعل المستتر حاضرا، والبعيد قريبا، والغائب كأنّه أمام العين. بهذا المعنى تصبح الاستعارة أداة تربية قبل أن تكون صنعة بيان؛ تهزّ الغافل، وتوقظ النائم، وتحرّك ما سكن من العزم.

من هذا الأفق تُقرأ المنظومة الوعظية في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله؛ فالصورة البيانية فيه ليست زخرفا للقول ولا تلوينا للّفظ، بل قوّة إيقاظ تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وعمره ومصيره. القلب عنده ليس عضلة تشبه ما في الطب، بل كائنٌ حيّ يمرض ويصحو، يغفو ويستيقظ، يظلم ويستنير؛ والغفلة ليست مجرد ترك للذكر، بل غشاوة تُطفئ نور البصيرة؛ والإيمان طريق يُسلك، والذكر نور يهتدى به، والموت موعد لا يتأخر. هذه الصور لا تتناثر مفردات، بل تنتظم نسقا يوقظ الحسّ ويؤجّج الوعي، فيغدو الوعظ مشهدا يُرى لا تقريرا يُحفظ، وتجربة تعاش لا موعظة تُسمع.

من هنا تبدأ رحلتنا مع هذه المنظومة؛ نكشف فيها كيف تتحول الاستعارة إلى معول يحفر في القلب لا مجرّد زينة في البيت، وكيف تكون الكلمة عند الإمام جرس يقظة لا صدى معجم. سنلمس في الأبيات القادمة أنّ الشاعر لا يقدّم الموت تأكيدا معرفيا، بل صورة تمشي أمام العين: نعشٌ يُحمل، فؤوس تهوي، قبر يُشقّ، وأيد تواري… ثم ينصرف الناس، ويبقى المرء وحده مع حقيقة لا يتهرّب منها قلب صادق: أنت، أنت المقصود بالوعظ… أنته.

من النظرية إلى الشاهد: الاستعارة حيّة في القول الشعري

وإذا كانت التعريفات السابقة قد أضاءت لنا ماهية الاستعارة، وكشفت عن طبيعتها بوصفها جسرا بين التصوير والتأثير، فإنّ أصدق امتحان لهذه المعاني إنما يكون في النص الحيّ الذي تنبض فيه الصورة وتتشكّل فيه التجربة. فالنظر في القول النظري يمنح القاعدة، أمّا النزول إلى النص الشعري فيفتح باب الكشف عن كيف تمشي المعاني على قدمين، وكيف تتحوّل الموعظة من خطاب إلى مشهد، ومن تقرير إلى أثر. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند المنظومة الوعظية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، حيث تتنزل الاستعارة إلى مستوى الرسالة الوجودية التي تهزّ النفس وتستحثّ الروح، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأجله وزمنه ومسيره.

إننا – ونحن ننتقل من التأصيل إلى التطبيق – لا نبحث عن الاستعارة في النص كصنعة لفظية أو زخرف بياني، بل كقوة إيقاظ تُعيد للمعنى حرارته وللرؤية صفاءها. لذلك نقترب من هذا النص لا بعيون المتلقي فحسب، بل بقلوب تتهيأ لوقع الصورة وندائها، لعلنا نرى كيف تتحول استعارة الموت إلى مدرسة حياة، وكيف يصبح الوعظ مشهدا يتراءى أمام البصيرة قبل البصر. ومن هنا يبدأ الشاهد الذي جعل الإمام ينسج على منوال نصّ تراثي عثر عليه، ليبني فوقه صرحا من الصور المحرّكة للهمّة، ونافذة تُطلّ بالإنسان على حقيقته.

قطف من المنظومة الوعظية

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: هذه منظومة وعظية حذوت فيها حذو بيتين عثرت عليهما، نسبهما أبو العباس المقرى للإمام البخاري رحمه الله. ذكر ذلك المحبي في خلاصة الأثر…

قال الإمام البخاري رحمه الله:

اغتنم في الفراغ فَضْلَ ركوع

فعسى أن يكون موتُك بغته

كمْ صحيحٍ قد مات قبل سقيم

ذهبت نفسه النفيسة فلْتَه

وقلتُ ناسِجًا على المِنوالِ:

وعزيزٍ في سِرْبِهِ مُطْمَئِنٍّ

سَلتَتْهُ مِنْهُ المَنِيَّةُ سَلْتَهْ

كمْ خَطِيبٍ فوقَ المَنابِرِ يَشْدُو

أَسْكَتَتْهُ الآجالُ أَيَّة سَكْتَهْ

كمْ رَئِيسٍ على العِبادِ تَمَطَّى

مَدَّدَتْهُ المَنُونُ جِيفَةَ مَيْتَهْ

فاغْتَنِمْ فَضْلَ لَيْلَةٍ وَنَهَارٍ

وكأنْ مَضْجَعَ الفِراقِ رَأَيْتَهْ

وكأنْ قدْ سَمِعْتَ نَوْحَ البَواكِي

وكأنْ عَلْقَمَ الفَجيعةِ ذُقْتَهْ

وكأنَّ الأكْفانَ قدْ أحْضَرُوها

وكأنَّ الغَسَّالَ يُخْفِتُ صَوْتَهْ

وكأنَّ الفُؤوسَ للأرْضِ تَهْوِي

شَقَّتِ القَبْرَ عَرْضَ شِبْرٍ قَدَرْتَهْ

حَمَلُوا النَّعْشَ مُسْرِعِينَ خِفافًا

هُوَ ذا مَوْعِدُ التَوَسُّدِ جِئْتَهْ

طَرَحُوا، أَنْزَلُوا، وَوَارَوْا شُخَيْصًا

ذَهَبَتْ نَفْسُهُ النَّفِيسَةُ فَلْتَهْ

ثُمَّ وَلَّوْا وفي النُّفُوسِ اتِّعَاظٌ

عابِرٌ كَالسَّحابِ زَايلَ سِمَتَهْ

آبَ كُلٌّ لإلْفِهِ وَتَناسَى

مُقْتِر النَّاسِ والمُكَاثِر مَوْتَهْ

فعلى المُقْتِرِ الهُمُومُ تَوَالَتْ

حائِماتٍ يَطْرُقْنَ في الليلِ بَيْتَهْ

وعلى الكَنْزِ للبَخِيلِ اعْتِكَافٌ

مِثْلَما يَعْكُفُ اليَهُودِيُّ سَبْتَهْ

تَعْتَلِي الغَفْلَةُ الكَئِيبَةُ رَأْسًا

كاعْتِلَاءِ العَزِيزِ بالإِثْمِ دسْتَهْ

فَتُنَسِّيهِ رَبَّهُ فَيُنَسَّى

نَفْسَهُ والمَعادَ يُبْهَت بَهْتَهْ

نَسِيَ اللهَ رَبَّهُ، يا لَغَبْنٍ!

خَسِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ، يا لَشَمْتَهْ!

لَيْتَهُ يَهْجُرُ الخَلِيلَ المُجافِي

لِسَبِيلِ الرَّشادِ والحَقِّ، لَيْتَهْ!

لَيْتَهُ يَصْحَبُ الخَلِيلَ المُواتِي!

فَجَلِيسُ الصَّلاحِ يُصْلِحُ أَمْتَهْ

لَيْتَهُ! عَلَّهُ! وَيا وَيْحَ نَفْسِي!

أَنْتَ، أَنْتَ المَقْصُودُ بالوَعْظِ، أَنْتَهْ! 5

1- من البلاغة النظرية إلى الشعر الوعظي

يبدأ الإمام عبد السلام ياسين هذا القطف بعبور واضح من حدود البلاغة النظرية إلى فضاء التجربة الشعرية الموقظة؛ فليست الاستعارة هنا مجرد مثال على قدرة اللغة على الانزياح، بل هي معبر تربوي ينقل القارئ من دائرة المفهوم إلى دائرة المعيش. إن المطلع الذي يسقط وهم الأمان في لحظة خاطفة – سَلتتْهُ مِنْهُ المَنِيَّةُ سَلْتَهْ – يجسّد هذا التحول: فالمنية لا تأتي خبرا يُدرك بعين الفكر، بل صدمة يُحسّها قلب الإنسان. وبذلك ينتقل المتلقي من التلقي الهادئ إلى وعي يهتزّ من جذره.

هنا تتحقق فكرة الجرجاني التي تربط الصورة بتحوّل المعنى: إن الموت انتقل من معنى ثابت في الذهن إلى حركة اقتلاع محسوسة تنقل الوعي من الاطمئنان إلى المحاسبة. وبذلك يتحول الشعر إلى تربية عبر الاستعارة، ويُصبح الوعظ متجسدا في مشاهد لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش شعوريا.

2- الاستعارة وفعل الاقتلاع: سقوط وهم الأمن

حين يصوّر الإمام رحمه الله العزيز في سربه مطمئنا، ثم يسلّ الموت هذا العزيز كما تُسلّ الشعرة من العجين، تتشكّل في ذهن القارئ معادلة تربوية صادمة: لا حصانة لطمأنينة الإنسان أمام الفناء. فالسرب في أصل دلالته موطن القوة والانتماء والدفء الاجتماعي، غير أن الاستعارة تهدم هذا البنيان وتكشف هشاشته في لحظة واحدة.

وهنا تؤدي الصورة وظيفة مزدوجة:

تفكيك الوهم: لا أمن حقيقيّ دون استعداد.

إنتاج معنى تربوي: الاستعداد للآخرة ليس ترفا، بل ضرورة وجودية.

ولذلك تغدو الاستعارة مساحة لتشكيل وعي جديد، حيث ينقلب الأمن إلى سؤال، والطمأنينة إلى امتحان.

3- من الصوت إلى الصمت: زوال البيان أمام المصير

في صورة كم خطيب فوق المنابر يشدو، أسكتته الآجال أية سكتة، تتجلّى الاستعارة في أعلى تجليات المفارقة: الخطيب الذي كان صوته نافذا في الجموع غدا صامتا في القبر.

وهذه المفارقة ليست جمالية فحسب؛ إنها تعرية تربوية للإنسان الذي قد يركن إلى أثر صوته في الناس، ناسيا أثر الموت في نفسه.

إن تحويل الخطابة إلى غناء، ثم إخمادها بفعل الآجال، يصنع درسا بلاغيا تربويا: إن البيان مهما علا، يتلاشى إذا لم يتحوّل إلى نجاة عند الله.

وبهذا تمتد وظيفة الاستعارة من التصوير إلى إعادة ترتيب سلّم الفضل: ليس الصوت هو القيمة، بل ما يبقى بعد انقطاع الصوت.

4- قلب الصورة: من استعلاء السلطة إلى ذلّ الجيفة

في قوله:

كم رئيس على العباد تمطّى

مددته المنون جيفة ميتة

تبلغ البلاغة قمة قدرتها على تقويض الغرور.

فالتمطّي حركة استعلاء وهيمنة، لكنها حين تُعاد استعارتها في سياق الموت، تتحول إلى تمديد بلا إرادة، فينقلب المشهد من علو إلى سقوط، ومن تحكم إلى فقدان كل سلطان.

إن الاستعارة هنا أقرب إلى محكمة داخلية: تُسائل كل مستعل عن مصيره.

وبذلك لا يكتفي الإمام بنقد السلطة كحدث سياسي، بل يجعلها اختبارا تربويا يخصّ القارئ نفسه: إن كل استعلاء لا ينتهي إلى الله هو استعلاء إلى قبر.

5- الانتقال من الخبر إلى الخطاب: من سرد الموت إلى إلزام النفس

حين ينادي الإمام رحمه الله:

فاغتنم فضل ليلة ونهار

وكأن مضجع الفراق رأيته

تتشكل لحظة التحوّل من مشاهدة الآخرين إلى مساءلة الذات.

إن الاستعارة في مضجع الفراق تُلخّص القبر والاحتضار في صورة واحدة تُقرّب الموت من الوجدان، ليصبح الاستعداد فعلا يوميا لا وعظا مؤجلا. ولأن الرؤية هنا قلبية، لا بصرية، فإن الاستعارة لا تصف المشهد، بل تصنعه داخل النفس.

6- تفعيل الحواس: من الذهن إلى الجسد

في قوله:

وكأن قد سمعت نوح البواكي

وكأن علقم الفجيعة ذقته

تتحول الاستعارة إلى تمرين شعوري شامل: السمع والذوق، والنوح والمرار.

لا يعود الموت فكرة، بل تجربة حسية كاملة، تضغط على القلب كما تضغط المرارة على اللسان.

وهكذا يستخدم الإمام الاستعارة لتفعيل الوجدان، فيتربى القارئ على إدراك المصير بكيانه كله.

7- اكتمال المشهد الجنائزي: بناء الوعي عبر تراكم الصور

مع تتابع وكأن في المشاهد التالية – الكفن، الغسال، الفؤوس، القبر، النعش – لا تقدّم الاستعارة صورا متفرقة، بل سلّما تربويا يصعد عليه القارئ من الإدراك إلى التخييل ثم إلى المحاسبة.

إنها ليست صورا تصف الموت، بل تهيّئ للنظر إليه بعيون القلب.

وبذلك تتحول الاستعارة إلى تقريب للآخرة، وتدريب على استعدادها.

8- من أثر الموت إلى أثر الغفلة: المفارقة التربوية

بعد دفن الميت، تتسارع الحياة وتبهت العظة:

آب كل لإلفه وتناسى

تُصوّر العظة كسحاب يمرّ، والغفلة كثوب يعلو الرأس، والكنز كمعبود يُعكف عليه.

هنا تقوم الاستعارة بدور كشف العيب الأخلاقي: إن الخطر ليس الموت، بل نسيانه.

وهكذا تُرسم صورة إنسان يخرج من الجنازة إلى حياته الأولى بلا درس، فتتحوّل الاستعارة إلى توبيخ رفيق للروح.

9- ذروة التذكير: الاستعارة مرآة الروح

في النداءات الختامية – ليته… ليته… أنت أنته – تنقلب الاستعارة إلى خطاب ذاتي صارخ.

وتتوهّج كمرآة تنعكس فيها الأرواح؛ فلا يقف إشعاعها عند حدود السامع، بل يرتدّ إلى صدر الواعظ، فكأنّ الكلمة إذا خرجت صادقة عادت أشدّ صدقا، تفتح في القلبين معا نافذة على الحقّ، وتغدو الموعظة جسرا تعبره الحروف في اتجاهين: من الذات إلى الآخر، ومن الآخر عودة إلى الذات.

فالاستعارة في مقام الوعظ ليست زخرفا يصوغ العبارة، بل نبضة توقظ الذاكر والمذكّر.

خاتمة

من خلال هذا التناول تتّضح ملامح الجواب عن الإشكالية التي وجّهت هذا البحث؛ فدراسة الاستعارة في شعر الإمام عبد السلام ياسين لا تكشف عن شاعر يعيد إنتاج البلاغة الوعظية بمعناها التقليدي، بل عن مربّ يستثمر البلاغة لتغيير موقع الإنسان من دائرة “السماع” إلى دائرة “السير”. وهنا ينهار التصنيف المبسّط الذي يحصر شعره في خانة النّصح اللفظي أو الموعظة العابرة؛ إذ تظهر الاستعارة – بما تحمله من نقل للمعنى إلى مجاله الوجداني العملي – جهازا لتربية الإرادة، وحفز الهمّة، واستثارة القابلية للسلوك الإيماني.

لقد أدّت الاستعارات وظيفتها في شعر الإمام لأنها نظّمت المقاصد التربوية في بنية تخييلية تجعل الموت محطة للتهيّؤ لا للفزع، وتُحوّل الوعظ من خطاب منبري إلى محاكمة ذاتية، وتعيد بناء صورة الإنسان بين الفناء والمسؤولية. وهكذا غدت الاستعارة في شعره فقه تربية لا فنّ تزيين؛ توقظ الروح، وتلزم العقل، وتدفع إلى الحركة.

ومن ثم، فإن الانفتاح على شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ليس استحضارا لشعر دعويّ تقريريّ، بل قراءة في شعر إحيائي مُرتّب وفق مقاصد تربوية دقيقة؛ شعر يحوّل الذائقة إلى يقظة، والوجدان إلى مشروع، والبلاغة إلى طريق. وهذا ما يفرض علينا مواصلة الكشف عن آليات الإقناع والتأثير في شعره، والانفتاح – في محطات قادمة – على البلاغة الحديثة التي تتجاوب مع منظور الإمام في بناء الإنسان لا في إبهار المتلقي؛ إذ إن حقول التداولية، والسيميائيات، والبلاغة الحجاجية ستفتح لنا مسارب جديدة لفهم كيف تتحوّل الاستعارة عنده إلى قوّة تغيير لا مجرّد صورة.

وهكذا يتبيّن أن الاستعارة في شعر الإمام لم تُزيّن المعنى، بل شيّدته وسلكت به طريق العمل؛ فمن قطف الشعر يخرج السؤال بصورته الأخيرة:

هل قرأنا القصيدة لنتأملها… أم لنستيقظ؟

نسأل الله أن يتغمد الإمام عبد السلام ياسين برحمته الواسعة، ويجزيه عن جهاده وعطائه في خدمة الدين والأمة خير الجزاء، وأن يجعله في الفردوس الأعلى مع النبيين والصالحين، وأن يوفقنا للسير على منهجه في طلب العلم والعمل الصالح. آمين.


[1] العمدة، القاضي الجرجاني، ج 1، ص 240.
[2] أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، إحياء التراث العربي ص22- 2005م.
[3] الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني، دار الكتب العلمية، ص226- 2009م.
[4] الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني، دار الكتب العلمية، ص 194 -200- 2009م.
[5] المنظومة الوعظية: عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء.