حيوية الاستعارة في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (3).. من سبات النسيان إلى حياة القلب

Cover Image for حيوية الاستعارة في شعر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (3).. من سبات النسيان إلى حياة القلب
نشر بتاريخ

الحمد لله الذي أحيا بذكره القلوب بعد موتها، وأنار به العقول بعد حيرتها، فجعل الذكر غذاء الأرواح، وعدّة السالكين، والصلاة والسلام على سيد الذاكرين، وإمام المجاهدين الشاكرين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

يُقيم الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله مفهوم الذكر في قلب مشروعه التربوي والجهادي، لا بوصفه شعيرة معزولة عن الفعل، ولا تجربة وجدانية منقطعة عن الواقع، بل باعتباره القوة الباطنة المحرّكة لمسار الجهاد والاستخلاف. فالذكر عنده شرط حياة القلب، وميزان صدق السير، وزاد المجاهدة الفردية والجماعية، وبه يتجاوز المؤمن سبات النسيان إلى يقظة المسؤولية.

ومن ثمّ لا يُفهم الذكر في مشروع الإمام إلا داخل الأفق النبوي الجهادي، حيث يتكامل الإحسان مع العدل، وتلتقي تزكية النفس ببناء الأمة، ويُعاد وصل الباطن بالفعل، والنية بالحركة، والذكر بالتاريخ. فالذكر ليس سابقا على الجهاد فحسب، ولا لاحقا له، بل ملازم له ومزكّ لمساره.

وقد تجلّى هذا التصور في النثر المنهاجي للإمام عبر استعارات ذات كثافة دلالية عالية، من قبيل: «الكيمياء الإلهية»، و«الدواء والعلاج»، و«الشفاء»… وهي استعارات لا تُحيل الذكر إلى حالة سكون، بل تُدخله في دينامية الحياة والصراع؛ فهو في القلب تطهير وإحياء، وفي الجماعة تنظيم وبناء، وفي ساحات المواجهة زاد ثبات ومواصلة. ولذلك شدّد الإمام على أن الإكثار من الذكر – مهما بلغ – يظل ناقصا إن لم يصن بذكر الله عند الأمر والنهي، وأداء الحقوق، وتحمل الأمانات، والانخراط في قضايا الأمة.  يقول رحمه الله:

“ذكر الله باللسان والقلب والاستغراق والاستهتار والمحافظة على الأوراد آناء الليل وأطراف النهار بناء على غير أساس إن لم يَصن ذلك الذكرَ الكثيرَ ذكرُ الله عند الأمر والنهي، ذكرُهُ عند حق كل ذي حق، ذكره في الدرهم والدينار، ذكره في الأمة التي تنتظر مجاهدين لإقامة دين الله في الأرض” 1.

وفي هذا السياق يكتسب حديث «سبق المفردون» دلالته الكاشفة لمعنى الذكر في الأفق الجهادي. يقول الإمام رحمه الله: “ضرب لنا مثلا صلى الله عليه وسلم بفعله هو لنستبق إلى اللحاق بالموكب النوراني. كان صلى الله عليه وسلم يوما مسافرا مع أصحابه في طريق مكة -لجهاد أو حج لا لسياحة ممتعة- فمروا على جبل يقال له جُمدان فقال: «سيروا! هذا جُمدان. سبق المفَرِّدُون؟ قالوا: ومَا المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». 2 قالوا: «وما المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهترون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون الله يوم القيامة خِفافا»” 3

“المفرِّدون غير المنفرِدين المنقطعين عن العالم. المفردون هم المستهترون بذكر الله وهم في ساحة الجهاد أو في الطريق منها أو إليها. بُشر المفردون بالسبق والأفضلية والدرجات العلى يوم كان كل مخاطَب بالبُشرى مجاهدا سائرا مع رسول الله ﷺ في غزاته، ليزكي كل مجاهد جهاده بالذكر. 4

فالحديث – في سياقه النبوي – قيل في حال سفر ومشقة، لا في مقام خلوة أو انعزال، مما يدل على أن الذكر المقصود ذكر مرافق للحركة، حاضر في السير، ملازم للتكليف والجهاد.

وإذا كان النثر المنهاجي قد كشف عن هذا المعنى في صور تقريرية وتربوية، فإن الشعر عند الإمام يفتح للذكر أفقه الوجداني داخل نفس السياق الجهادي. فالشعر لا يهرب بالذكر إلى العاطفة المجردة، بل يُنزله إلى القلب المكلَّف، فيجعله حيّا نابضا في زمن الصراع. وهنا تتحول الاستعارة من أداة شرح إلى تجربة معيشة: فالقلب في الشعر ليس معتكفا، بل ساحة؛ والذكر ليس همسا داخليا فقط، بل نور يهدي الخطى في ليل الطريق.

وهكذا تصبح الاستعارة امتدادا عضويا للاستعارة المنهاجية، حيث يقرّر النثر أن الذكر يزكّي الجهاد، ويأتي الشعر ليُشعر المجاهد بحلاوة هذا الذكر وهو في قلب المعركة.

ومن هذا المنظور يتجلّى تكامل الجهاز التداولي للذكر عند الإمام رحمه الله:

فالنثر يضبط المفهوم داخل شبكة الفكر والتنظيم والجهاد، والشعر يغرسه في الحسّ والذوق والانفعال، فيتحقق مشروع واحد يرفض اختزال الذكر في فردانية منسحبة، أو في ترف لغوي، ويدفع به إلى فعالية القلب، وفعالية الجماعة، وفعالية التاريخ.

وعلى هذا الأساس، يأتي قطف الذكر في “المنظومة الوعظية” عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله امتدادا لا انقطاعا؛ إذ تتكامل الأقطاف وتتساند ولا تتزاحم. فالقطف الأول أيقظ الإنسان على حتمية الموت والمصير، والقطف الثاني أدخله في أفق الصحبة والجماعة، أما قطف الذكر فهو الذي يحيي القلب ليحمل تلك اليقظة، ويثبت في تلك الصحبة، ويواصل السير في موكب الجهاد دون دروشة تُفرغ الذكر من فعاليته، ولا قعود يقطعه عن الطريق.

جاء القطف الثالث ليُنزل الذكر من مقام التقرير إلى مجال النداء المباشر، فلا يُستدعى الشعر بوصفه زينة بلاغية، بل باعتباره صيغة إنذار وإحياء، تنتقل بالذكر من كونه مفهوما يُتلقّى، إلى كونه نداء يُسمع، ونورا يطرق القلب، في لحظة مواجهة صادقة مع النفس والمصير. ومن هنا يندفع النص الشعري الآتي بوصفه صدمة إيقاظية، تفتح باب الذكر على حقيقته الوجودية، وتُدخل القارئ في جوّه قبل أن يسمع كلماته.

القطف الثالث: الذكر

اغتنم فضل ساعة ونهارٍ

وازجُر النفسَ عَنْ هوىً قد أطعته

وافْطِمَنْها في صُحبة الخير عَمّا

كنت في عمْرك الغبيِّ اقترفته

في سُباتِ النسيان أنت طريحٌ

مُطْفأٌ كالسراج أهدر زيته

جاءك النور فانتَحَيْتَ ظلاماً

دامسا يائساً بَئيساً سَكنته

جاءك النور في كتاب مبينٍ

هو قرآنُ ربّنا، هل قرأْته؟

جاءك النور والهُدى في كتابٍ

مُصحفٌ في الرفوفِ ثَمَّ طَويته

جاءك الذكرُ في كتاب كريمٍ

جاءك الذكرُ، خُنتَهُ ونسيته

جاءك الهَدْي في كتاب حكيم

للصراط القويم، هَلاَّ سَلكتَه ؟

طائر أنت، يا فلان، غريب

أكمه في فَضا الضّلالات تِهْتَه

ذات يوم يُجاءُ بالطير، يُدْعَى

لاحتفال في حفرة الدود بَغْته

لك يا من نَسِيتَ آياتِ رَبِّي

نَشرةٌ بعدَ بَعثة بعد مَوْتَه

لك يا تارك الصلاة وقوف

وَقْتَ تُبْلَى سَرائرُ الخَلْقِ، وقته

يومَ توتَى كتاب أعمالك السـ

ـود شِمالاً جزاء ما قد عَصَيْتَه

هل ظَنَنْتَ الفِرار مِنْ مَلَكِ المـ

ـوت ببُرْجٍ الجحود بالخَرْص شِدْته ؟

هل حَسِبْتَ الإفلات من قبْضة المَـ

ـوت يسيراً أم هل تُراكَ حسَبْته؟

أولا: الاستعارة الزمنية – اغتنام اللحظة قبل الفوات

يفتتح الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله هذا القطف بنداء استعجالي مشحون بالوعي الزمني، يقول فيه:

اغتنم فضل ساعة ونهارٍ

وازجُر النفسَ عَنْ هوىً قد أطعته

فالزمن هنا لا يُقدّم بوصفه إطارا محايدا تتحرّك فيه الأفعال، بل يُستعار له معنى الرصيد القابل للنفاد؛ إذ يوحي تعبير «فضل ساعة» بأن ما بقي من العمر ليس حقّا مضمونا، بل عطية مؤقتة، ومنحة قابلة للانقضاء، تستدعي المسارعة إلى اغتنامها قبل الضياع. وبهذه الاستعارة يتحول الزمن من معطى اعتيادي إلى مسؤولية أخلاقية، يُحاسب الإنسان على كيفية استثماره، لا على مجرد مروره.

وإلى جانب الوعي بالزمن، يستدعي الخطاب حركة داخلية حاسمة من خلال فعل «ازجر النفس»، وهو فعل ذو حمولة صدامية، يكشف أن الذكر – في تصوّر الإمام – ليس حالة وجدانية ساكنة، ولا انفعالا عابرا، بل مجاهدة داخلية واعية، وصراع مقصود مع النفس والهوى. وبذلك يتأسس منذ المطلع ذكر يحرّك الإرادة ويعيد ترتيب الوجهة، قبل أن يطمئن القلب.

ومن هذا الأفق، تكتسب فاعلية الذكر معناها التربوي والجهادي؛ إذ إن صدق التوجّه إلى الله شرط التوفيق، وطهارة القصد أساس الثبات. يقول الله تعالى: طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ۖ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ[محمد: 21].

فإذا علم الله من العبد صدق الطلب، تولّاه بمعونته وتوفيقه، وهو سبحانه أصدق القائلين، وقد وعد المجاهدين في أنفسهم بالهداية والتسديد، فقال جلّ وعلا: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[العنكبوت: 69].

وبذلك يغدو اغتنام الزمن وزجر النفس المدخل الأول للذكر في هذا القطف، حيث يُستدعى الإنسان إلى لحظة صدق حاسمة، تُؤسّس لبقية الصور والاستعارات التي ستكشف تباعا عن مآلات الغفلة وسبل الخلاص منها.

ثانيا: الاستعارة الحيوية – الغفلة موت والذكر حياة

يبلغ التصوير الشعري ذروته في تشخيص حال الغافل، حين يقول الإمام رحمه الله:

في سُباتِ النسيان أنت طريحٌ

مُطْفأٌ كالسراج أهدر زيته

فالنسيان هنا لا يُقدّم بوصفه غيابا عابرا للذكر، بل يُستعار له السبات؛ وهو نوم ثقيل يلامس حدود الموت، ويُعطّل كل قابلية للحركة والوعي. أما القلب، فيُجسّد في صورة السراج المنطفئ، لا لأن النور غاب عنه فحسب، بل لأن الزيت نفسه قد أُهدر، أي إن أسباب الحياة الروحية قد استُنزفت من أصلها. وبهذا تنتقل الاستعارة من مجرد توصيف جمالي إلى تشخيص وجودي صارم: فالغفلة ليست نقصا في المعرفة، بل تعطيلا لوظيفة القلب، وإبطالا لدوره في الهداية والتوجيه.

وهذا المعنى يجد صداه العميق في خطاب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، حين يربط الدعوة إلى الله بالبصيرة، لا بمجرد الحركة أو الخطاب، فيقول: “من ليس على بصيرة، من هو عامه في أوهامه، سادر في غفلاته، محجوب عن الله تعالى، كيف يزعم أنه يدعو إلى الله؟ كيف والله تعالى وصف دعاة الصدق والحق بالبصيرة حين خاطب حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾؟ وما البصيرة والحجاب؟ ألفاظ! ابك على نفسك! “ 5.

فالحجاب هنا ليس حائلا حسّيا، بل عمى قلبي ناتج عن الغفلة، يجعل صاحبه يتحرك في الظاهر، وهو ميت في الباطن. وهكذا تتكامل الاستعارة الشعرية مع التقرير المنهاجي، فالغافل ليس ضعيف الوعي فقط، بل فاقد الحياة القلبية، ومن ثَمّ فاقد الأهلية للدلالة على الله.

في الخطاب القرآني، يُقابل النسيان بالترك، لا على معنى الإهمال، بل على معنى الحرمان من الرحمة. فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا أنه قال: «نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا. 6

فالنسيان هنا ليس ذهولا ذهنيا، بل اختيار وجودي يفضي إلى الموت المعنوي، ويستوجب مقابلة عادلة من جنس العمل. ويعضد هذا المعنى الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركْتُك ترأس وتربع؛ فكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني.” 7

وهكذا تكتمل صورة الاستعارة الحيوية:

الغفلة = سبات = موت، والنسيان = حجاب = حرمان، بينما الذكر – في المقابل – هو استعادة الحياة، وإحياء البصيرة، وردّ القلب إلى وظيفته الأصلية.

وتتأكد هذه الثنائية الحاسمة حين يقابل الإمام في خطابه بين النور والظلام؛ فالنور ليس مجرد معرفة ذهنية، بل حياة سارية في القلب، والظلام ليس جهلا بسيطا، بل حالة اختناق روحي، تعجز معها النفس عن السير والهداية. وهنا تتجاوز الاستعارة بعدها البلاغي لتغدو ميزانا وجوديا، يُفرز بين قلب حيّ بالذكر، وقلب ميت بالغفلة، ويمهّد للانتقال إلى بقية الاستعارات التي ستكشف عن مآلات هذا الموت أو سبل الخلاص منه.


[1] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج1، ص257.
[2] رواه مسلم عن أبي هريرة. والحديث عند الترمذي.
[3] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج1، ص305.
[4] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج1، ص236.
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 480.
[6] ذكره الإمام الطبري في تفسيره، 12/476، مؤسسة الرسالة.
[7] أخرجه الترمذي في سننه، وأبو داود السجستاني في البعث، وابن خزيمة في التوحيد، وابن حبان في الصحيح، والبيهقي في شعب الإيمان.