حنان أصبان
في ذكرى مولد رسول الله ﷺ، لا أريد أن أتحدث عن محمد النبي فقط كما نعرفه في صفحات السيرة، ولا عن القائد الذي غيّر وجه التاريخ، ولا عن العابد الذي امتلأ قلبه خشيةً ومحبةً لله؛ بل أريد أن أقترب قليلًا من محمد الزوج، من محمد الإنسان الذي كان يعيش مع زوجاته، ويعرف مشاعرهن، ويحتمل غيرتهن، ويلاطفهن، ويستمع إليهن، ويختلف معهن دون أن يسلبهن كرامتهن.
أريد أن أتأمل في هديه سؤالًا يؤرق كثيرًا من النساء اليوم: هل يمكن أن يكون الزواج طريقًا إلى الله، وفي الوقت نفسه طريقًا إلى النضج والازدهار الإنساني؟
وهل يمكن للمرأة أن تكون زوجة محبة، مطيعة لله، حافظة لبيتها، وفي الوقت نفسه امرأة حرة الروح، حاضرة العقل، فاعلة في الحياة، لا تذوب في زوجها حتى تفقد ملامحها؟
أقولها بوضوح: أريد زوجًا يحبني، لا زوجًا يراقبني. أريد زوجًا يساندني، لا زوجًا يقيّمني. أريد زوجًا يصححني حين أخطئ، لا زوجًا يجعل أخطائي هويتي. أريد زوجًا أكون بجانبه، لا امرأة تذوب فيه. أريد زوجًا أكبر معه وأزهر، لا زوجًا أشيخ معه وأذبل.
هذه ليست دعوة إلى زواج بلا مسؤولية، ولا إلى امرأة تفعل ما تشاء باسم الحرية، ولا إلى رجل يتخلى عن دوره باسم المساواة، إنها دعوة إلى زواج يستعيد معناه الإيماني.
الزواج ليس ساحة نفوذ. لقد ابتُليت بعض البيوت بفهم يجعل الزواج علاقة قوة: من صاحب القرار؟ من يطيع؟ من يفرض كلمته؟ من ينتصر في النقاش؟ وكأن الزواج معركة ينبغي أن يكون فيها غالب ومغلوب. بينما القرآن يقدم لنا صورة أخرى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21].
السكن، المودة، الرحمة؛ ثلاث كلمات تكفي لتعيد ترتيب كثير من المفاهيم. فالزوجة ليست رعيةً ينتظر الزوج أخطاءها ليحاسبها، والزوج ليس خصمًا ينبغي للمرأة أن تتوجس منه. كلاهما أمانة عند الآخر.
والقوامة حين تُفهم في معناها الإيماني ليست تصريحًا بالاستعلاء، وإنما تكليف بالقيام، والرعاية، والحماية، وتحمل المسؤولية. فالرجل لا يكبر في عين زوجته حين يجعلها أصغر، بل يكبر حين يستطيع أن يكون قويًا دون أن يحتاج إلى إضعافها.
محمد ﷺ؛ الرجل الذي لم يحتج إلى إلغاء المرأة ليكون رجلًا. في بيت النبوة، لم تكن الزوجة مجرد متلقية للأوامر. كانت تتكلم، وتسأل، وتناقش، وتغار، وتختلف… وكان النبي ﷺ يتعامل مع إنسانيتها، لا مع صورة مثالية متخيلة لامرأة لا مشاعر لها.
ومن أجمل ما نراه في علاقته بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه كان يعرف حالها النفسي، ويقرأ تغير مشاعرها. فقد قال لها: “إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنتِ عليَّ غضبى”. 1[/ref]
إنها ليست مجرد ملاطفة زوجية، إنها معرفة بالإنسان الذي أمامك. أن تعرف زوجتك لا أن تعرف أخطاءها. أن تنتبه إلى حزنها قبل أن تنتبه إلى تقصيرها. أن تسمع صمتها. أن تدرك تغير نبرتها. أن تعرف متى تحتاج إلى كلمة، ومتى تحتاج إلى حضن، ومتى تحتاج إلى مساحة، ومتى تحتاج فقط أن تقول لها: أنا معك. وهنا يكمن الفرق الكبير.
الزواج الذي نريده ليس ذلك الذي يختصر المرأة في دورها داخل البيت، ثم يطلب منها أن تكون سعيدة لأنها متزوجة. المرأة كيان كامل؛ لها عقل، ولها روح، ولها رسالة، ولها مواهب، ولها أسئلة، ولها أحلام، ولها طاقة يمكن أن تكون خيرًا لأسرتها ومجتمعها وأمتها.
والزوج الناضج لا يخاف من امرأة تكبر فكريًا، لا يخاف من نجاحها، لا يشعر أن ذكاءها ينتقص من رجولته. بل يقول: الحمد لله أن في بيتي امرأة أستطيع أن أفخر بها.
وكذلك المرأة المؤمنة لا تجعل نجاحها سلاحًا في وجه زوجها. لا تقول: أنا أفضل منك. بل تقول: لنكبر معًا.
هذه هي الشراكة التي نريدها، أن أكون بجانبه لا أن أذوب فيه. فالحب ليس أن أفقد نفسي فيك، بل أن أجد نفسي وأنا معك. أن أكون زوجتك دون أن أتوقف عن كوني إنسانة. أن أكون أمًا دون أن تختفي المرأة التي بداخلي. أن أكون إلى جانبك دون أن أصبح مجرد ظل لك. أن أطيعك في المعروف دون أن أتخلى عن عقلي وكرامتي وفطرتي. وأن تعرف أنت أن محبتك لي لا تعني امتلاكي. فالإنسان لا يُحب حين يُمتلك، وإنما يُحب حين يُصان.
أحيانًا لا يكون العنف في البيت ضربًا؛ قد يكون كلمة جارحة، وقد يكون تحقيرًا، وقد يكون سخرية متكررة، وقد يكون مقارنة، وقد يكون تجاهلًا، وقد يكون قتلًا بطيئًا للثقة بالنفس.
وقد تكون امرأة عاشت سنوات طويلة في بيتها، لكنها في نهاية الطريق لا تعرف أين ذهبت تلك الفتاة التي كانت تحلم وتضحك وتثق بنفسها.
لهذا أقول: أريد أن أكبر مع زوجي، لا أن أشيخ معه. هناك فرق؛ فالشيخوخة ليست عدد السنوات التي تمر على الجسد، قد يشيخ الإنسان وهو في الثلاثين حين يعيش في خوف دائم، وقد يزهر وهو في الستين حين يعيش في محبة.
لا يمكن أن نتحدث عن امرأة واعية، مؤمنة، فاعلة، ثم نتركها في علاقة تستنزف كرامتها كل يوم. كما لا يمكن أن نبني علاقة زوجية سليمة إذا كان الرجل نفسه لم يتعلم معنى الرحمة والمسؤولية.
لذلك فإن إصلاح الأسرة لا يبدأ دائمًا من تعليم المرأة كيف تكون زوجة أفضل، وإنما أيضا من تعليم الرجل كيف يكون زوجا أفضل؛ زوجا صالحا يحتوي زوجته ويترك لها مساحة للفعل ويعتذر إذا أخطأ. زوجا يستطيع أن يرى نجاح زوجته دون أن يشعر بالتهديد، بل أن يكون جزءا من هذا النجاح.
في ذكرى مولد نبي الرحمة.. لنعد بالرحمة إلى بيوتنا. إن الاحتفال بمولد النبي ﷺ لا ينبغي أن يبقى في حدود الكلمات والقصائد والمظاهر. أجمل احتفال بسيرته أن نُدخل هديه إلى بيوتنا؛ أن يتعلم الزوج من رحمته، وأن تتعلم الزوجة من حلمه. أن يتعلم الاثنان أن الاختلاف لا يفسد المودة، وأن الخطأ لا يلغي الكرامة، وأن الحب ليس امتلاكًا، وأن المسؤولية ليست استبدادًا، وأن الحرية ليست فوضى.
فطوبى لبيتٍ إذا دخله أفراده شعروا أنهم عادوا إلى مكان يستطيعون فيه أن يكونوا أنفسهم. وطوبى لزوجين إذا مضت بهما السنوات، لم يقولا: لقد بقينا معًا، بل قالا: لقد كبرنا معًا… وأصبح كل واحد منا أجمل بالآخر.
ولأن الزواج ميثاق بين اثنين، فكما أقول للرجل: لا تجعل زوجتك تذبل بجوارك، أقول للمرأة أيضًا: لا تجعلي زوجك يعيش مع امرأة لا يرى فيها إلا محكمةً تحاكمه. كونا لبعضكما سكنًا، لا خصمًا؛ وكونا رفيقين في طريق الله، لا سجينين في علاقة يخاف فيها أحدكما من الآخر.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، الذي علّمنا أن عظمة الإنسان لا تُقاس بما يفعله خارج بيته فقط، بل بما يتركه من أمن ورحمة وكرامة في قلوب من يعيشون معه.
ودمتم مزهرين.