خير نساء العالمين | فاطمة الزهراء (3).. يا فاطمة أنقذي نفسك من النار

Cover Image for خير نساء العالمين | فاطمة الزهراء (3).. يا فاطمة أنقذي نفسك من النار
نشر بتاريخ

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

يقول ربنا عز وجل: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (الحجر: 94).

بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية، أمر مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهر بدعوته ونشرها في آفاق أرحب، وتبليغها بدءا بالأقرب فالأقرب… وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (الشعراء: 214).

فخرج مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع قريشا فخاطبهم فقال: “يا معشرَ قريشٍ، اشتروا أنفسَكم، لا أُغْنِي عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا بني عبدِ منافٍ، لا أُغْنِي عنكم مِن اللهِ شيئًا، يا عباسُ ابنُ عبدِ المطلبِ، لا أُغْنِي عنك مِن اللهِ شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسولِ اللهِ، لا أُغْنِي عنكِ مِن اللهِ شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، سَلِيني ما شِئْتِ مِن مالي، لا أُغْنِي عنك مِن اللهِ شيئًا” (1).

وفي رواية الإمام مسلم أنه صلى الله عليه وسلم خصَّ وعم، فنادى على بطون قريش، وكان يقول لهم: “أنقذوا أنفسكم من النار”، حتى قال في آخر خطابه: “ويا فاطمة أنقذي نفسك من النار (2).

ألم أقل لكم إن السيدة فاطمة عليها السلام ستكون حاضرة في كل مراحل الجهاد المبارك إلى آخر نفس؟

ألم أخبركم بأنها عليها السلام ما وجدت ولا ولدت إلا لتكون رفيقة درب أبيها في رحلته المباركة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ودلالتهم على الله نور السموات والأرض؟

ها هي ذي حاضرة في أول خطاب يلقيه النبي عليه الصلاة والسلام على مسامع الآنام…

إنه خطاب النور، الموجه للبشرية جمعاء على مرّ العصور والدهور…

رسالة في غاية الوضوح: لا أحد يملك لأحد من الله شيئا حتى ولو كان رسول الله، حتى ولو كان حبيب الله، فاعمل يا ابن آدم وابن علاقة محبة وعبودية وطاعة وامتثال حتى تنقذ نفسك من النار…

خاطب النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام، ومن خلالها خاطب أمها وأخواتها، وخاطبنا جميعا برسالة وبخطاب واضح صريح، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لنا: هذه فاطمة ابنتي، حبيبتي وريحانتي، ثمرة فؤادي وبضعة مني… ومع ذلك أنا لا أملك لها من الله شيئا، فلتسع سعيها ولتكدّ كدّها ولتبذل جهدها ولتعبد ربها ولتنقذ من النار نفسها…

نعم، إنه يقول لها: يا فاطمة …إنه عمرك! إنها قضيتك! إنه قبرك! إنه بعثك! إنها جنتك أو نارك! إنه ربك!

يا ترى، كم كان عمر فاطمة عليها السلام آنذاك؟ هل كان سنها يسمح لها باستيعاب مثل هذا الخطاب؟ هل كانت تدرك مدى خطورة الموضوع؟

بنت الثمان سنين كانت فاطمة حينها، ومع ذلك خاطبها أبوها بنفس الخطاب الذي خاطب به عمه العباس بن عبد المطلب وهو ابن 46 سنة، وخاطب به صفية عمته وهي ذات 43 أو 44 سنة، وهو نفس الخطاب الذي خاطب به شيوخ قريش وزعماءها وكبراءها.

ألم يكن المصطفى المختار يدرك تباين الأعمار؟

أم أن أستاذ البشرية الأعظم وإمامها الأكرم لم يكن بتناسب الخطاب مع المخاطبين يعلم؟

في زماننا هذا نقول: مثل هذا الخطاب لا يستوعبه ابني الذي بلغ العاشرة أو تجاوزها بعام أو عامين،

الحديث عن الآخرة والجنة والنار لا يليق بأطفال صغار.

ولربما تحدثت مع صغيرتك التي بلغت تسع أو عشر سنين في موضوع الآخرة وإرادة وجه الله والسعي وراء ذلك والعمل، فتنتفض أمها مغضبة وتقول لك: دعها وشأنها فإنها لا زالت صغيرة على مثل هذا الكلام، “ستتعقّد نفسيتها”. وقد يحدث العكس فتحدث الأم أولادها عن الآخرة، عن حب الله ورسوله، عن المصير، عن الجنة والسعير، فينطق الأب ويعترض، وقد امتلأ بأفكار الحداثة فيقول لها: هذا الكلام لا يليق بطفل صغير …

ونؤجل مثل هذه التوجيهات الأساسية والبانية لشخصية أطفالنا إلى أجل غير مسمى، نؤجلها حتى يكبر الصغير ويبلغ وما عنده علم بالآخرة ولا سمع خبرا عنها، وتبلغ الصغيرة وتحيض وما سمعت عن حب الله ورسوله شيئا..

نتركهم للشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية ولهوس هذا العالم فيحشو عقولهم وقلوبهم بكل أنواع التفاهات والسفاهات، والحماقات والحالقات.. إلا ذكر الله، والخوف من الله، وإرادة وجه الله، ولقاء الله، فهذا كلام لم يئن أوانه ولم يحن زمانه…

حدث النبي صلى الله وسلم السيدة فاطمة وخاطبها كما خاطب الناس، أمام الملأ، خطابا فصيحا صريحا في قضية هي أهم القضايا على الإطلاق: قضية علاقة العبد بربّه، وعلاقة الأَمة بمولاها عز وجل.

لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بدعوى صغر سنها، وسنراه عليه الصلاة والسلام لا يؤجل التربية والتوجيه والتعليم مع أبناء فاطمة عليها السلام بدعوى صغر سنهم…

سنراه عليه الصلاة والسلام يخرج تمرة من فم سيدنا الحسن بعدما امتدت يده الصغيرة لها وأخذها من تمر الصدقة فوضعها في فيه، لم يقل النبي على الله عليه سولم: إنها مجرد حبة واحدة وهو طفل صغير لا يعي ما يفعل… لم يقل: سيبكي حينما نزيل التمرة من فمه…

لكنه صلى الله عليه وسلم، وهو الرحمة المهداة للخلق أجمعين، قال له: (كِخْ كِخْ، أما تَعْرِفُ أنّا لا نأْكُلُ الصدَقةَ) (3). وأزالها له من فمه.

كان الصبي صغيرا لم يتجاوز الثالثة أو الرابعة من عمره، ومع ذلك لم يؤجل النبي صلى الله عليه وسلم تعليمه وتوجيهه عليه السلام.

يا أخيّ، ويا أختاه.. يقولون: “التعليم في الصغر كالنقش على الحجر”، فكن نقاشا، وكوني نقاشة، وتعالوا ننقش في قلوب صغارنا اسم الله واسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يسبقنا غيرنا ممن يتربصون بنا وبهم فينقشون غير ما نريد نقشه في قلوبهم..

 وصلى الله على سيدنا وحبيبنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


(1) رواه البخاري عن أبي هريرة.

(2) “يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها”. رواه مسلم عن أبي هريرة.

(3) رواه البخاري عن أبي هريرة.