خير نساء العالمين | فاطمة الزهراء (6) .. قرة عين أبيها

Cover Image for خير نساء العالمين | فاطمة الزهراء (6) .. قرة عين أبيها
نشر بتاريخ

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى الآل والصحب ومن والاه.

يقول ربنا عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان: 74].

بعد وفاة أمنا خديجة رضي الله عنها سيتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها… وهي امرأة مجاهدة هاجرت إلى الحبشو فتوفي زوجها هناك، أو توفي بعد عودته من الحبشة، بعد ذلك تزوجها مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك فضل الله يوتيه من يشاء.

تحل المرأة ضيفة على بيت النبوة، فكيف يا ترى تعاملت سيدة حلقاتنا؛ فاطمة عليها السلام مع هذا الخبر، خبر زواج أبيها؟

وكيف استطاعت أن تستقبل في بيت أمها امرأة غريبة ستحل محلّها، بل وستطأ فراشها؟

وهل وقع الخصام بين فاطمة عليها السلام وأبيها عليه السلام، واحتد الكلام، وانقطع السلام؟

هل شكلت فاطمة عليها السلام مع أخواتها حلفا، وأقسمن أن يجعلن حياة أبيهن وزوجه جحيما لا يطاق، حتى يذعنا إلى الفراق ويفرا في الطلاق؟

وهل تنظر الزهراء عليها السلام إلى الأمر من نفس الزاوية التي نراه منها نحن المغاربة؛ فعندما نجلس على مائدة فيها طعام ساخن يقول لك الذي بجانبك: كل بيدك ولا تأكل بالملعقة، فإن الأكل باليد كأنما تأكل من يد أمك الحنون لا تعطيك إلا هنيئا مريئا، أما الملعقة فكأنما تأخذها من يد زوجة أبيك التي لا تعطيك إلا سما وعلقما.

أسئلة كثيرة ملحة تتهاطل علينا تهاطل الأمطار في عالم موّار، يشهد واقعه المرير على تدني  الأخلاق، وعلى وقوع الشقاق في بيوتنا، ويبين كذلك إلى أي حضيض خضخاض نزلت المعاملات الإنسانية لما تكدر صفو القلوب بحبّ الدنيا، وانشغل الناس بالناس عن ذكر ربّ الناس، فأضحت بيوتنا ساحة حرب ضروس بين زوج الابن وأمه وأخواته، وزوج الأب وأبنائه وبناته.

بحثت في كتب السيرة والتاريخ والحديث لعلّي أجد مبررا لما يقع في زمننا هذا، لكن لم أجد لك يا صاحبي ما أبرر به ما تقوم به.

أتاني صاحبي قبل أشهر وهو في غاية الغضب، قلت له: ما بك؟ فقال: لقد جُنّ أبي. قلت له: لماذا؟…قال: كما تعلم ماتت أمي قبل سنتين، وكان يعيش مع أختي التي لم تتزوج بعد؛ تطبخ طعامه، وتغسل ثيابه، ولا تتركه يحتاج لشيء، ونحن كذلك نعطيه من المال أضعاف ما يحتاج.

هذه الأيام، قام أبي وفاجأنا بخبر صاعقة؛ إنه يريد أن يتزوج، أردنا أن نثنيه عن عزمه لكنه أصر. قلت: فماذا فعلتم؟ قال لي: خاصمناه، وقاطعناه، وحاصرناه، ومنعنا عنه كل ما كنا نعطيه، بل وشكوناه للقريب والبعيد، وفضحناه أمام الجميع.

ثم بعدما أفرغ ما في قلبه من غيظ، سألني: هل ترانا ظلمناه؟…هل عققناه؟

تمالكت نفسي وأجبته بصوت خافت هادئ: لا، أنتم لم تظلموه، ولم تعقوه، كلما ما في الأمر أنكم علقتموه وسلختموه حيا، ويا ليتكم ذبحتموه فأرحتموه.

يا أخي؛ هل العلاقة الزوجية عندكم طعام يطبخ ولباس يغسل؟ لو كان الأمر هكذا لاستغنينا بالخادمات عن الزوجات، بل ولاستغنينا بالآلات عن الخادمات، ولكن الزواج كما وصفه ربنا سبحانه وتعالى: مودة ورحمة وسكن.

يا أخي؛ أبوك يبحث عن هذا؛ المودة والرحمة والسكن، الشيء الذي لا يمكن أن تعطيه إياه أختك، ولا كل أخواتك، ولا كلكم جميعا.

أتدري يا أخي ما فعلتم بأبيكم؟ أنتم قلتم لأبيكم: ماتت أمي فاجلس أنت في ردهة الانتظار حتى يأتي قطار الموت فيلحقك بها، أما العيش فعليك حرام.

يا أخي؛ أتحرمون ما أحلّ الله، وما فعله مولانا رسول الله، وتسألني هل عققناه؟

مشاهدينا الأعزاء، أيها السادة الكرام.

لم يكن هناك بين أمنا سودة رضي الله عنها وبنات النبي صلى الله عليه وسلم أي صراع أو نزاع، بل لقد كانت لهم نعم الأم وكنّ لها نعم البنات، ولم تسجل بينها وبينهن خصامات ولا نزاعات ولا حروب ولا مناورات.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم سيتزوج بعد أمنا سودة بتسع نساء أخريات، ما بين السنة الثانية والسابعة من الهجرة، ومع ذلك لم يسجل أي صراع وأي حروب وأي نزاعات بين بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأبيهن، وبين بناته وأزواجه صلى الله عليه وسلم، نعم هناك بعض ما يقع حتى بين الأخت وأختها وما بين الأم وبنتها، لكن ما نراه في عالمنا اليوم أبدا لم يقع.

لقد كانت السيدة فاطمة عليها السلام تحظى بمكانة رفيعة عند زوجات أبيها، يحترمونها احتراما كبيرا، بل وإنهن يشكين لها مشاكلهن وهمومهن، ويطلبن منها التدخل حينما يحتجن إليها.

كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم حزبين، وهذا أورده الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه؛ حزب فيه أمنا عائشة وأمنا سودة وأمنا حفصة رضي الله عنهن، والحزب الآخر تتزعمه أم سلمة رضي الله عنها وكانت امرأة عاقلة لبيبة، ومعها زينب بنت جحش رضي الله عنها ثم سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، الناس كانوا يعلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب عائشة أكثر من أي أحد، وقد قالها على المنبر صلى الله عليه وسلم، فكان الأنصار يتحرون يومها ليهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هداياهم، وهو ما أثار حفيظة النساء الأخريات، تكلمت النساء فيما بينهن، وأخذت السيدةأم سلمة على كاهلها أن تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه سكت عنها ولم يقل لها شيئا، ولو كان في الأمر ظلما لتدخل عليه الصلاة والسلام، لكنه عطاء الله يعطيه من يشاء، وأمام هذا السكوت لجأت النساء إلى فاطمة عليها السلام، وطلبن منها التدخل في الأمر وبالفعل تدخلت، ودخلت على أبيها عليه السلام وهو عند أمنا عائشة، فقالت له: “يا رسولَ اللهِ! إنَّ أزواجك أرسلْنَني إليك يسألْنَكَ العدلَ في ابنةِ أبي قحافةَ”، نسبوها إلى جدها فهناك غضب،  فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابنته: “أي بنية! ألستِ تُحبين ما أحبُّ؟ ” فقالت: بلى. قال: “فأحبِّي هذه”، فخرجت السيدة فاطمة عند زوجات أبيها لتخبرهن بما حدث. فقلن لها: “ما نراكِ أغنيْتِ عنا من شيٍء، فارجعي إلى رسولِ اللهِ فقولي له: إنَّ أزواجكَ ينشدْنُكَ العدلَ في ابنةِ أبي قحافةَ. فقالت فاطمةُ: واللهِ! لا أُكلِّمُه فيها أبدًا” [1]. فهي أخذت بأمر أبيها في الحين، ولم تتردد ولم تعاود.

بل إنه ذات يوم وقع بين السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وأمنا عائشة وهي أصغر من فاطمة بأكثر من عشر سنين، وقع بينهما خصام فسبت السيدة فاطمة أمنا عائشة فدخَل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عائشة تبكي، فقال لها: “ما يُبكيكِ، قالت: سبَّتْني فاطمةُ، وقالت له: سلها فإنها لا تكذب، فدعا فاطمةَ فقال يا فاطمةُ سبَبْتِ عائشةَ؟ قالت: نعم يا رسولَ اللهِ، قال: أليس تُحِبِّين مَن أُحِبُّ؟ قالت: نعم، قال: وتُبْغِضين مَن أُبْغِضُ، قالت: بلى، قال: فإنِّي أُحِبُّ عائشةَ فأحِبِّيها، قالت فاطمةُ: لا أقولُ لعائشةَ شيئًا يُؤذيها أبدًا” [2] (وأضع كلمة سبتها بين قوسين حتى لا يتبادر إلى أذهاننا ألفاظ السب والشتم في زماننا)، وبالفعل التزمت بوعدها ووفت بقولها،ولم يحدث بينهما بعد ذلك شيء أبدا.

واسمعي يا أختاه، ويا أماه، ويا أخي، هذه الشهادة التي تشهدها زوجة أب في ابنة زوجها، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها وهي أصغر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم سنا: “ما رأيْتُ أفضلَ مِن فاطمةَ غيرَ أبيها” [3].

وفي حديث آخر تقول: “ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ كلامًا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا حديثًا ولا جِلسةً من فاطمةَ” [4].

فيا أختاه، ويا أماه، يا زوجة الأب؛ أعندك دليل على أن أبناء الزوج وحوش ضارية لا يمكن التعايش معها؟ وهل عندكن يا بنات الأب ويا أبناء الأب دليل على أن زوجة الأب شر مطلق،  وأنها إنسان جُبل على الشر والإيذاء وانقطع منها الرجاء؟

هؤلاء بنات النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء أزواج مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيننا الدليل على أن ليس معنا فيما نمضي إليه دليل، وأن الحبّ هو السبيل.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.


[1] صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله عنها.
[2] انظر الهيثمي في مجمع الزوائد، والشوكاني في در السحابة عن عائشة رضي الله عنها.
[3] انظرالهيثمي في مجمع الزوائد، والشوكاني في در السحابة عن عائشة رضي الله عنها.
[4] النووي في الترخيص بالقيام عن عائشة رضي الله عنها.