استعرض الدكتور عمر احرشان عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، في حلقة جديدة من برنامج “مساحة وضوح”، حصيلة عقدين من السياسات العمومية المغربية، مسلطاً الضوء على التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش. وتناول احرشان ملفات شائكة تتراوح بين انتكاسة مؤشرات التنمية البشرية، وقضية ملتمس تجنيس اليهود المغاربة الذين سبق أن تنازلوا عنها أو جردوا منها ولجميع أولادهم وأحفادهم، وصولاً إلى استمرار المقاربة القمعية جماعة العدل والإحسان وتشميع بيوت أعضائها.
ملتمس تجنيس “الصهاينة”.. قضية مغلوطة بلا فراغ تشريعي
فكك احرشان ملتمس منح الجنسية لليهود ذوي الأصول المغربية، معتبراً إياه “قضية مغلوطة” في سياق تداعيات التطبيع و”فائض القوة الذي يستشعره المتصهينون”، موضحا أن هذا التحرك يهدف بوضوح إلى “خلط الأوراق وإعادة إحياء مبادرة” كانت قد انطلقت في عام 2023.
وأشار المتحدث إلى أن موضوع اكتساب الجنسية بالنسبة للأحفاد لا يحتاج إلى تشريع جديد، لأن القانون الحالي يعتبر مغربياً كل من ولد من أب أو أم مغربية. كما أن “استرجاع الجنسية ليس فراغ تشريعي أيضا، وتكفله المادة 15 من قانون الجنسية المغربي بوضوح تام.
المثير للاستغراب، يقول احرشان هو غياب الحاجة الواقعية لهذا الملتمس، لافتا إلى أنه من بين “800 ألف إسرائيلي من أصول مغربية”، هناك “5000 فقط” هم من يرتبطون فعلياً بالمغرب. ويرى المحرر أن هذه المحاولة التشريعية تعكس “رغبة سياسية” لتعزيز اختراق الكيان الصهيوني للمجتمع بعد “الاتفاق الثلاثي المشؤوم”.
وشدد الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري على أن “الأولوية الآن هي لسحب الجنسية” خاصة ممن انضم لجيش أجنبي يرتكب جرائم حرب وإبادة جماعية موثقة، كما هو واضح في القانون، متسائلا باستغراب عن أسباب التجميد المتعمد لـ “سحب الجنسية من الصهاينة المغربية؟” معتبرا ذلك تعطيلا لمقتضيات القانون ضد من يحاربون المصالح العليا للوطن.
حصيلة التنمية البشرية.. 20 عاماً من “مراوحة المكان”
من القضايا التي أثارها القيادي في العدل والإحسان “حصيلة التنمية البشرية في المغرب بعد أزيد من 20 عاماً” التي قال عنها إنها تضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول نجاعة ورش انطلق في 18 ماي 2005، وهو المشروع الذي اعتُبر “قوام المشروع المجتمعي” المغربي رغم أنه لم يحقق النهضة المرجوة رغم استمراره الطويل في الزمان.
وبحسب لغة الأرقام الصادمة، يقول احرشان إن “مجموع ما أنفق عليها إلى حدود 2023 بلغ 45 مليار درهم”، وهو غلاف مالي ضخم يفرض فحص التناسب بين الكلفة والنتائج. موضحا أن هذا النزيف المالي لم ينجح في زحزحة المغرب من قاع الترتيب العالمي المؤلم.
وبمنطق المقارنة، يؤكد احرشان أن “المغرب كان يحتل في مؤشر التنمية البشرية في 2004 الرتبة 120، والآن في آخر تصنيف 2025 يحتل الرتبة 120″، معتبرا أمام ذلك أن هذا الجمود المطلق يعني “أن الميزانيات الضخمة وكثرة المؤسسات المتدخلة لم تزدنا شيئاً” في واقع الأمر.
وفي خلاصة قوية، أكد احرشان أن “الاستثمار في الإنسان” غُيب تماماً لصالح “الاستثمار في الملاعب والطرقات والأبراج”، وهو ما يفسر الاحتقان الاجتماعي الحالي. واليوم، يضيف المتحدث، نرى شباب جيل زيد يخرجون للاحتجاج بسبب ملفات منها الصحة، مما يعري فشل النموذج التنموي في أدق مفاصله.
ملف البيوت المشمعة.. 20 عاماً من التغول “خارج القانون”
وفي القضية الثالثة التي تناولها إحرشان، والتي تعود بالذاكرة الحقوقية إلى دورية 2006 التي صاغها وزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى، والتي اعتبر فيها أن “جماعة العدل والاحسان بتكثيفها لأنشطتها تكون قد وضعت نفسها خارج القانون”؛ اعتبر ذلك التصريح بمثابة “إعطاء ضوء أخضر لانطلاق حرب من جانب واحد” ضد تنظيم قانوني يشتغل في إطار العلنية.
وقال إننا “في 25 ماي نكون أمام الذكرى 20 لتشميع بيت السيد محمد العبادي” بمدينة وجدة، وهو إجراء تعسفي يضرب مفهوم “دولة القانون” في مقتل. وتساءل كيف يمكن لبيت خاص أن يبقى “مُشمعاً وهو في ملك صاحبه” لكل هذه السنوات في ظل غياب أي سند قضائي نهائي.
وبينما أكد أن “قضية البيوت المشمعة تثير فعلاً مشكلة قانونية وحقوقية وسياسية”، اعتبرها اختباراً حقيقياً لمدى قدرة السلطة على تقبل “الرأي الآخر السلمي والشعبي”. وخلص إلى أنها سياسة “تجفيف المنابع” ضمن سياسة عامة تنهجها الدولة وتتوسع دائرتها دون مبرر أخلاقي أو قانوني.
ورغم هذا الحصار الممنهج، يرى احرشان أن السلطة فشلت في “استدراج الجماعة إلى ردود أفعال” تتسم بالعنف أو الصدام، مشددا على أن الأفكار تشبه المياه لا تقبل فكرة الحصر، والعدل والإحسان نجحت في ابتكار واجهات أخرى للتواصل مع السواد الأعظم من المغاربة.
فلسطين والضمير الإنساني.. “وشم مخزي” في وجه البشرية
وضمن هذه الحلقة استفاض احرشان في حديثه عن فلسطين باعتبارها “قضية الإنسانية الأولى التي لا تسبقها قضية”، وقال إنها حاضرة بقوة في وجدان الشعب المغربي رغم محاولات التغييب الرسمي، موضحا أن ما تتعرض له غزة هو “أكبر عمليات الإبادة التي ستبقى وشماً مخزياً في وجه البشرية كلها”.
وكان إحرشان بدأ حديثه بـ “أسطول الحرية” الذي يمثل صرخة ضمير حي في عالم يزداد توحشاً، وقد تحرك المشاركون فيه “وفق قواعد القانون الدولي” لكسر الحصار الظالم. ورغم “الوحشية المعروفة للكيان الصهيوني”، إلا أن هذه المبادرات المدنية الإنسانية تحدث هذه الوحشية وفضحت عجز المؤسسات الدولية وتواطؤ الحكام.
وأكد إحرشان أن “المغاربة لم يخلفوا موعدهم” وكانوا ممثلين في هذا الأسطول، وهم بذلك “يمثلون السواد الأعظم من المغاربة” الذين يرفضون التطبيع جملة وتفصيلاً، موضحا أن هؤلاء الأحرار جسدوا “إنسانية الإنسان” التي تتضامن تلقائياً مع المظلوم ضد الصهيونية الغاصبة.
واعتبر أن الصمت المطبق “للمتصهينين المغاربة” تجاه المجازر المرتكبة ضد الأطفال والنساء “يضعهم موضع مساءلة سياسية وأخلاقية” أمام التاريخ. لافتا إلى أن هذا السكوت يعري زيف من “يتبجحون بالقيم الإنسانية” بينما يصطفون خلف آلة القتل الصهيونية.