في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة على مستوى تمثلات الشباب وانخراطهم في الشأن العام، يبرز سؤال تجديد العمل الدعوي والسياسي كأحد الرهانات المركزية. كما يزداد تأثير الفضاء الرقمي في تشكيل الوعي الجماعي، بما يحمله من فرص وتحديات.
في هذا الإطار، أجرت الصفحة الرسمية لشبيبة العدل والإحسان حوارا مع الكاتب العام للشبيبة، الدكتور بوبكر الونخاري، في فقرة جديدة باسم “حوار شبابي” ضمن فقرات الصفحة، للوقوف عند رؤيته لواقع الشباب المغربي، وتحليل أدوار الفضاء الرقمي، واستشراف آفاق بناء وعي نقدي قادر على مواكبة التحولات.
هذا الحوار، يكشف أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع، بل في القدرة على فهمها وتأطيرها بوعي نقدي متبصر. ويتضح أن بين تأثير الواقع وضغط الفضاء الرقمي، يظل الشباب المغربي في قلب معادلة معقدة، تحتاج إلى تظافر الجهود من أجل بناء وعي مسؤول، يوازن بين الانخراط الواعي وصون القيم.
وفيما يأتي نص الحوار:
بداية، يعرف عنكم اهتمامكم بتجديد العمل الدعوي والسياسي في أوساط الشباب. بعد تجربتكم على رأس شبيبة العدل والإحسان، كيف تقدمون هذا المسار؟ وكيف تقيمون واقع الشبيبة المغربية اليوم؟
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله. إن الحديث عن تجديد العمل الدعوي والسياسي في أوساط الشباب يرتبط، في تقديرنا، بأفق أوسع من مجرد تطوير الوسائل أو تحديث الخطاب، إنه في جوهره سؤال عن الإنسان، وعن موقعه في مشروع التغيير. ومن هذا المنطلق، تحرص شبيبة العدل والإحسان على أن تجعل من بناء الإنسان مدخلا مركزيا، عبر الجمع بين التربية الإيمانية، والتأهيل الفكري، والانخراط المجتمعي المسؤول.
لقد سعينا خلال تجربتنا إلى تجديد أساليب التأطير، والانفتاح على هموم الشباب الحقيقية، سواء ما تعلق منها بالبطالة، أو الهجرة، أو الإحساس بالتهميش، أو حتى القلق الوجودي الذي يعيشه كثير من الشباب في زمن التحولات المتسارعة. كما عملنا على تعزيز حضور الشباب في الفعل الميداني، وربطهم بقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية الأمة المركزية.
وفي تقييمنا لواقع الشبيبة المغربية اليوم، نرى أنه واقع مزدوج، من جهة، هناك طاقات هائلة، وروح مبادرة، وقدرة على الإبداع، ومن جهة أخرى، هناك شعور متنام بالإحباط نتيجة انسداد الآفاق، وضعف الثقة في المؤسسات، وغياب العدالة الاجتماعية. وهذا الوضع يفرض على كل الفاعلين، وخاصة الحركات ذات المرجعية القيمية، أن تجدد أدواتها، وتعيد بناء جسور الثقة مع الشباب.
في نظركم إلى أي حد تعكس منصات التواصل الاجتماعي الواقع كما هو؟ وهل ترون أنها تساهم في تقديمه من زوايا متعددة؟ وفي سياق بعض القضايا التي أثارت نقاشا واسعا في الآونة الأخيرة، مثل موضوع “الساعة الإضافية”، كيف تقرأون تفاعل الفضاء الرقمي معها، وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على وعي الشباب؟
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اليوم فضاء مؤثرا في تشكيل الوعي، لكنها لا تعكس الواقع كما هو، بل تقدمه في صور مجتزأة، تحكمها اعتبارات الخوارزميات وثقافة السرعة والانتشار. فهي تتيح إمكانات كبيرة للتعبير والتواصل، لكنها في الوقت نفسه قد تسهم في تعميم السطحية، أو في خلق انطباعات مضخمة لا تعكس تعقيد الواقع.
في قضايا مثل “الساعة الإضافية”، نلاحظ أن الفضاء الرقمي يتحول إلى ساحة للنقاش والتعبير، حيث يعبر الشباب عن مواقفهم بطرق متعددة، من الجدية إلى السخرية. وهذا في حد ذاته مؤشر إيجابي على حيوية المجتمع. غير أن هذا التفاعل، في كثير من الأحيان، يبقى أسير اللحظة، ولا يرتقي إلى مستوى التحليل العميق الذي يربط القرارات بسياقاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
التحدي الحقيقي هو أن ننتقل من ردود الفعل السريعة إلى بناء فهم متماسك، ومن الاستهلاك السلبي للمحتوى إلى المشاركة الواعية في إنتاجه، بما يخدم الحقيقة ويعزز النقاش المسؤول.
في هذا السياق، كيف يمكن بناء وعي نقدي لدى الشباب في تعاملهم مع المحتوى الرقمي؟ وما قراءتكم لآفاق الشباب المغربي في ظل التحديات والصعوبات التي يواجهها، سواء في الواقع أو في الفضاء الرقمي؟
بناء وعي نقدي لدى الشباب يقتضي، قبل كل شيء، ترسيخ ثقافة السؤال، وتشجيع التفكير المستقل، وتحرير العقل من التبعية العمياء. فليس المطلوب أن يمتلك الشباب أجوبة جاهزة، بل أن يمتلكوا القدرة على التمييز، وعلى قراءة ما وراء الخطاب، وعلى إدراك السياقات التي تُنتج فيها الأفكار والمواقف.
وهذا الوعي لا ينفصل عن البعد القيمي، إذ لا يكفي أن نمتلك أدوات التحليل دون أن تكون موجهة بقيم الصدق، والعدل، والمسؤولية. كما أن التعامل مع الفضاء الرقمي يفرض امتلاك مهارات جديدة، مثل التحقق من الأخبار، وفهم آليات التأثير، والوعي بخطورة التضليل.
أما آفاق الشباب المغربي، فرغم ما يواجهونه من صعوبات حقيقية، فإنها تظل مفتوحة على إمكانات واعدة. فكل مرحلة تاريخية تحمل تحدياتها، لكنها تحمل أيضا فرصها. والشباب، بما يمتلكه من طاقة وحيوية، قادر على أن يكون فاعلا أساسيا في التغيير، إذا توفرت له بيئة حاضنة، ومساحات للتعبير والمشاركة.
وفي هذا السياق، تبقى مسؤولية مختلف الفاعلين قائمة في تمكين الشباب من أدوار حقيقية، وفي فتح آفاق الأمل أمامهم، حتى لا يتحول الإحباط إلى عزوف، أو إلى هجرة بأشكالها المختلفة. لأن معركة المستقبل، في جوهرها هي معركة وعي وإرادة.