د. بن مسعود يدعو لـ “جبهة نقابية موحدة” لمواجهة سياسة الأمر الواقع الحكومية

Cover Image for د. بن مسعود يدعو لـ “جبهة نقابية موحدة” لمواجهة سياسة الأمر الواقع الحكومية
نشر بتاريخ

في قراءة للمشهد النقابي والاجتماعي الراهن، رسم الدكتور محمد بن مسعود، الكاتب العام للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، خارطة طريق للنضال العمالي لمواجهة تعنت السلطة، في سياق يتسم بانسداد أفق الحوار وتصاعد الاحتقان الشعبي. ويرى بن مسعود أن القوة الوحدوية هي السبيل الوحيد لفرض إرادة الشغيلة في ظل حكومة يرى أنها تعطي الأولوية للحسابات السياسية على حساب الكرامة الاجتماعية.

الحوار الاجتماعي: من “الديمقراطية التشاركية” إلى الحصيلة الانتخابية

توقف بن مسعود في تدوينة مطولة له في فيسبوك، عند مفارقة صارخة في السلوك الحكومي، حيث “رفضت الحكومة استقبال المركزيات النقابية خلال شتنبر 2025، وهو موعد الدورة الأولى من الحوار الاجتماعي الملزم للحكومة حسب الميثاق”. ويبدو أن هذا الرفض لم يكن مجرد عائق إجرائي، بل هو توجه سياسي نحو الاستفراد بالقرار تحت غطاء شعارات براقة، في “دورة تخصصها الحكومة لتنزيل مفهوم ‘الديموقراطية التشاركية’ في إعداد مشروع قانون المالية 2026”.

ويرى بن مسعود أن غياب الحوار الحقيقي جعل النتائج “تحصيل حاصل، ومحسومة سلبا مسبقا”، مما أفرغ العملية من محتواها النضالي. ويضيف بلهجة نقدية لاذعة أن الذهاب لجلسات الحوار في هذا التوقيت ليس سوى “تيسيرا لها لتخاطب الناس من فوق الطاولة، فتحدثهم عن ‘حصيلتها الغليظة’، وهي تودع الولاية، ولتوزع الوعود المعسولة للولاية المقبلة في حملة انتخابية قبل الأوان”.

إن الحكومة، بحسب هذا التحليل، تسعى لاغتنام أي فرصة “لتسجيل نقطة إضافية رمزية جزئية تضيفها لحملتها”، متناسية الأزمات الهيكلية التي يعيشها المواطن. فبدلاً من معالجة القضايا الجوهرية، تركز السلطة التنفيذية على التلميع الإعلامي، بينما “لا يسمع الصوت النقابي ما لم تدعمه قوة النضال الوحدوي”، وهو المبدأ الذي يشدد عليه بن مسعود في تشخيصه للعلاقة المتوترة بين الفرقاء الاجتماعيين.

وفي ظل هذا التوجه، يبرز التساؤل حول جدوى المشاركة في حوارات صورية، حيث يرى القيادي النقابي أن الحكومة قد “أغلقت باب الحوار القطاعي والجماعي أيضا”. ويؤكد أن الأغلبية الحكومية “احتمت في أغلبيتها البرلمانية المريحة” لتمرير قوانين مصيرية مثل “ادماج كنوبس وسنسس، وقانون تكبيل الإضراب” دون مراعاة حقيقية لمبادئ الديمقراطية التشاركية التي تتبجح بها.

الواقع الاجتماعي المرير وغياب الإرادة السياسية

ينتقل الكاتب لتشخيص حالة التجاهل الحكومي لآلام الشغيلة، داعياً إلى الكف عن تجميل الواقع و”دعك من الحديث عن هزال القدرة الشرائية، والتهاب الأسعار، وضحالة المعاشات الجامدة منذ الربيع”. ويرى أن الفجوة تتسع بين الأرقام الرسمية وواقع المعيش اليومي، مع “انهيار الخدمات الاجتماعية الأساسية، واستمرار أزمة لاسمير، وتجاوز مدونة الشغل في حق الأغلبية الصامتة للشغيلة”.

هذا الوضع المتأزم يترافق مع ما وصفه الكاتب بـن مسعود بـ “ضرب الحريات النقابية”، في حين تبدو الحكومة غارقة في عالمها الخاص. ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن، نجد أن “الحكومة منشغلة بالحسابات الماكرواقتصادية في سياق دولي مضطرب”، معتبرة أن معاناة الناس مجرد “تفاصيل صغيرة فلا تهم، مادام المواطن يذهب كل صباح للسوق ويعود أدراجه دون أن يحتج”.

وفي تحليل لمنطق السلطة، يوضح بن مسعود أن “الصمت الجماعي علامة الرضى” في نظر المسؤولين. أما من يجرؤ على المطالبة بحقه، فيواجه بتهمة محاولة “الزج بالوطن في أتون الفتنة، وعليه غضب ومصيره القيد”. وهذا المنطق العقابي تجلى في التعامل مع فئات مهنية عديدة، حيث يبقى “العدول في مقاطعة مفتوحة لا حديث معهم ولا عنهم”.

ويؤكد عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أن سياسة التهميش هي السائدة، حيث جرى تمرير “العديد من القوانين المجحفة في حق الشغيلة دون أي اعتبار للديموقراطية التشاركية”. ويشمل ذلك قوانين قطاعية حساسة مثل “التعليم المدرسي والتعليم العالي والبحث العلمي والمسطرتين الجنائية والمدنية”، مما يعكس رغبة في فرض “منطق السلطة” القائم على أن “من رفع عقيرته… مصيره القيد”.

النضال الوحدوي: الطريق الوحيد لانتزاع الحقوق

أمام هذا الانسداد، يطرح بن مسعود البديل النضالي، مؤكداً أن السلطة “لا تسمع إلا الصوت القوي بالميدان، ولا تكترث إلا بموازين القوى”. ويرى أن الخضوع لمطالب الشعب لا يأتي إلا “عندما تلتصق الأكتاف في ساحات الاحتجاج، وتمتزج الأصوات فلا تسمع إلا صوتا واحدا يطالب بالحق، وعندما تتكتل القوى المناضلة”.

ويدعو الكاتب إلى “مطلب النضال الجبهوي في إطار جبهة نقابية تكون نواة جبهة اجتماعية موسعة مناضلة حقيقية قادرة على الفعل والتأثير”. ويستشهد بنجاحات ميدانية أثبتت فعاليتها، مشيراً إلى أن “الصمود في النضال الموحد يحقق المطالب”. ومن هذه الأمثلة الحية يسوق “معركة طلبة الطب ومعركة نساء ورجال التعليم، ومعركة المحامين”.

وشدد بن مسعود على ضرورة “تجميع الذات، والتحام الصفوف في جبهات قطاعية، وفي جبهة اجتماعية حقيقية تترفع عن الحسابات السياسوية الإقصائية الضيقة”، للخروج من “عنق زجاجة مغرب السرعتين” من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الآدمية والحرية والانعتاق.

وفي ختام رؤيته، يضع بن مسعود أجندة نضالية واضحة، تبدأ بـ”حوار اجتماعي موحد غير مشتت، حول ملف مطلبي واحد، وبأولويات متفق عليها”. ويطمح أن يكون فاتح ماي 2026 بنفس احتجاجي وبمسيرات احتجاجية موحدة وطنيا ومحليا. آملا أن يكون عيد العمال “فرصة للإعلان عن جبهة نقابية مناضلة موحدة، تحمل شعار النضال الوحدوي لانتزاع الحقوق لأننا لسنا في ضيعة أحد نتسول على بابه”.