في ندوة نظمها المركز الدولي للقيم الانسانية والتعاون الحضاري تحت عنوان “القرآن الكريم أساس البناء القيمي والفكري للناشئة”، قدّم الدكتور الباحث في علم الاجتماع علي تيزنت مداخلة تناول فيها مكانة القرآن الكريم في بناء الإنسان والأمة وذلك يوم الثلاثاء 3 فبراير الجاري.
واستهل عضو مجلس الإرشاد مداخلته بالتأكيد على أن الموضوع يحمل روحانية خاصة لارتباطه بكتاب الله عز وجل. وأوضح أن القرآن الكريم هو فعلا أساس البناء القيمي والفكري للناشئة، معتبرا إياه في الوقت ذاته روح بناء الشخصية الإيمانية، وأساس نسج الجماعة المجاهدة، ومادة لصياغة الأمة الشاهدة، كما عاشها الصحابة رضوان الله عليهم.
وأكد أن القرآن الكريم ليس مادة محفوظة أو تدرس فحسب، بل هو كلام الله الحي الذي يخاطب القلوب، وهو خطاب الله الهادي إلى العقول، ونوره المبين إلى الحيارى المسترشدين، وحبله الممتد إلى عباده المستنصرين. ومن هذا المنطلق شدد على الإلحاح في تعلمه وتعليمه، والتعلق به قراءة وتدبرا وعملا، مبرزا أن الحديث عن حفظ القرآن لا يقتصر على حفظ الحروف، بل يشمل حفظ الحدود والعمل به، واستحضاره في خاصة الحياة وعامتها.
وأشار الدكتور علي تيزنت إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قرآنا يمشي على الأرض، وأن بالقرآن تضبط الوجهة، ويبنى الإنسان، ويؤلف الصف دون فصل بين الإيمان والعمل، أو بين الغيب والشهادة. واعتبر أن القرآن في هذا التصور ليس إضافة إلى المناهج، بل مرجع كل تربية، ومقصد كل تعليم، وأثار سؤال النية والباعث والمنهجيات والأساليب التي يقدم بها القرآن للناشئة، والسبل الكفيلة بجعله محور النشاط وبوصلة الحياة.
وقارب هذه الأسئلة من خلال أربعة منطلقات، أوّلها “تصحيح القصد وتوجيه العزم”، حيث أكد أن التربية القرآنية تبدأ بتوجيه النية قبل الحديث عن البرامج والمناهج والوسائل، وأن السؤال الأقوم ليس ماذا نحفظ ولا كيف نحفظ، وإنما بأي نية نتلقى كلام الله وبأي قصد نتعلمه. واستحضر في هذا السياق سيرة الصحابة الذين تعلموا الإيمان قبل القرآن، محذرا من فساد القصد في تعلم القرآن، ومؤكدا أنه لا يؤخذ عادة، ولا يحفظ مهارة، ولا يطلب وجاهة أو مفاخرة، وإنما يتلقى عبودية وقربة وطلب هدى.
وأوضح أن العلم والقرآن قد يكونان حجة على صاحبهما إن دخلا بغير نية صحيحة، مستشهدا بالحديث عن الثلاثة الذين تسعّر بهم النار، ومنهم من تعلم القرآن ليقال قارئ، مشددا على أن الأصل في تعلم القرآن هو تلقيه افتقارا وخشوعا وتنفيذا، وحفظ حروفه وحدوده والعمل به، لا استكثارا ولا حذلقة.
وفي المنطلق الثاني “القرآن هو حبل الوصل وسر الانجماع”، أبرز أن القرآن تستمد منه المعرفة، وتحفظ به الفطرة، وتبنى به الشخصية، وأن حفظ الطفل للقرآن في صغره يفتح عليه في علمه وشخصيته. وأكد أن التربية القرآنية ليست عكوفا على اللفظ ولا استطرادا في الاختلافات، بل حملا متدرجا وأخذا لطيفا إلى حياض الوحي، داعيا إلى تقديم القرآن للناشئة بشكل يجذبهم، وينشئهم على الأنس به قبل الاعتياد على غيره، في ظل ما يعيشه العالم من فتن ومغريات ووسائل تواصل وعولمة وذكاء اصطناعي.
وشدد المتحدث على ضرورة ربط تعلم القرآن وتعليمه بالصحبة والقدوة والجو الإيماني، معتبرا أن الأمر ليس في الوسائل، بل في القلوب، وأن القرآن يتلقى من جيل إلى جيل ومن قلب إلى قلب، عبر سند متصل وحبل موصول وسلاسل ذهبية تحقق التواصل الروحي والانجماع القلبي على القرآن.
وفي المنطلق الثالث “التربية على القرآن مسجدية الفضاء وروحانية اللقاء”، توقف المتدخل عند التربية القرآنية في المسجد، مؤكدا أن اختيار المسلمين الأوائل للمسجد فضاء للتعلم والتربية لم يكن اختيارا عبثيا. وأوضح أن الحديث عن المسجد ليس حديثا عن شكل تقليدي، بل عن روح المسجد، مستحضرا تجربته الأكاديمية في دراسة بعض الطروحات الأنتروبولوجية التي صورت تعليم القرآن بصورة مشوهة، ومؤكدا أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قام به هو بناء المسجد باعتباره مركزا للتربية وبناء الإنسان.