استهلّ الدكتور محمد عوام مداخلته، في الندوة العلمية التي نظمتها المجموعة العلمائية المغربية لإسناد القضية الفلسطينية، بالتأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية احتلال فحسب، وإنما هي قضية عقيدة وقضية تصور فكري كذلك.
وقال الباحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة إن القضية الفلسطينية أولًا هي قضية أمة، وعدّ من “المجازفة” اعتبارها قضية شعب فقط، وهو ما سعى إليه الأعداء منذ زمن. وأوضح أن الأمة واحدة وموحدة لا تتجزأ في كينونتها ووحدتها الإيمانية والتصورية، كما لا تتجزأ في وحدة مصيرها، مستشهدًا بقوله تعالى: إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وبقوله عز وجل وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.
وأضاف المتحدث أن فلسطين تحمل إرث المسلمين قاطبة، وفيها قبلتهم الأولى ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، مستشهدًا بقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وأردف أنه سبق أن قال غير مرة إن القضية الفلسطينية قضية كل مسلم، لارتباطها بمقدسات المسلمين، وعلى رأسها بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى. واعتبر أن في توجه المسلمين ابتداء إلى القبلة الأولى تشريفا وإشرافا، حتى تظل هذه الأمة مسؤولة عن قبلتها الأولى وعن أرضها المقدسة، باعتبارها الأمة الخاتمة والمهيمنة بمقتضى النصوص المتضافرة على ذلك، ولأن الأمم السابقة -كما قال- لم تحافظ على الوحي في نسخته الأولى كما نزل، وإنما بدلوا وحرفوا، لذلك وُكِّلت هذه الأمة بهذه القضية.
وأكد الأستاذ الجامعي السابق في جامعة محمد الخامس بالرباط أنه ينبغي أن يكون راسخًا لدى كل مسلم أن القضية الفلسطينية ليست قضية شعب معزول عن باقي أجزاء الأمة، بل إن المسلمين جسد واحد، وأن أرضهم -بالرغم من هذه القطرية الضيقة- أرض واحدة ينبغي الذود عنها والدفاع عن حرماتها وصد العدوان عنها بالغالي والنفيس.
وفي حديثه عن أدوار العلماء، قال المتحدث إن دورهم في حشد الجموع وإيقاظ الوعي والتصدي للعدوان والكشف عن الخونة والعملاء ومحاربتهم لهو أكبر وأجل عمل يقومون به، لأنهم حملوا رسالة التبليغ وأمانة الدعوة. وأضاف أن هذا التصور ينبغي أن يكون واضحًا في الذهن راسخًا في العقل، ولا يستنكف عنه مسلم صادق مخلص.
وانتقل عوام إلى “قضية الإسناد”، موضحًا أن البعض قد يتساءل: لماذا الإسناد العلمي؟ وأضاف قائلا إن الإسناد يعني المعاضدة والمعاونة والمناصرة، وأن هذه المعاني تتسع لها اللغة، مشيرا إلى ما ورد في حديث أبي هريرة: “خرج ثمامة بن أثال وفلان متساندين”، أي متعاونين، كان كل واحد منهما يسند الآخر ويستعين به. وأكد أن الإسناد أنواع: الإسناد الدعوي، والإسناد المالي، والإسناد الجهادي، إلى آخره، وأن الإسناد العلمي المقصود هنا هو الدعم العلمي بالبحث في تاريخ القضية الفلسطينية ونصرتها، والكشف عن زيف الأطروحات الصهيونية ومن يدعمها، ورد الافتراءات والأساطير التي ينسجها العدو حول فلسطين، وكشف ما بها من خلل وزيف.
وقال المتحدث إن الإسناد من الدين، مستحضرا ما هو معلوم عند المحدثين حتى قالوا إن عبد الله بن المبارك قال: “الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء“. وأضاف أن الإسناد العلمي بالقضية الفلسطينية هو الموصل للتحرر من الاحتلال عبر بناء الوعي وتحصين الذات باعتباره شرطًا أساسيًا في المقاومة العلمية، مؤكدًا أن “هذه مقاومة علمية كذلك”.
وأوضح المتحدث أن المحتل لا يعتمد على القوى العسكرية والمادية فحسب، وإنما يعتمد أيضا على المنحى الفكري والعلمي تدليسا وتزويرا للحقائق التاريخية وتشغيبا على الحجج والبراهين العلمية التي تدحض شبهاته. وذكر مثال “هيكل سليمان” باعتباره واحدا من “الأراجيف” التي يتكئ عليها العدو للاستمرار في هدم المسجد عبر الحفريات. وأضاف، مع الأسف، أن الضعف الذي ينخر في جسم الأمة منذ أمد غير يسير، ووجود طبقة من الحكام تقاعست وتلكأت وتنكرت لنصرة إخوانهم في فلسطين، ومنهم من طبع مع العدو الصهيوني المجرم، فضلا عن العملاء والأجراء، كل ذلك أغفل الإسناد العلمي للقضية الفلسطينية، وأن ما وقع منه لا يلبي الاحتياجات الواقعية ولا يشفي الغليل ولا يرقى أن يكون منافسا للعدو في أطروحاته الاحتلالية.
وشدد المتحدث على أن الإسناد العلمي ضرب من الجهاد والمقاومة، بل هو أكثرها فاعلية، لأنه مرتبط ببناء التفكير واستمرار الوعي بالقضية وترسيخها في نفوس الأجيال، وقال إنه يدخل في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ، وأضاف أنه إذا لم يكن هذا الإسناد فإن الأمة ستقع في “المصيبة العظمى” وهي تسليم الإخوة للعدو، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخ المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام”، وفي رواية البخاري: “لا يسلمه”، بمعنى ألا يتركه للعدو يفعل به ما يشاء ويؤذيه ويضرّه ويلحق به الضرر.
وتابع المتحدث أن المشكلة تتمثل في أن الناس قد يخرجون في المسيرات وفي الوقفات الاحتجاجية وذلك مطلوب لدعم القضية الفلسطينية وواجب، لكنهم ينسون ويغفلون قضية الإسناد العلمي، وهي كما قال مما يعتمد عليه الأعداء. وأضاف إن من ترك إسناد إخوانه الفلسطينيين بكل أنواع الإسناد، ومنها الإسناد العلمي، فقد أسلمهم إلى “المهلكة الصهيونية والصليبية بالقتل والتحريف والتزوير والكذب”.
وبخصوص دواعي الإسناد العلمي، قال المتحدث إن أولها غياب أو ضعف البحث العلمي في القضية الفلسطينية، معتبرًا أنه لا يوجد بحث علمي يتناسب -في تقديره- مع ما يفعله العدو الذي استطاع نشر آلاف البحوث نصرة لأطروحته الاحتلالية، وشكّل بها العقل الأوروبي والدولي حتى غدت كأنها الأطروحة الوحيدة ذات المصداقية، وأضاف أن “السوق” الأوروبية تم غزوها بالأطاريح الصهيونية حول فلسطين ادعاء وتزويرا.
وثاني الدواعي وفق المتحدث غياب القضية الفلسطينية عن المقررات الدراسية والمناهج التعليمية العربية، مضيفا مثالا من المغرب حيث قال إننا لا نجد أي مكان للقضية الفلسطينية في المقررات الدراسية. وأوضح أنه بدل الحديث عن “المكون العبري” بشيء من الهالة والتقديس وكثير من التزوير والتدليس، فالأولى والأحرى الحديث عن القضية الفلسطينية وعن قبلة المسلمين الأولى وعن مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. وأضاف أنه بدل أن تطلع أطاريح جامعية تتحدث عن التراث اليهودي في المغرب بشيء من التحريف وتصنع منهم رموزا حضارية، كان الأولى والأحرى الحديث عن تراث المغاربة في القدس وأوقافهم، وعن فلسطين والهجرات اليهودية بعلمية وموضوعية وإنصاف.
أما الداعي الثالث، فقال المتحدث إنه غياب مصداقية البحث العلمي الذي يروّج له العدو، مما يفرض سلوك منحى الإسناد العلمي، مشيرا إلى أن العدو يعتمد على التحريف والتزوير للتاريخ وللواقع بغرض طمس الذاكرة الإنسانية حتى يسهل اختراقها وتزييف وعيها، وهو ما يستلزم مقاومة علمية فكرية تقوم على البحث العلمي الجاد الذي ينأى بنفسه عن المزايدات وردود الأفعال، وينبني على الروح العلمية القائمة على الأدلة والبراهين.
وفي سياق حديثه عن تغلغل العدو في الشعوب، قال المتحدث إنه اطلع على بعض الدراسات التي فحصت وبحثت المناهج الدراسية في أمريكا وفي “إسرائيل” وكيف تصف المسلمين وكيف تصف العرب بأنهم قطاع طرق ولصوص. وأورد في هذا الإطار أن نسبة المنتسبين للتعليم الديني الحكومي في المرحلة الابتدائية في “إسرائيل” بلغت 21%، وأن نسبة المنتسبين إلى المدارس التابعة للأحزاب الدينية الأرثوذكسية بلغت 9%، أي أن 31% من طلاب المرحلة الابتدائية يدرسون في مدارس دينية، وأضاف أنه لا توجد في العالم الإسلامي دولة تبلغ نسبة الملتحقين بالتعليم الشرعي هذا الرقم.
وقال المتحدث إن الأمر يدعو إلى الخجل، لأن القضية الفلسطينية “مغيبة”، كما أن التعليم الديني “مغيب” إلا بشكل أو بآخر، معتبرا أن “إسرائيل” تعتمد في مناهجها الدراسية على الدين كمقوم لوجودها، بينما نحن نقصي الدين من مناهجنا، واصفا ذلك بـ”المفارقة العجيبة”. وأضاف أن من يعتمد على الدين في ترسيخ المبادئ هو الذي يمكنه أن يستمر وأن يكسب المعركة، مؤكدا أن المعركة “دينية وليست معركة سياسية فقط”.
وختم المتحدث بطرح مقترحات لإسناد فلسطين، من بينها العمل على إنشاء موسوعة نسميها “الموسوعة الفلسطينية”، وقال إنها غير موجودة بالصورة التي يضعها العلماء والخبراء بشتى التخصصات؛ موسوعة تدرس تاريخ فلسطين حضاريا وثقافيا وعلميا، وتطرح الإشكالات والتحديات المحيطة بالقضية الفلسطينية، وتقوم على رد الافتراءات الصهيونية حول فلسطين، ونصرة المقاومة علميا. وفي ختام مداخلته، أعاد التأكيد على أن القضية الفلسطينية قضية أمة، وأن الجميع يتحمل مسؤولية النصرة والدعم، داعيا العلماء والمفكرين إلى التحلي بالصبر للمضي في هذا الطريق العلمي.