أكد الدكتور عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أن الجماعة تسعى من وراء مقاطعة انتخابات 23 شتنبر التشريعية إلى الإسهام في “تعرية نظام الفساد والاستبداد”، ليتأكد للناس أن “ما يسمونه انتخابات ما هي إلا خدعة، تتكرر بشكل فج دون كلل ولا ملل، لإبقاء الوضع الفاسد على ما هو عليه، ولا علاقة لها بما تعنيه الانتخابات عند عقلاء الناس”.
وعي المواطنين بحقيقة الانتخابات يعمق معرفتهم بأصل المشكل
وقال الدكتور متوكل في حوار أجراه معه موقع “صوت المغرب” إن الانتخابات قد تتغير معها بعض الوجوه “لكن السياسات التي تخدم مصالح فئة تعد على الأصابع، والتدبير الفاسد لشؤون البلد لا يتغير”. مشددا على أن “ازدياد وعي المواطنين بهذه الحقيقة من شأنه أن يعمق معرفتهم بأصل المشكل في البلد وما الذي ينبغي القيام به من أجل الحرية والكرامة والحكم الرشيد”.
وتابع موضحا أن المقاطعة لا يمكن تفسيرها على أنها انسحاب من الشأن العام ولا تخلٍّ عن الاهتمام بأمر الأمة، وإنما هو “موقف واع وخلاصة دراسة متأنية لتجارب من سبقونا في هذا المجال داخل المغرب وخارجه”. وأضاف “نحن نرفض أن نبيع الوهم للناس، أو نعدهم بما لا سبيل إليه، لذلك ينبغي دينيا وأخلاقيا ومروءة أن نصارح الناس بحقيقة الوضع، وأن نبث هذا عبر كل الوسائل الممكنة والمشروعة”.
فالمعركة لها جناحان يقول متوكل، أحدهما يتعلق ببث الوعي الصحيح والآخر يتعلق ببناء الإرادة، إرادة الإنسان الفاعل الراغب في الحرية والعدل والكرامة الآدمية. لا فتا إلى أن هذه المطالب “لا تمنح وإنما تؤخذ غلابا، ولله الأمر من قبل ومن بعد”.
يستحيل لأي حزب تحصيل أغلبية تمكنه من تنفيذ برنامجه
وعن الحراك الذي تسهم فيه الجماعة من خارج المؤسسات، اعتبر عضو مجلس إرشاد الجماعة أن من أهم مكاسبه “اتساع دائرة الوعي بالطبيعة الاستبدادية للنظام، وبغياب الإرادة السياسية لدى الحاكمين لاتخاذ أي خطوة من أجل القيام بالإصلاحات المطلوبة”. ومن المكاسب أيضا يضيف المتحدث “ازدياد الوعي بأن الضغط من خارج المؤسسات يمكن أن يكون له أثر وأن يكون له من النتائج ما لا تستطيعه حكومة محكومة ولا برلمان مشلول”.
وشدد على أنه “يستحيل على أي حزب أن يحصل على الأغلبية التي تمكنه من قيادة الحكومة وتنفيذ برنامجه”. وتابع موضحا أنه على فرض أن حزبا معينا كانت له شعبية واسعة وحقق انتصارا كاسحا في الانتخابات “فإنه سيضطر لا محالة إلى التحالف مع حزبين أو ثلاثة لتشكيل الحكومة، ممن كان يعتبرهم أحزابا فاسدة وأنهم أسباب كل المآسي الاقتصادية والاجتماعية وكل الأزمات التي يعيشها المغاربة”.
وهنا يتساءل القيادي البارز في الجماعة “فكيف يشرحون هذا للمغاربة غدا. فهل ستتحول هذه الأحزاب التي تجرّ وراءها تاريخا طويلا من الفساد والإفساد صباح تشكيل الحكومة إلى هيئات نظيفة ومستعدة لخدمة الصالح العام بصدق وأمانة؟” قبل أن يستدرك قائلا: ”ارحموا هذا الشعب المسكين من هذا الهراء من فضلكم”.
أفق المقاطعة وشروط المشاركة
وعن الأفق الذي ترسمه الجماعة لهذا الخيار بعد سنوات من المقاطعة، لفت الأستاذ متوكل إلى أن تغيير النظام السياسي إلى ما هو أفضل “لا يتأتى بمقاطعة الانتخابات وحدها، وإنما هي عامل من عوامل أخرى، لكنها عامل مهم يكشف النظام على حقيقته، ويتركه عاريا أمام الشعب، ويكشف بعضا من الحيل المستعملة لإخفاء الحقيقة المرة وهي احتكار الحاكمين للسلطة والثروة، وعدم وجود أي رغبة لديهم لاحترام اختيار الشعب لمن يحكمه وربط المسؤولية بالمحاسبة والتوزيع العادل للثروة”.
وتابع مؤكدا أن الانتخابات في المغرب “تستعمل لإنتاج مؤسسات صورية لا تستطيع أن تقوم بوظائفها كما هو الشأن في الأنظمة الديمقراطية الحقة”. وإذا كان الأمر كذلك “فلِم نزك عملية مغشوشة وفاسدة حتى النخاع؟” يتساءل متوكل، معتبرا أنه “لا شك بأن الوعي بهذه الحقيقة قد ازداد بشكل كبير. ويكفي دليلا على ذلك مقاطعة أكثرية المواطنين لهذه المسرحية الممجوجة”.
أما عن إمكانية مشاركة جماعة العدل والإحسان في الانتخابات مستقبلا، وعن الشروط التي تجعلها تعيد النظر في هذا الموقف، أكد المتحدث في الحوار ذاته على أن الجماعة تقاطع الانتخابات “ليس للمقاطعة من أجل المقاطعة، وإنما لانتفاء أبسط الشروط التي تجعلها ذات جدوى، وتجعل المشاركة فيها ذات معنى”.
وإذا أصبحت لدينا انتخابات حرة ونزيهة، تفرز خريطة سياسية معقولة تعبر عن إرادة الشعب، وتؤدي إلى قيام مؤسسات مسؤولة وذات مصداقية وبصلاحيات حقيقية، فإن المشاركة هي الأصل وهي الوسيلة لتنظيم الاختلاف والتداول السلمي على الحكم، فمن سيرفضها في هذه الحال؟ يتساءل الدكتور متوكل.
الخطوات السياسية والإجرائية للمشاركة الانتخابية
أما الخطوات السياسية والإجرائية التي تتصور الجماعة تحقيقها على أرض الواقع لتتوفر شروط المشاركة، شدد الدكتور متوكل على ضرورة الحصول على “دستور جديد شكلا ومضمونا، يؤمن الفصل بين السلطات الثلاث ويعطي لمؤسسات الحكم صلاحيات حقيقية لتمارس وظائفها بشكل طبيعي” ويربط المسؤولية بالمحاسبة ويجعل الجميع سواسية أمام القانون.
وبعد الدستور، وقف متوكل على أهمية البرلمان الذي “يعبر عن اختيار الشعب ولديه القدرة على القيام بوظائفه التشريعية والرقابية”. وبعدهما يقول: “نريد حكومة مسؤولة تملك أن تنفذ البرنامج الذي على أساسه وصلت إلى ذلك الموقع”. ورابعا يأتي القضاء المستقل الذي يقضي بالقانون ولا يخضع للتعليمات.
ثم تساءل “فهل هذه مطالب تعجيزية أو مستحيلة؟” قبل تأكيده أن هذا موجود في كثير من بلاد الدنيا التي تحترم شعوبها. فلماذا لا نكون نحن كذلك؟ أو لسنا بشرا مثلهم؟ يتساءل ثم يواصل تساؤلاته “فلماذا يريد منا البعض أن نبقى غرباء في أوطاننا، نقنع بالفتات، ونساق سوق الأغنام، ويأكل غيرنا معظم خيراتنا، وتستحوذ على الباقي فئة قليلة من المنتفعين في بلدنا؟”.