تحت عنوان “مقاصد الإسناد العلمي للقضية الفلسطينية“، أكد الدكتور محماد رفيع أن مدار كلمته يقوم على الكشف عن المقاصد الناظمة لمشروع الإسناد العلمي لقضية فلسطين، مضيفا أن “قيمة الأمر في مقصوده”، إذ كلما استبانت المقاصد اتضّحت الوجهة، وقوي العزم على النهوض، وأُمن الالتفات عن المطلوب.
وأوضح أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة خلال مشاركته في الندوة العلمية الوطنية التي نظمتها المجموعة العلمائية المغربية لإسناد القضية الفلسطينية يوم السبت 3 يناير 2026، والتي شارك فيها إلى جانب كل من السادة الدكاترة رشيد بنكيران وعصام البشير ومحمد عوام، أن مقاصد الإسناد العلمي عنده على وجهين اثنين: أولهما المقاصد النفعية لقضية فلسطين، وترصد فيها جملة المصالح المطلوب جلبها بالإسناد العلمي حالا أو مآلا، وثانيهما المقاصد الدفعية، وهي الكشف عن المفاسد الحالية والمآلية التي يروم إسناد العلم لقضية فلسطين دفعها.
وفي تفصيله للمقاصد النفعية، قال رفيع إن أول هذه المقاصد هو مقصد حفظ الوجود الفلسطيني، موضحا أنه يتصدر المقاصد بدعم صمود هذا الشعب وسط تحديات الصهاينة، حتى يتقوى وعي الشعب الفلسطيني بحقه التاريخي والقانوني والشرعي في أرضه. وأضاف أن ذلك يكون ببناء مرجعية علمية مؤصلة تاريخيا وأنثروبولوجيا وقانونيا وشرعيا للوجود الفلسطيني على أرضه عبر آلاف السنين، يُسهم فيها خبراء متخصصون في تلك التخصصات المتكاملة، وتُترجم هذه المرجعية في النهاية إلى اللغات العالمية، وتُقدَّم إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية وغيرها، وبذلك يتقوّى الوجود الفلسطيني ويزداد الفلسطينيون تشبثا بأرضهم.
وأضاف المتحدث أن المقصد الثاني هو مقصد دعم مقاومة الشعب الفلسطيني، مؤكدا أن معركة طوفان الأقصى أثبتت أن المقاومة هي الخيار الحصري الاستراتيجي الضروري لتحرير الشعب الفلسطيني ووطنه من الكيان الصهيوني المحتل، ولذلك تعيَّن بحسب تعبيره عقلا وشرعا وقانونا ومروءة دعم هذه المقاومة الحافظة للصمود والوجود الفلسطينيين. وبيّن أن هذا الدعم يتم من خلال أمرين اثنين: تصحيح التصور وبيان صحة التصرف للمقاومة.
وفيما يتعلق ببناء “صحيح التصور”، قال إن مهمة الإسناد العلمي الأولى في نظره هي بناء صحيح التصور لما يجري في أرض فلسطين، لأن الخلل في التصور يترتب عنه الخلل في التصرف، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقال إن التصديقات مؤسسة على التصورات كما تقرر عند أهل الأصول والمنطق. وأضاف أن تقييم معركة طوفان الأقصى ونقدها حتى متوقف على الصورة التي ارتسمت في الذهن لما حصل، فإن سلمت الصورة الذهنية بمطابقتها للواقع سلم ما صدق، والعكس بالعكس. وأكد أن رسم الصورة السليمة الموافقة لحقيقة معركة طوفان الأقصى دعم قوي مكين للمقاومة ولصمود الشعب الفلسطيني على أرضه، ودرء للتصورات الخاطئة لما جرى ويجري في غزة.
وأوضح الأستاذ بجامعة فاس أن بناء صحيح التصور لحقيقة مقاومة الشعب الفلسطيني يتأسس عنده على “البيان الثلاثي”: بيان السياق، وبيان المقاصد، وبيان المفاهيم. وقال إن بيان سياق معركة طوفان الأقصى يعني أنها لا يمكن فهمها إلا في سياق كونها جولة من جولات مقاومة العدو المحتل لأرض فلسطين منذ أزيد من مائة سنة، من مقاومة المحتل البريطاني ابتداء ثم مقاومة المحتل الصهيوني لاحقا. وأضاف أن طوفان الأقصى يمثل انفجارا اضطراريا في وجه الحصار الخانق الدائم على غزة منذ سنين عددا، وما يصاحبه من التقتيل اليومي بصوره المختلفة، مؤكدًا أن المعركة لا تُفهم كذلك إلا في سياق محيط عربي وإسلامي منقسم بين متخاذل ومتآمر وضعيف، وفي سياق تحالف غربي على الدعم المطلق الشامل للكيان الصهيوني في العدوان على غزة شعبا ومقاومة.
ثم انتقل المتحدث إلى بيان مقاصد معركة طوفان الأقصى، حيث قال إن لهذه المعركة مقاصد مرعية حكمت فعل المقاومة منذ البداية، كما أن للعدو الصهيوني المحتل مقاصد واضحة من عدوانه، مؤكّدا أنهم أمام “صراع المقاصد” قبل أن يكونوا أمام صراع المعارك. وأضاف أن مقاصد المقاومة من معركتها التماس الحق والعدالة والحرية والكرامة، وأن الوسيلة المتعينة لتحقيق هذه المقاصد هي المقاومة الشاملة علميا وتعليميا وإعلاميا وقانونيا وثقافيا وفنيا وغيرها، بينما مقاصد العدو الكبرى هي إعدام فكر المقاومة وكسر إرادتها من أجل الهيمنة على المنطقة، ووسيلة العدو في ذلك التقتيل والتدمير والتهجير والتعذيب وغيرها من أرذل وسائل العدوان.
وأما الضلع الثالث في البيان الثلاثي، وهو بيان صحيح المفاهيم، فقال رفيع إن صحيح المفاهيم لمعركة طوفان الأقصى يقوم على جملة مفاهيم تُعد مفاتيح لفهم المعركة وما يجري في غزة، واقتصر على مفهوم مركزي واحد هو مفهوم المقاومة. وأضاف أن هذا المفهوم ينبغي بيانه وتأصيله وتفصيله، لأن مدار مفهوم المقاومة على أنها حالة نهوض قيمية في المجتمع الفلسطيني وفي الأمة، وحالة وعي ناضج باللحظة الزمنية التي تمر منها الأمة والقضية الفلسطينية ومقتضياتها وبطبيعة المعركة، وهي حسب وصفه حالة معرفة دقيقة بمقومات العدو وبمخططاته وموارد دعمه وشرايين إنعاشه وبالقوة العالمية الشريكة مع العدو في عدوانه. وأكد أن المقاومة في النهاية خيار استراتيجي لها تعبيرات متنوعة: المقاومة بالخطاب، وبالموقف، وبالإعلام، وبالفن، وبالثقافة، وبالبحث العلمي، وبالإفتاء، وبالمال، وبالتعليم، وبالسلاح، إلى غيرها من أوجه المقاومة، وذلك للتصدي لجملة من أوجه التحريف والتسفيه والتسييل لمفهوم المقاومة.
وفي محور “بيان صحة منجزات المقاومة”، قال إن المنجز الحالي للمقاومة يتمثل أولا في نسف أكبر مخطط تآمري أُعد لتصفية القضية الفلسطينية نهائيا، وهو مخطط التطبيع، واعتبره إنجازا عظيما صدم المطبعين وأذهل الصهاينة المعتدين وفاجأ الغرب المتآمر، مضيفا أن المخطط سقط بكامله تحت أقدام المقاومين، وارتفعت أسهم القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي بعدما خُطط لها أن تطوى وتُنسى. وأضاف أن من منجزات هذه المعركة كذلك انكشاف الوجه البشع المتوحش للكيان الصهيوني الذي ظل مستورا عن الرأي العام العالمي بفعل المال والإعلام الصهيونيين لسنين عددا، وما ترتب على ذلك من التأثير في النخب الفنية والإعلامية والثقافية والأكاديمية والقانونية والمنظمات الحقوقية وغيرها. وقال إن هذا الانكشاف أثمر احتجاجا عالميا غير مسبوق، فازداد الضغط على الكيان وعلى داعميه من الدول الغربية، وعُزل هذا الكيان عالميًا، وتوّج بإصدار مذكرة الاعتقال لقيادته السياسية والعسكرية.
وتابع المتحدث أن من بين المنجزات أيضا انكشاف حالة التناقض عربيا وإسلاميا بين تآمر الأنظمة السياسية من جهة وتضامن شعوبها من جهة أخرى، إضافة إلى “حالة الانكشاف الاستراتيجي” للكيان الصهيوني لأول مرة في تاريخه بسقوط سردياته، وهو ما أدى سريعا إلى تفشي حالة الرعب والهلع والخوف من المصير المجهول وسط المجتمع الصهيوني، وترتب عنه بداية الرحلة العكسية للصهاينة إلى بلدانهم الأصلية إن كانت لهم بلدان. وأضاف أن حالة الاستنزاف ظهرت كذلك لدى الداعمين الغربيين لبني صهيون ماليا وعسكريا وسياسيا، وسادت حالة التذمر والرفض وسط الجيش الصهيوني.
أما المنجز المآلي لمعركة طوفان الأقصى، فقال إنه يتمثل في إشاعة ثقافة المقاومة في الأمة الإسلامية وفي العالم، واستعادة وعي الأمة بقضية فلسطين وأعدائها، بما سيمكّن الأمة الإسلامية لاحقًا من السعي لاستعادة ولايتها على نفسها وقرارها بيدها، فتَنْفض عنها الاستبداد الذي حال بينها وبين مصالحها الاستراتيجية الكبرى ومنها قضية فلسطين. وأضاف أن من مآلات ذلك أيضًا استعادة العالم وعيه المخطوف ليدرك أن الكيان الصهيوني عائق استراتيجي حقيقي لأي سلام واستقرار ونهوض تنموي في العالم، وهو ما سيتطور لاحقا حسب تعبيره إلى تجريم الصهيونية عالميا، أي آيلولة مصير العدو الصهيوني إلى حالة الانكسار فالانحصار فالانحسار بفعل الضربة الاستراتيجية لطوفان الأقصى وما تلاها من الضربات، وبفعل تخلي الغرب التدريجي عن دعم الكيان، وهو ما سيدشن بداية الزوال بإذن الله تعالى.
وأضاف رفيع أن المقصد الثالث ضمن المقاصد النفعية هو مقصد حفظ الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، وذلك من أجل إبقاء تاريخ الصراع والمقاومة مع الكيان المحتل حيًا في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني وفي مخزونه النفسي والوجداني، بما يضمن استمرار القضية في الأجيال صمودا ومقاومة. وأوضح أن الوسيلة الاستراتيجية لحفظ هذه الذاكرة الجمعية تكمن في بناء منظومة تربوية تعليمية تقوم على جملة مبادئ، منها التحرر من المضامين الاستعمارية والمضامين الاستبدادية لتحرير الإنسان من الخوف والأوهام، ثم مركزية الوحي في بناء هذه المنظومة التعليمية فلسفة ومنهجًا ومضمونًا، من أجل حفظ السردية الأصيلة لقضية فلسطين في الذاكرة الفلسطينية الجماعية. وأضاف أن هذا “واجب مقدس” يتعين على خبراء الإسناد العلمي إنجاز دليل موجهات المنهاج التربوي التعليمي المؤصل وحيًا، المناسب للواقع الفلسطيني والإسلامي حكمة، المصوغ بيداغوجيا وديداكتيكيا خبرة إنسانية. وعلل ذلك بقوله إن المعركة على فلسطين ليست فقط معركة تحرر شعب من الاحتلال، بل معركة على هوية المنطقة بأسرها، “فمن يملك القدس يملك رمزية التفوق، ومن يحرّرها يمتلك شرعية القيادة، ومن يخونها يُسقط نفسه من تاريخ الأمة تماما”.
وانتقل المتحدث بعد ذلك إلى المقاصد الدفعية، موضحا أنه يقصد بها أن ما تقرر سابقا من مقاصد نفعية يروم الإسناد العلمي حفظها، ولا يتم إلا بدفع ما ينافيها من مفاسد عظمى تهدد الوجود الفلسطيني على أرضه. وذكر في مقدمة ذلك دفع السردية الصهيونية التي تقوم على تقديم الكيان دولة الشعب اليهودي الذي اضطهد طويلا في أوروبا وعانى من المذابح والكراهية فعاد إلى أرض أجداده التاريخية الموعودة من الرب. وقال إن المطلوب من الإسناد العلمي تفكيك بنية هذه السردية والكشف العلمي عن تهافتها وسقوط ما انبنت عليه من شبهات وخرافات وأساطير، ونشر ذلك في مراجع علمية مؤصلة تُترجم بلغة العالم وتوزع في الهيئة العالمية، وذلك، كما وضح، بنقد ثلاثة أصول لهذه السردية، إذا نُقضت انهارت تماما. وعدّد المتحدث هذه الأصول الثلاثة موردا الأصل الأول في “اختراع الشعب اليهودي” حسب عبارة شلومو ساند، ثم “اختراع أرض إسرائيل”، ثم “النشأة الغربية للفكرة الصهيونية” كما يقول عبد الوهاب المسيري، لأنها إشكالية كاملة داخل الحضارة الغربية ولا يمكن فهمها بمعزل عن سياق هذه الحضارة.
وأضاف أن المقصد الثاني في الدفع هو دفع الإرجاف العربي، معتبرا أن من أخطر المفاسد التي واجهت القضية الفلسطينية ومعركة طوفان الأقصى ظاهرة الإرجاف العربي التي “بُرمجت” سياسيا وإعلاميا وثقافيا وأكاديميا، وما زالوا يعانون منها، من أجل منع المقاومة الفلسطينية من أي نجاح يمكن أن يكون ملهما ومحفزا للحركات الإسلامية وللشعوب الإسلامية في مقاومة أنظمة الاستبداد والفساد في العالم العربي والإسلامي. وقال إن تآمر الأنظمة العربية على المقاومة الفلسطينية جزء من التآمر على فكرة المقاومة في الوطن العربي والإسلامي، واصفا ذلك بأنه “فساد كبير وعهر غير مسبوق” يتعين كشفه وتفكيك بنية اشتغاله والكشف عن خيوطه وأخطاره في أبحاث علمية بينية تتكامل فيها المقاربات، لتنتج في النهاية مرجعية علمية مساندة للقضية الفلسطينية.
وختم رفيع بالمفسدة الأخيرة التي ينبغي دفعها، وهي دفع مخطط التطبيع، موضحا أنه أخره لخطورة هذا المخطط لا تهاونا ولا قلة جسارة على مصالح الأمة. وأضاف أن مواجهة هذا المخطط تكون بالبيان العلمي المفصل الكاشف عن المخاطر الكبرى والمفاسد العظمى له، ومنها كما قال إنه يستهدف تمزيق النسيج الداخلي للمجتمعات العربية عبر اللعب على وتر الإثنية والخلافات الإيديولوجية لتقسيم المقسم، وتدمير اقتصادها، واختراق مؤسسات دولها الحيوية، وما يجري خير شاهد، فضلا عن صناعة وكلاء مؤثرين في الرأي العام من أجل التمكين للهيمنة الصهيونية وإعاقة أي محاولة للتنمية والنهوض الحضاريين.