في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح” توقف الدكتور محمد منار عند محورين بارزين من قضايا الشأن العام؛ خصص أولهما لامتحانات البكالوريا وما تطرحه من أسئلة حول نظام التقويم، والغش، وتكافؤ الفرص، وإصلاح التعليم، بينما تناول في المحور الثاني مستجدات انتخابات 23 شتنبر 2026، وما يرافقها من نقاش سياسي بين الداعين إلى المشاركة والداعين إلى المقاطعة.
واستهل الأستاذ الجامعي الحلقة بالحديث عن امتحانات البكالوريا، باعتبارها محطة أساسية في المسار الدراسي للتلاميذ، تستدعي تعبئة بشرية ولوجستية ومادية كبيرة، لكنها في الآن نفسه تكشف عددا من الاختلالات العميقة في منظومة التربية والتكوين.
امتحانات البكالوريا… محطة كبرى تكشف أعطاب التقويم
في المحور الأول، ذكر المتحدث بأن عدد المترشحين لامتحانات البكالوريا بلغ ما يزيد عن 528 ألف مترشح ومترشحة، غير أن عدد المشاركين الفعليين في الاختبارات كان في حدود 465 ألفا، وهو معطى اعتبره في حد ذاته مؤشرا يستحق البحث في أسبابه ومعالجتها. وأشار إلى أن حوالي 71 في المائة من المترشحين ينتمون إلى الشعب العلمية والتقنية، مقابل 29 في المائة في الشعب الأدبية والتعليم الأصيل، مع حضور محدود جدا للشعب المهنية. كما لفت إلى أن التعليم العمومي لا يزال يحتضن النسبة الأكبر من المترشحين، بما يقارب 89 في المائة، في مقابل حوالي 11 في المائة من التعليم الخصوصي. ورغم إقراره بأهمية هذه المحطة، وتوجيهه الشكر للأطر التربوية على جهودها في تعليم الناشئة، اختار منار أن يجعل من مناسبة البكالوريا مدخلا لإثارة أربع ملاحظات كبرى مرتبطة بنظام التقويم، مؤكدا أن المدرسة المغربية تعاني اختلالات جوهرية لا يمكن حصرها في امتحان أو إجراء تقني.
أولى الملاحظات التي توقف عندها منار تتعلق بما وصفه بالهالة النفسية والاجتماعية والمالية التي تحيط بامتحانات البكالوريا. فهذه الشهادة تُحمّل التلميذ والأسرة ضغطا كبيرا، وتدفع كثيرا من الأسر إلى الدخول في دوامة الساعات الإضافية والمصاريف المرهقة، بينما لا تفتح البكالوريا وحدها باب الشغل ولا تضمن الولوج السلس إلى المؤسسات والمعاهد التي يطمح إليها التلميذ. وأوضح أن النجاح في البكالوريا لا يمثل نهاية المعاناة، بل بداية مسار آخر من المباريات والاختبارات والتحضيرات الإضافية، حيث قد يحصل تلميذ على معدل مرتفع، مثل 16 أو 17، ومع ذلك لا يتمكن من ولوج المدرسة أو المعهد الذي يرغب فيه، لا بسبب ضعف مستواه بالضرورة، بل بفعل الإرهاق والضغط المتواصلين. فبعد سنة طويلة من الاستعداد للبكالوريا، يجد التلميذ نفسه مطالبا ببذل جهد جديد في وقت يكون فيه قد استنفد طاقته النفسية والذهنية. ويرى منار أن هذا الوضع يؤدي في أحيان كثيرة إلى حرمان التلميذ من اختياراته الحقيقية، ودفعه نحو مؤسسات ذات استقطاب مفتوح لا يرغب فيها بالضرورة، مما يخلق مشكلة مزدوجة: تلميذ لا يدرس ما يريد، ومؤسسات تستقبل أعدادا من الطلبة الذين لم يلتحقوا بها عن اقتناع.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بجوهر التقويم نفسه. فقد طرح منار سؤالا مركزيا حول ما إذا كانت امتحانات البكالوريا تقوّم فعلا ما ينبغي تقويمه لدى المتعلمين. فالتعليم لا يقوم فقط على المعارف والمعلومات، بل يشمل الكفايات والمهارات والقيم، غير أن الامتحانات، في كثير من الحالات، تظل مركزة على استرجاع المعلومات أكثر من تقويم الفهم والتحليل والتركيب والتفكير. واستحضر المتحدث في هذا السياق أهمية المهارات التي نبه إليها عدد من المفكرين وخبراء التربية، ومنهم الفيلسوف الفرنسي إدغار موران في حديثه عن مدرسة المستقبل، خاصة مهارات التفكير، والفهم، والتعامل مع المركب والمعقد. وتساءل عن موقع هذه المهارات داخل المدرسة المغربية، مشيرا إلى أن التلميذ قد يحصل على معدلات عالية في المدرسة النظامية، خصوصا في شعب دقيقة مثل العلوم الرياضية، لكنه قد يظهر ضعفا كبيرا في “مدرسة الحياة”، من حيث القدرة على الحوار، والتواصل، والمبادرة، واتخاذ الموقف. ومن هنا، دعا إلى مراجعة منطق التقويم، وإلى التفكير في بدائل أو مكملات للامتحان الإشهادي، مثل المشاريع، والبحوث، والعروض الشفوية، وغيرها من أساليب التقويم التي تسمح بقياس أوسع وأعمق لقدرات المتعلم.
الملاحظة الثالثة خصصها منار لظاهرة الغش، التي أثارت نقاشا واسعا هذه السنة، خاصة مع استعمال أجهزة الضبط والمراقبة. فقد أشار إلى تعبئة أكثر من 107 آلاف مكلف بالمراقبة، وإلى اعتماد حوالي ألفي جهاز، وإلى تسجيل ارتفاع في حالات الغش المضبوطة بنسبة تقارب 49 في المائة، حيث بلغ عدد الحالات أكثر من أربعة آلاف حالة. ورغم أن هذه الأجهزة قد تساعد على ضبط حالات أكثر، فإن منار نبه إلى أن طريقة استعمالها تحتاج بدورها إلى تقييم، لأنها قد تخلق داخل فضاء الامتحان جوا أمنيا أو عسكريا يتنافى مع قيم المدرسة. كما أن ضبط تلميذ داخل القاعة قد يخلق تشويشا وتوترا ينعكسان على باقي الممتحنين، خاصة بالنظر إلى حساسية المرحلة العمرية التي يمرون بها. غير أن النقطة الأهم، في تقديره، هي أن الغش ليس مجرد سلوك فردي يمكن القضاء عليه بإجراء تقني، بل هو مؤشر على تحول قيمي وانحدار خطير، من منطق “من غشنا فليس منا” إلى نوع من التطبيع الاجتماعي مع الغش بأشكاله المختلفة.
وشدد منار على أن التركيز ينصب غالبا على محاربة الغش أكثر من محاربة الأسباب المنتجة له، ومنها طبيعة البرامج، ونوعية الامتحانات، والبيئة الاجتماعية العامة. فلا يمكن، في نظره، أن نطالب التلميذ بعدم الغش في الامتحان، بينما يسمع ليل نهار عن الاختلاسات، والخيانات، وتضارب المصالح، وسطو بعض الشخصيات المتنفذة على الأراضي والعقارات. لذلك، فمحاربة الغش تتطلب مقاربة شاملة وتشاركية، تنخرط فيها الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع، ولا تكتفي بالجانب التقني ذي الأثر المحدود.
أما الملاحظة الرابعة والأخيرة فتعلقت بسؤال تكافؤ الفرص. فقد انتقد منار أن يخضع جميع التلاميذ للامتحان نفسه، في حين أنهم لا يستفيدون من شروط الإعداد نفسها. فهناك تفاوت صارخ بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي، ليس فقط في الإمكانات، بل أيضا في طريقة التحضير للامتحان. وأوضح أن بعض مؤسسات التعليم الخصوصي تركز في الأشهر الأخيرة على المواد المعنية بالامتحان الإشهادي، بينما يظل تلميذ التعليم العمومي مثقلا بمواد أخرى لا يمتحن فيها في البكالوريا، مما يجعل شروط التحضير غير متكافئة. كما أن هناك تفاوتا بين الأسر، إذ تستطيع بعض الأسر توفير ساعات إضافية ودعم مستمر لأبنائها، بينما لا تستطيع أسر أخرى تحمل كلفة ذلك. ورأى منار أن هذه الاختلالات تجعل الحديث عن الإنصاف في التقويم ناقصا، ما لم تعالج الفوارق العميقة في شروط التعلم والتحضير. ومن ثم، فإن نظام التقويم لا يمكن إصلاحه بمقاربات جزئية، بل يحتاج إلى تصور شامل لإصلاح التعليم برمته.
إصلاح التعليم يحتاج رؤية واضحة ومناهج متجددة وإنصافا للأطر
وانطلاقا من ملاحظاته حول البكالوريا، انتقل منار إلى التأكيد أن أي حديث عن التنمية أو التقدم يظل بلا معنى إذا لم يقترن بإصلاح فعلي للتعليم. فالتجارب الناجحة، كما قال، تؤكد أن التعليم هو المدخل الأساس لكل نهضة حقيقية، وأن إصلاحه يتطلب إرادة سياسية وجهودا متضافرة. وحدد المتحدث ثلاثة شروط كبرى لهذا الإصلاح. أولها وجود رؤية واضحة وأصيلة، منفتحة بذكاء على التجارب الدولية دون الوقوع في التبعية أو النقل الميكانيكي. وانتقد في هذا السياق ما وصفه بالارتجال الذي يطبع السياسة التعليمية في المغرب، رغم تعدد الوثائق والبرامج، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، ثم القانون الإطار. فهذه الوثائق، رغم ما تتضمنه من نقاط مهمة، لا تعكس، في نظره، رؤية منسجمة وواضحة.
أما الشرط الثاني، فهو تجديد المناهج والبرامج، التي يرى أنها لا تزال تعاني تخلفا في عدد من المواد. واستشهد بما أورده بعض الأساتذة بخصوص برنامج الفيزياء في البكالوريا، الذي ما يزال، بحسب ما نقل، متأثرا ببرنامج فرنسي قديم يعود إلى سنة 2003، رغم أن فرنسا نفسها جددته أكثر من مرة، بينما ظل في المغرب قائما مع بعض الترقيعات. وبالنسبة للشرط الثالث، فهو يتعلق بالأطر التربوية، التي اعتبرها ركيزة لا يمكن أن ينجح التعليم دونها. فإصلاح التعليم يقتضي تحسين وضعية هذه الأطر ماديا واعتباريا، وإشراكها والإنصات إليها والاعتراف بجهودها. وفي هذا السياق، استحضر منار ملف الأطر التعليمية التي تعرضت للإعفاء من المهام التربوية بسبب انتمائها إلى جماعة العدل والإحسان، معتبرا ذلك دليلا على التخلف والاستهانة بالكفاءات التربوية وبالتعليم نفسه.
انتخابات 23 شتنبر 2026… تتبع لا يلغي الموقف
في المحور الثاني من الحلقة، انتقل منار إلى مستجدات انتخابات 23 شتنبر 2026، موضحا أن الحديث عنها لا يعود إلى أهميتها في ذاتها، وإنما لأن الموقف المبدئي من الانتخابات لا يعفي من المتابعة والملاحظة الموضوعية. فالموقف المسؤول، في تقديره، يقتضي تتبع ما يجري وتحليل دلالاته السياسية.
وتوقف المتحدث عند أربع قضايا أساسية. أولها قرب انتهاء الفترة الاستثنائية للتسجيل في اللوائح الانتخابية، مشيرا إلى غياب أرقام رسمية معلنة في تلك اللحظة، وإلى ما تناقلته بعض الصحافة من مؤشرات عن ضعف الإقبال على التسجيل. وسجل في هذا السياق غيابا لافتا للأحزاب السياسية عن دورها المفترض في التعبئة للتسجيل، باستثناء عدد محدود منها، مقابل حضور قوي لوزارة الداخلية عبر حملات ووصلات إشهارية، وهو حضور اعتبره ذا دلالات سياسية وانتخابية واضحة.
أما المستجد الثاني، فهو ظاهرة الترحال السياسي، أي تغيير الانتماء الحزبي والانتقال من حزب إلى آخر، وهي ظاهرة تشتد عادة مع اقتراب الانتخابات. وأقر منار بأنها موجودة في دول عديدة، حتى في الدول الديمقراطية، لكنه شدد على أن طبيعتها في المغرب مختلفة بسبب حجمها الكبير وبواعثها غير المبدئية. ففي الحالة المغربية، غالبا ما يرتبط الترحال، حسب منار، بالبحث عن فرصة أفضل للترشح، أو بالالتحاق بالحزب الذي يبدو مرشحا للوجود في الحكومة. واستحضر الفصل 61 من دستور 2011، الذي ينص على تجريد البرلماني من عضويته إذا تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق البرلماني الذي ينتمي إليه، كما أشار إلى التعديلات القانونية التي حاولت محاصرة هذه الظاهرة. غير أنه اعتبر أن القانون وحده لا يكفي لمعالجة الترحال السياسي، لأن المشكل أعمق من النصوص، ويتصل بالثقافة السياسية وبطبيعة المشهد الحزبي والنظام السياسي. فكثيرون، كما قال، لا ينظرون إلى الحزب باعتباره إطارا للاقتناع الإيديولوجي والسياسي والانضباط التنظيمي، بل يعتبرونه مجرد مطية لتحقيق مصالح ومكاسب وزبونية وريع.
أما المستجد الثالث، فهو الخلافات المتصاعدة حول الترشيحات داخل الأحزاب السياسية، بما في ذلك التحالفات الجديدة. فقد سجل منار أن الساحة الحزبية تعرف انسحابات وضغوطا وصراعات بين متنفذين من أجل ترشيح الأقارب، من إخوة وأبناء وزوجات وغيرهم، معتبرا ذلك مظهرا من مظاهر البؤس الذي يطبع المشهد الحزبي والسياسي. ومع أنه تجنب التعميم، أشار إلى أن الأحزاب التي تحاول تفادي هذه الممارسات قليلة جدا.
المشاركة والمقاطعة… نقاش صحي بشرط تجنب التخوين والسطحية
وخصص منار الجزء الأوسع من المحور الانتخابي للنقاش الجاري بين المدافعين عن المشاركة في الانتخابات والداعين إلى مقاطعتها. واعتبر أن هذا النقاش في حد ذاته صحي ومطلوب، شريطة ألا يسقط في التخوين، أو الشخصنة، أو السطحية. فالسياسة، بمعناها النبيل، مجال للاختلاف والاجتهاد، لكن حين تنحط تتحول إلى فضاء للجريمة وما هو أكثر من الجريمة. ومن هذا المنطلق، ناقش منار أربع مغالطات قال إنها تتكرر في خطاب بعض الداعين إلى المشاركة ضد المقاطعين.
أولى هذه المغالطات، بحسب منار، هي القول إن مقاطعة الانتخابات تساعد على صعود المفسدين إلى المؤسسات. واعتبر أن هذا الادعاء لا تسنده دراسة علمية حاسمة، بل إن بعض الدراسات السابقة أظهرت أن المستفيد الأكبر من ضعف المشاركة قد يكون الحزب الذي يمتلك كتلة ناخبة منضبطة تنظيميا وإيديولوجيا، لأنها تذهب للتصويت حتى في سياق المقاطعة. كما استحضر مقارنة بين انتخابات 2016 وانتخابات 2021، ملاحظا أن نسبة المشاركة المعلنة رسميا في انتخابات 2021 كانت أعلى من 2016، ومع ذلك اعتبر أن انتخابات 2021 كانت الأسوأ من حيث الفساد الانتخابي ضمن المحطات التي جرت في ظل دستور 2011. وقلب منار السؤال على أصحابه، متسائلا: أليس من يساعد الفساد الانتخابي هو من يسهم في تشكيل مؤسسات شكلية بعيدة عن القرار السياسي الحقيقي، تتحول عند كثير من يلج إليها إلى مطية للريع والزبونية وقضاء المصالح؟ فالمشكل، في نظره، لا يكمن فقط في من يقاطع، بل في طبيعة المؤسسات نفسها، حين تكون ذات هامش محدود في السلطة والتمثيل والقرار.
المغالطة الثانية هي اتهام المقاطعين بأنهم يرفضون العمل السياسي وينتظرون حتى تنضج الشروط. ورفض منار هذا التصور، مؤكدا أن المقاطعين لا ينتظرون الشروط مكتوفي الأيدي، بل يمارسون ضغطا سياسيا بمقاطعتهم من أجل إنضاج تلك الشروط. واعتبر أن من أكبر الأخطاء حصر المشاركة السياسية في المشاركة الانتخابية. فالانتخابات صورة من صور العمل السياسي، وقد تكون أهم صوره في الدول الديمقراطية، لكنها ليست كذلك في الدول غير الديمقراطية. فالعمل السياسي يتضمن أيضا الاحتجاج، والضغط، والتأطير، والإعلام، والمقاطعة، وغيرها من أشكال الفعل العام. واستدل منار بحركة 20 فبراير، التي مارست العمل السياسي من خارج المؤسسات، عبر الاحتجاج والضغط، وأسهمت في إنتاج دستور 2011 رغم ملاحظاته الكثيرة عليه. ومن ثم، فإن النتائج التي تحقق أحيانا من خارج المؤسسات قد تكون أهم من تلك التي تتحقق من داخلها، خصوصا حين تكون المؤسسات محدودة الصلاحيات.
أما المغالطة الثالثة، فهي اتهام المقاطعين بنشر العدمية واليأس. ورد منار بأن من ينشر اليأس فعلا هو من يقول للناس إنه لا سبيل للعمل السياسي ولا مخرج إلا عبر مؤسسات يعرف الجميع محدودية سلطتها وقرارها وتمثيليتها. ويرى منار أن المقاطعين، في ظل شروط سلطوية تنزع من المؤسسات معنى التمثيل والسلطة والتقرير، من حقهم أن يقولوا إن هناك أملا آخر ينبغي العمل من أجله والتضحية في سبيله والضغط لتحقيقه. وهذا الأمل، بحسبه، هو تغيير سياسي فعلي تصبح فيه الانتخابات الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد واجهة شكلية.
المغالطة الرابعة تتعلق بالقول إن الداعين إلى المشاركة يريدون التغيير في ظل الاستقرار، بما يوحي ضمنا بأن المقاطعين يريدون التغيير عبر العنف والفوضى والاضطراب. ورفض منار هذا الإيحاء، مؤكدا أن المقاطعين حريصون بدورهم على الاستقرار، لكنهم يريدون استقرارا قائما على أساس متين: انتخابات ديمقراطية ومؤسسات ديمقراطية ذات سلطة وتمثيلية حقيقية. وفي المقابل، يرى أن ما يهدد الاستقرار فعلا هو بناءه على مؤسسات هشة لا تمتلك إلا هامشا ضئيلا من التمثيل والقرار والسلطة، ولا تستطيع احتواء التوترات الاجتماعية والسياسية.
وختم منار هذا النقاش بالتأكيد مجددا على أنه نقاش صحي إذا جرى في جو من الاحترام والعمق. لكنه نبه إلى أن الديمقراطية الحقيقية كانت تقتضي أيضا تمكين دعاة المقاطعة من حقهم في الإعلام العمومي، تماما كما يفتح هذا الإعلام في وجه المشاركين. فالإعلام العمومي، كما قال، يمول من الضرائب التي يؤديها جميع المواطنين، بمختلف انتماءاتهم ومواقفهم السياسية، وليس من حقه أن يحتكر الفضاء لفائدة موقف انتخابي واحد.