استضاف بودكاست “خيوط” الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية، في حلقة خاصة الأستاذ محمد باسك منار، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، لمناقشة موضوع الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية. نتابع نشر مضامينه في حلقة ثانية وأخيرة.
تعاقد سياسي جديد وحوار وطني جاد
تفاعلا مع سؤال متعلق بالحاجة الآنية إلى تعاقد سياسي جديد، أكد الأستاذ محمد منار باسك أن المغرب اليوم في حاجة ملحّة إلى إطلاق حوار وطني شامل يفضي إلى تأسيس تعاقد سياسي جديد، معتبرا أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل بدورها فرصة حقيقية لا ينبغي التفريط فيها. وأوضح أن المقاربات الانفرادية والفوقية التي طُبّقت في مراحل سابقة أصبحت متجاوزة، ولم يعد لها مكان في السياق الراهن، مشددا على أن الزمن السياسي تغيّر، وأن سنة 2025 لا يمكن أن تُدار بعقليات ومناهج الماضي.
وشدد المتحدث على أن المرحلة الحالية هي مرحلة المشاركة والمسؤولية المشتركة، حيث بات المواطنون مطالبين بالانخراط الفعلي في تدبير الشأن العام، من خلال النقاش العمومي وتحمل المسؤولية، وليس الاكتفاء بدور المتلقي. واعتبر أن أي مسار سياسي جديد، بما في ذلك مسار الحكم الذاتي، لا يمكن أن ينجح دون تعاقد سياسي واضح على أسس جديدة وديمقراطية.
وأكد منار أن مراجعة الدستور، إذا تمت في إطار ديمقراطي حقيقي ومن حيث المضمون والشكل، يمكن أن تشكل منطلقا حقيقيا ليس فقط لمعالجة ملف الصحراء، بل لمعالجة الإشكالات البنيوية التي يعاني منها المغرب، وفي مقدمتها السلطوية، والفساد، والاستبداد. وأكد أن القرار الأخير، رغم أهميته، لا يعني أن المغرب تجاوز مرحلة الإعداد، بل إن البلاد لا تزال في مرحلة ما قبل البداية، بالنظر إلى حجم التحديات المقبلة وتعقيداتها.
وأشار المتحدث إلى أن المراحل القادمة ستكون مليئة بإشكالات عويصة، لا يمكن التغلب عليها إلا في ظل تماسك وطني حقيقي، قائم على المشاركة الواسعة والديمقراطية الفعلية. واعتبر أن استدعاء الأحزاب الممثلة في البرلمان خطوة إيجابية في حد ذاتها، غير أنه تساءل عن مدى تمثيلية هذه الأحزاب للمجتمع المغربي ككل، مستحضرا نسب المشاركة الانتخابية، ومؤكدا أن التمثيل السياسي لا يمكن اختزاله في المؤسسات الرسمية وحدها.
ونبه منار إلى ضرورة تجاوز بعض الأساليب التي وصفها بالكاريكاتيرية في تدبير المشاركة السياسية، موضحا أن مستوى الوعي داخل المجتمع المغربي، وخاصة لدى فئة الشباب، عرف ارتفاعا ملحوظا، وهو ما يفرض اعتماد مشاركة فعلية وحقيقية، تقوم على نقاش عمومي واسع، وليس على إشراك شكلي يهدف فقط إلى تزكية قرارات متخذة سلفا من أعلى.
واعتبر أن هذا النمط من الإشراك الشكلي سبق اعتماده في محطات سابقة، من بينها دستور 2011، ومشاريع النموذج التنموي، والاستحقاقات الانتخابية، محذرا من تكرار المنهج نفسه في ملف مبادرة الحكم الذاتي. وشدد على أن القطيعة مع هذه الممارسات أصبحت ضرورة، وأن المطلوب اليوم هو إرادة سياسية حقيقية للتغيير، تُترجم إلى ممارسات ملموسة على أرض الواقع، وليس إلى شعارات لم تعد تقنع أحدا مؤكدا على أن المغرب يوجد اليوم أمام اختبار حقيقي، لأن الحكم الذاتي يمكن أن يشكل حلا للنزاع، كما يمكن في المقابل أن يتحول إلى عامل تفجير لأزمات جديدة إذا طُبق دون أسس ديمقراطية صلبة. وحذر من أن إقرار حكم ذاتي في غياب الديمقراطية قد يفتح الباب أمام مطالب وتوترات في مناطق أخرى، ويؤدي إلى تعقيد المشهد بدل حله، مشددا على أن نجاح هذا المسار رهين بإصلاح سياسي عميق وشامل.
قضية الصحراء: كلفة باهظة تاريخيا
وتفاعلا مع سؤال المقدم عن كلفة النزاع على المغاربة وكيفية توزيع الإصلاحات السياسية، أشار الأستاذ محمد منار باسك إلى أن التقدم الذي تحقق في ملف الصحراء لم يكن نتيجة مجهود جهة واحدة، بل هو ثمرة مساهمة جماعية لكافة المغاربة، سواء من خلال تضحيات الجنود المرابطين، أو من خلال الدعم المادي الذي قدّمه المواطنون في مختلف مناطق المملكة. واستشهد في هذا السياق بتقارير رسمية، من بينها تقرير للمعهد الملكي، يؤكد أن كل درهم يتم تحصيله من الأقاليم الصحراوية يقابله إنفاق سبعة دراهم من ميزانية الدولة، وهو ما يعكس حجم المجهود الوطني المبذول في هذا الملف.
وانطلاقا من هذا المعطى، شدد المتحدث على أنه لا يستقيم منطقا ولا سياسيا إقرار مستويات متقدمة من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في جهة معينة، في حين تظل باقي الجهات خاضعة لمنطق الوصاية الإدارية، حيث يستمر تحكم الولاة والعمال في تدبير الشأن المحلي. واعتبر أن هذا التفاوت في توزيع السلطة من شأنه أن يخلق اختلالات بنيوية، ويقوض مبدأ الإنصاف المجالي، ويضعف فرص نجاح أي تجربة للحكم الذاتي.
وأكد منار أن التفكير في الحكم الذاتي ينبغي أن يتم ضمن رؤية شمولية تشمل المغرب بأكمله، بل وتمتد إلى الفضاء المغاربي ككل، موضحا أن غياب المناخ السياسي والمؤسساتي الملائم سيجعل من الصعب إنجاح هذا الخيار. وشدد على أن الحكم الذاتي لا يمكن أن ينجح في ظل بيئة سياسية غير ديمقراطية، أو في سياق تغيب فيه المشاركة الحقيقية، وتُختزل فيه السلطة في يد المركز.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن الجميع يتطلع إلى نجاح مبادرة الحكم الذاتي، ليس فقط باعتبارها مقترحا سياسيا، ولكن أيضا لأنها تمثل أملا في وضع حد نهائي لملف استنزف طاقات البلاد، وشكّل عبئا ثقيلا وطويل الأمد على المغرب سياسيا واقتصاديا. وأكد أن الوصول إلى حل نهائي ودائم لهذا النزاع يمر بالضرورة عبر إصلاحات سياسية عميقة، تضمن العدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، وتوازن السلطة بين مختلف جهات المملكة.
مضامين الحكم الذاتي
ووقوفا عند سؤال مضامين الحكم الذاتي، أبرز المتحدث أن هناك إشكالا في الخطاب المتعلق بالحكم الذاتي، مشددا على أن نجاح المبادرة يتطلب تغيير الخطاب السائد، الذي وصفه بالاستعلائي والتحقيري للآخر، واستبداله بخطاب عقلاني يعتمد على الحجة والنقاش.
وأشار باسك منار إلى أن المواد الأولى لمبادرة الحكم الذاتي تؤكد على مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي، يقوم على دولة الحق والقانون واحترام حقوق الإنسان. كما أكد على أن المبادرة تتضمن الحديث عن الاستفتاء والتفاوض، مؤكدة التزام المغرب بالشرعية الدولية واعتبار الحكم الذاتي اختيارا أساسيا لتقرير المصير، في سياق القرار 27/97، وهو شكل من أشكال تقرير المصير لا يقتصر على الانفصال أو الاندماج، بل على التفاوض حول الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب. موضحا أن المبادرة تتضمن تعهدات على أساس الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتفاوض، وقبول الآخر، لكنها تتطلب المزيد من التفصيل والتحليل لمعالجة بعض الإشكالات القائمة.
وقال المتحدث إن مرحلة الحكم الذاتي ما تزال فيما وصفه بـ “مرحلة ما قبل البداية”، مؤكدا وجود ثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى تتعلق بقبول الطرف الآخر والجلوس على طاولة المفاوضات على أساس الحكم الذاتي، مشيرا إلى أن تصريحات البوليساريو وكلام الجزائر تشكل عقبة في هذا المسار، وأن الضغط الدولي وحده لا يكفي بل يلزم الإقناع بالحجة والصبر.
أما المرحلة الثانية، فتتجلى –حسب المتحدث-في الاتفاق على نظام الحكم الذاتي بعد الجلوس على طاولة المفاوضات، مشيرا إلى أن هناك العديد من الإشكالات المرتبطة بالسلطة التشريعية، تمثيل القبائل والسكان، نطاق الإقليم، المجلس الانتقالي، العودة من مخيمات تندوف، مسألة نزع السلاح، وغيرها من القضايا التي تحتاج حلولا دقيقة. وبخصوص المرحلة الثالثة المتعلقة بالتفعيل والتنزيل، أشار منار إلى أنها تتضمن صعوبات كبيرة حتى بعد الاتفاق، لكنه شدد على أن هذا لا يمنعه من التفاؤل بمستقبل المغرب والصحراء، مؤكدا على ضرورة البدء بخطاب عقلاني، مشاركة حقيقية، تماسك وطني، وانفتاح سياسي وديمقراطي.
وأشار المتحدث أيضا إلى أهمية الجانب الأدبي والأخلاقي، متسائلا عن إمكانية الحديث عن حكم ذاتي في إطار الديمقراطية وحقوق الإنسان في حين لا يزال هناك معتقلون سياسيون بسبب تدوينات وآراء ومواقف. وأضاف أن استمرار النظرة الدونية والأسلوب التحكمّي قد يؤدي إلى مشهد سريالي، حيث يُتخيل “جنة” في الأقاليم الجنوبية بينما يعيش البقية “جحيما سياسيا”، مؤكدا أن الحلول تحتاج إرادة سياسية واضحة مشيرا إلى ارتفاع مستوى وعي الشباب بحقوقهم وكرامتهم وعدالتهم، وأنهم باتوا يدركون الشعارات الكاذبة والواجهات المزيفة، وعلى دراية كاملة بالواقع.
استبدال الشرعيات
وحول ما إذا كان دخول المغرب في مرحلة الحكم الذاتي بعد إتمام المراحل الثلاثة سيؤدي إلى استبدال الشرعيات التقليدية، اعتبر باسك منار أن الحكم الذاتي يفتح الباب للانتقال من شرعيات تقليدية إلى شرعية ديمقراطية تعتمد على الانتخاب والمساءلة. وأوضح أن هذا الانتقال يتطلب مراجعة طبيعة الملكية التنفيذية، وتعزيز صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وإرساء جهوية حقيقية على أرض الواقع.
وأكد أن الفرصة التي يتيحها الحكم الذاتي يجب أن تكون مناسبة للقطع مع السلطوية، مشيراً إلى أن الحكم الذاتي قد يشكل نقلة نوعية تبدأ على الأقل بانفتاح سياسي حقيقي وانطلاقة سياسية جديدة، مرحلة يواجه فيها المغاربة الصعوبات والتحديات ويقطعون مع أساليب التسلط والتحكم. وأكد أن هذا المسار يجب أن يسعى إليه جميع المغاربة، باعتبار أن المغرب والصحراء ملك للجميع، وأن هذه فرصة ثمينة لا يجوز أن تضيع فيها قضية الصحراء أو أن يضيع المستقبل السياسي للمغرب.
الحكم ذاتي ودستور الملكية التنفيذية
وفيما يخص كيفية تنزيل البنيات التشريعية والتنفيذية والقضائية الواردة في مواد المبادرة من المادة 19 إلى المادة 23، قال منار إن الحكم الذاتي يقوم على وجود سلطات أساسية، حيث تنبثق السلطة التنفيذية من السلطة التشريعية، مع انتخاب رئيس الحكومة من البرلمان. لكنه أشار إلى وجود مندوب الحكومة المركزية، مشيرا إلى أن العلاقة بينه وبين حكومة الإقليم تمثل إشكالية تحتاج إلى تحديد.
وأضاف أن التحدي يكمن في الحفاظ على المسائل المتعلقة بالملكية، التي لا تقتصر على رموز السيادة فحسب، بل تشمل الدفاع والجيش والعلاقات الخارجية والعملة والنشيد الوطني، بالإضافة إلى الاختصاصات الدينية لرئيس الدولة، ما يمثل تحديا كبيرا على الصعيدين الداخلي والخارجي.
كما أشار إلى التساؤل حول مدى قبول الطرف الآخر بهذه الاختصاصات الدستورية والدينية، وكذلك مدى تقبل النظام السياسي المغربي للديمقراطية والانفتاح السياسي، مؤكدا أن تحقيق أي تقدم يتطلب خطوات فعلية ومستمرة. ومشيرا إلى أن دستور 2011 تضمن بعض هذه الأمور، لكن التقدم الحقيقي لن يتحقق إلا إذا توفرت حركة ونضال وإرادة فعلية.
مقترح الحكم الذاتي وإعادة توزيع السلطة
وتفاعلا مع السؤال حول ما إذا كان مقترح الحكم الذاتي يتجاوز الأقاليم الجنوبية لتسائل النظام الحاكم حول صدق إرادته في إعادة توزيع السلطة، أكد محمد باسك منار أن نجاح الحكم الذاتي يتطلب تغييرا جوهريا في طبيعة النظام السياسي وبنيته. وأكد أن الاستمرار في إطار الملكية التنفيذية الحالية لن يسمح بتأسيس نجاح الحكم الذاتي، مشددا على أن هذه المرحلة تمثل فرصة لإعادة النظر في طبيعة النظام السياسي، بما يشمل تغييرات دستورية حقيقية وليس مجرد مراجعات صورية، إلى جانب خلق المناخ المساعد والبيئة الديمقراطية.
وأضاف أن عدم المضي في هذا الاتجاه سيؤدي إلى سياسة تمويه، حيث سيدور المغرب في حلقة مفرغة تتسبب في ضياع البلاد والصحراء والوقت. كما شدد على ضرورة وجود عقلاء في النظام السياسي والنخب للاستفادة من هذه اللحظة الفارقة، معتبرا أن اغتنام الفرصة يكون من خلال التغيير الفعلي نحو الديمقراطية والكرامة والعدالة والحرية وحقوق الإنسان، مؤكدا أن المغرب والمغاربة يستحقون هذا، ومشيرا إلى أن الإصلاح السياسي الحقيقي لا يتطلب تكلفة مادية، بل بالعكس، فإنه يمكن من مواجهة الفساد وتعزيز الفعالية السياسية.
الكرامة والحرية والعدالة دعامة نجاح الحكم الذاتي
وبصفته فاعلا سياسيا وعضوا في الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، شدد محمد باسك منار على أن الوثيقة السياسية للجماعة لم تتناول الحكم الذاتي بشكل مباشر، لكنها عالجت القضايا المرتبطة به وأسست لمبادئه من خلال الدعوة إلى دستور ديمقراطي. وأضاف أن الوثيقة تناولت مفهوم دولة اللامركزية وتوسعت في موضوع الجهوية، مشيرا إلى نموذج “الجهوية الرئاسية”، حيث يتمتع رئيس الجهة بصلاحيات واسعة مع انتخاب مباشر، كما تناولت العدالة المجالية باعتبارها تحديا أساسيا سيظهر عند تطبيق الحكم الذاتي.
وأكد باسك منار أن القيم الأساسية مثل الكرامة والحرية والعدالة تشكل دعامة نجاح الحكم الذاتي، مشيرا إلى أن أخطاء الماضي ساهمت في تعقيد ملف الصحراء، مستذكرا تأسيس جبهة البوليساريو في الرباط عام 1973 بقيادة مصطفى السيد وعدد من الصحراويين، الذين لم يجدوا الدعم الكافي وتعرضوا للاستصغار والقمع، ما أدى لاحقا إلى تدخل القذافي وتحول القضية إلى مطلب “الجمهورية”. ولفت إلى أن نفس الأخطاء تتكرر مع الشباب في المغرب، مثل حراك 20 فبراير وحراك شباب الريف، محذرا من أن تجاهل هذه القضايا سيؤدي إلى “حلقة مفرغة” تتحمل كلفتها جميع فئات المغاربة. مشيرا إلى أن القرار 27/97 يشكل خطوة مهمة نحو الحل، لكنه لا يزال في مرحلة “ما قبل البداية”، مشددا على أن البداية تتطلب شروطا أساسية تشمل انفتاحا سياسيا حقيقيا، تماسكا وطنيا، وانفتاحا حقوقيا، معتبرا أن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين سيكون إشارة إيجابية هامة يلتقطها الطرف الآخر.
كما أكد باسك منار ضرورة اعتماد النقاش العمومي والحوار والمشاركة، مع وجود إرادة فعلية وحرية للتعبير، محذرا من الخطوات المعاكسة مثل اعتبار التشكيك في الانتخابات جريمة انتخابية. وختم بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تتطلب التعامل معها بعقلانية ومنطق وإشراك فعلي للمواطنين، بعيدا عن العاطفة والتجييش، مؤكدا على قيمة الفرصة التاريخية المتاحة للمغرب والمغاربة.