خلق الله تعالى الجن والإنس لعبادته، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وأرسل الرسل والأنبياء ليذكّروا الناس عند النسيان، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ [النحل: 36]. ثم استخلف رسله بالدعاة [1]من العلماء والأولياء والصالحين، وكل من يستطيع تبليغ الدعوة، لمن أراد أن يسلك مسلكهم، ويصل إلى ما وصلوا إليه، ويتطلع إلى درجات الإحسان بالسلوك إلى الله تعالى، حتى يصير من المُنعَم عليهم مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
لذلك كانت الدعوة إلى الله تعالى، أشرف مهمة على وجه الأرض. يقول الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33].
وكلمة الدعوة إلى الله كما أشار سيد قطب رحمه الله: “هي أحسن كلمة تقال في الأرض وتصعد في مقدمة الكلم إلى السماء” 1.
والدعوة تُوَحّد البشرية وتبث فيها روح الأخوة والعدل والمساواة، وتبرز حقيقة خلق الإنسان وغايته، يقول الإمام المجدد رحمه الله تعالى: ”فتبليغ الرسالة للناس كافة هو الغاية التي من أجلها بعث الله رسله للخلق، وحملها وراثة. الدفاع عنها وتبليغها للأمة وللناس كافة غايةُ جند الله الموعودين بالاستخلاف في الأرض“ 2.
ولقد أمرنا الله تعالى في خطاب واضح جلي بخصوص الدعوة التي لم يجعلها مقتصرة على رسوله ﷺ، بل تعدت إلى أتباعه من المؤمنين، وذلك في قوله عز من قائل: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: 108]. وهذا بيان بأن سبيل رسول الله ﷺ، هو الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، وعلى نهج نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، لمن اتّبعه.
يقول الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: “وفي الآية دلالة على أن أصحاب النبي ﷺ والمؤمنين، الذين آمنوا به مأمورون بأن يدعوا إلى الإيمان بما يستطيعون … وقد كانت الدعوة إلى الإسلام في صدر زمان البعثة المحمدية واجبا على الأعيان لقول النبيء ﷺ: “بلغوا عني ولو آية” 3، أي بقدر الاستطاعة. ثم لما ظهر الإسلام وبلغت دعوته الأسماع صارت الدعوة إليه واجبا على الكفاية كما دل عليه قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران: 104].
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: “فمن دعا إلى الله فهو على سبيل رسوله ﷺ، وهو على بصيرة وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله، وليس على بصيرة ولا هو من أتباعه، وهؤلاء المبلغون عنه من أمته لهم من حفظِ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم له، وتبليغُ سنته ﷺ إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه” 4.
والدعوة تتطلب بذل الجهد والنفس والمال والوقت، لقوله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت: 14].
في المدرسة المحمدية أخذ الصحابة معاني الإيمان، ومن قلبه الطاهر سرت مادة الإيمان والإحسان إلى قلوبهم، ثم امتدت الصحبة وراثة فكانت رحمة بين الصحابة والتابعين ومن تبعهم بالإحسان، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “صحبة الصحابة لرسول الله ﷺ رفعتهم لحاله، قبل مقاله… في أحضان النبوة تربوا ومنها رشفوا واستقوا، حتى تفجرت في قلوبهم ينابيع الإيمان وكانوا أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما، بالحب تربى الصحابة لا بالخضوع لسلطة حاكمة” 5.
تربى الصحابة الكرام تحت كنف المصحوب الأعظم ﷺ على هذا النهج، فكانت الصحبة مفتاحا باتباع منهاجه، ولاتصافهم بصفاته الدعوية، صاروا بها دعاة هداة، وقادة ربانيين، حرروا البشرية من رقّ العبودية، وأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور.
“وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة وفي اليوم رجال الغد، فأصبحوا عصمة للبشرية ووقاية للعالم، وداعية إلى دين الله، واستخلفهم رسول الله ﷺ في عمله، ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته” 6.
يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: “… كان ظهور هذه الجماعة وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهدده، وعصمة للإنسانية من الفتن والأخطار التي أحدقت بها، لذلك قال الله تعالى لما حضّ على الأخوة والألفة بين المهاجرين والأنصار: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: 73].
وبهذا كان رسول الله ﷺ داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وكان يجتمع مع صحابته في دار الأرقم يعلمهم أمر الدعوة وعمن سيدعونه، ويحثهم على دعوة من هم تحت مسؤوليتهم.
ومن ثم تجاوزوها إلى حمل هم الإنسانية، فقد اعتبر هؤلاء الشباب أنفسهم أمناء على حمل رسالة تحرير الإنسان من الخضوع لغير الله تعالى إلى الخضوع لله وحده. وكان سيدنا ربعي بن عامر مع رستم قائد الفرس خير نموذج مثّل فقه الدعوة، يذكر ابن كثير في “البداية والنهاية” تفاصيل اللقاء، إذ انطلق ربعي وقد كان في الثلاثين من عمره إلى رستم قائد الفرس مفاوضا، “بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط” في رسالة تحمل الكثير من المعاني، فيقول قولته التاريخية: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه” 7.
قوله: “ابتعثنا الله”، تدل على أنه قد كُلفنا كما كُلف الرسل بالدعوة إلى الله، وأنها أمانة يحملها كل مسلم إلى يوم القيامة. “والمستضعفون في الأرض تحت ظلم الجاهلية المعاصرة وضيقها واستعبادها ينتظرون حملة الرسالة ليحرروهم ويؤاخوهم” 8.
ثم حمل التابعون ومن تبعهم ومن سار على نهجهم إلى يومنا هذا، مشعل الدعوة عن الصحابة الكرام، مُجسّدين امتداداً تربوياً وعلمياً لنهج رسول الله ﷺ، وصحابته من بعدهم، مما أرسى القواعد الأساسية للدعوة إلى الله تعالى عبر العصور، تربية وتنظيما وزحفا.
عن هذه الزمرة الطيبة أتحدث في مقالاتي المقبلة إن شاء الله تعالى، من خلال سلسلة أخصها لنماذج من الدعاة، صحابة وتابعين ومعاصرين، لهم دور بارز في الدعوة إلى الله. لعل بعض نسماتهم تكتنفني، أو أجد عند ربي خيرها فينفعني.
وخير شخصية دعوية أبتدئ بها هذا المقال: الصاحب الأول لرسول الله ﷺ، والصديق السابق في الدعوة. والذي له السبق في تأسيس الدولة الإسلامية، سيدنا وعظيمنا أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة رضي الله عنه وأرضاه.
على بركة الله أشرع، وبالله التوفيق والسداد والرشاد.
– يتبع –
[2] رسالة الدعوة إلى الله للأستاذ عبد السلام ياسين، كتبت صباح الجمعة 25 جمادى الثاني 1406.
[3] أخرجه البخاري (3461)، من حديث عبد الله بن عمرو.
[4] التفسير القيم لابن القيم، الصفحة 431.
[5] عبد السلام ياسين، الإحسان، الجزء: 1، صفحة 103.
[6] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص: 123-125، المجمع الإسلامي العلمي، لكنو، الهند، 2008م.
[7] البداية والنهاية، ابن كثير، الجزء 9، صفحة 622.
[8] القرآن والنبوة، عبد السلام ياسين، ص: 65، الطبعة الأولى (2010).