دعاة فعلة | سيدنا أبو بكر الصديق

Cover Image for دعاة فعلة | سيدنا أبو بكر الصديق
نشر بتاريخ

إنه لتُفعِمُك مشاعرُ الفخر والاعتزاز حين يُذكر أبو بكر الصديق، وإن التاريخ لتتنور صفحاته بنور الصديق، وبتأمل سيرته الغنية العطرة، وما أحوجنا في هذه الأوقات العصيبة، زمن الفتنة، أن نغترف من فيضه ما يساعدنا على تخطِّي العقبات!

1- سيرته رضي الله عنه

هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامرٍ بن عمرو بن كعبٍ بن سعدٍ بن تيمٍ بن مُرَّةٍ بن كعبٍ بن لؤيٍّ بن غالبٍ القرشي التيمي، ويلتقي مع الرسول ﷺ في النسب في جده السادس مرة بن كعب 1.

كان يوصف بالبياض في اللون، والنحافة في البدن، ناتئ الجبهة، معروق الوجه، خفيف العارضين، أسيفا، رحيماً، رقيق القلب، عظيم القدر، ذو شأنٍ رفيعٍ، وحياءٍ شديدٍ، وورعٍ كبيرٍ، كريمٌ، حازمٌ، رحيمٌ، شريفٌ، غنيٌ بما له من مالٍ وجاهٍ وأخلاقٍ، سليم الفطرة، سليم العقل 2. ولُقِّب بالعتيق: حين قال له الرسول ﷺ: ” أنت عتيق الله من النار”. فسمي عتيقا 3.

ونال رتبة الصديقية الفريدة لكثرة تصديقه للنبي ﷺ، كما في صبيحة الإسراء؛ قيل له: إن صاحبك يزعم أنه أُسري به فقال: إن كان قالها فقد صدق، إني لأصدقه إلى أبعد من ذلك 4.

وقد سماه الله صديقا فقال سبحانه: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: 33].

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: ”اثبت أُحد، فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيدان” 5.

2- المؤهلات الدعوية لأبي بكر

يعتبر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الرجل الأول للدعوة الإسلامية بعد النبي ﷺ، حيث آمن بلا تردد، واستثمر قيمته الاجتماعية وما أوتي من مال وقوة وعلم وفهم لنشر الإسلام وحماية المستضعفين. ساهم في إسلام كبار الصحابة، ودافع عن النبي ﷺ بقوة، وساند الدعوة بصدقه وتضحياته في مكة والمدينة.

أ‌- المحبة النبوية

كان رسول الله ﷺ محبا لأبي بكر كثيرا، ويقضي معه أجمل أوقاته، وكان كثيرا ما يتكلم عن فضله. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله، ولو كنت متخذا خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلا. إن صاحبكم خليل الله» 6.

وعن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ استعمله على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبوها 7.

وعن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ لحسان: «هل قلت في أبي بكر شيئاً؟ فقال: نعم فقال: «قل، وأنا أسمع». فقال: 

وثاني اثنين في الغار المنيف، وقد 

 طاف العدو به إذ صعّد الجبلا

وكان حب رسول الله قد علموا 

 من البرية لم يعدل به رجلا

فضحك رسول الله له، حتى بدت نواجذه؛ ثم قال: (صدقت يا حسان؛ هو كما قلت) 8

ب‌- المقام الاجتماعي

أجمع أهل السنة أنه أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ، بشهادة سيدنا علي رضي الله عنه: “ألَا أُخبِرُكم بخَيرِ هذه الأُمَّةِ بعدَ نبيِّها؟ أبو بكْرٍ، وخَيرُها بعدَ أبي بكْرٍ عمرُ، ثُم يجعَلُ اللهُ الخَيرَ حيثُ أَحَبَّ” 9. ”بل على سائر الأمم بعد الأنبياء والرسل.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: “رآني النبي ﷺ أمشي أمام أبي بكر فقال: يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة! ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر” 10.

ويُدعى يوم القيامة من أبواب الجنّة كلّها، وهو أول الناس يدخل الجنّة بعد الأنبياء، ومن فضائله أنّ أباه وأمه وأولاده وأحفاده قد أسلموا، وأدركوا الرسول ﷺ؛ وليس ذلك لأحدٍ من الصحابة إلّا له، وقد صاحب النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة، وبشّره بالجنة، وكان حريصاً على تذكير الصحابة بفضل أبي بكرٍ الصدّيق، ومنزلته 11. وأوكل له ﷺ إمامة المسلمين في مرض موته، وولاه الصحابة الخلافة بعده عليه الصلاة والسلام، فكان أول الخلفاء الراشدين 12.

ت‌- الصحبة مفتاح

على قدر المصحوب ينتفع الصاحب، لازم الصديق النبي ﷺ، فغنم خيرا كثيرا، حيث تخلق بأخلاقه، واتصف بصفاته، حتى صار أشبه النّاس أخلاقا به ﷺ، قبل أن يتعلم منه الإيمان، تعلم منه صفاء الروح وصدق الفعال ونبل الأخلاق. لأن الصحبة مفتاح لكل خير وملاذ آمن، وهي أول الطريق.

 وصاحَبَ أبو بكر سيدَنا رسول الله ﷺ، فلُقب بالصاحب: قال الله تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 40].

يبين الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى أهمية الصحبة بقوله: “وليست الصحبة تطبيقا مجردا للنصوص وامتثالا جافا عسكريا للأوامر، إنما هي محبة تثبت وترسخ وتنمو وتتجذر في القلوب بالملازمة والمخالطة والمعايشة والتلمذة حتى يملك حب المصحوب على الصاحب كيانه كله” 13. وكذلك كان الصديق مع الصادق الأمين.

ث‌- السبق في الإسلام

كان صاحبَ رسول الله ﷺ قبل البعثة وبعدها وحِبَّه، وأول من آمن به من الرجال من غير كبوة ولا تردد ونظر 14.

جاء في سيرة ابن هشام: “ثم إن أبا بكر لقي رسول الله ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله ﷺ: يا أبا بكر إني رسول الله ونبيه بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك إلى الله يا أبا بكر، وحده لا شريك له، ولا يعبد غيره، والموالاة على طاعته أهل طاعته، وقرأ عليه القرآن، فلم يقر، ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق” 15.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ مَا عَكَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ، وَلَا تَرَدَّدَ فِيهِ» 16.

سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ:

إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ

فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا

خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَوْفَاهَا وَأَعْدَلَهَا

بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْلَاهَا بِمَا حَمَلَا

وَالتَّالِيَ الثَّانِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ

وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا

عَاشَ حَمِيدًا لِأَمْرِ اللَّهِ مُتَّبِعًا

بِأَمْرِ صَاحِبِهِ الْمَاضِي وَمَا انْتَقَلَا

ج‌- البذل في سبيل اللَّه تعالى

قال تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ [الليل: 17 – 18]. قال ابن الجوزي: (أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر) 17.

وقال ابن كثير: فَإِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا تَقِيًا كَرِيمًا جَوَادًا بَذَّالًا لِأَمْوَالِهِ فِي طَاعَةِ مَوْلَاهُ، وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ 18.

عندما أسلم أبو بكر رضي الله عنه، كان من أثرى أثرياء قريش، فكانت عنده أموال كثيرة، وقد كان في منزله يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار، فاستخدم أمواله كلها في طاعة اللَّه، بما فيها إنفاقه المال في إعتاق الرّقاب: فقد أعتق رضي الله عنه رقاباً كثيرة، حُفِظَ منهم سبع رقاب: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والهندية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس، رضي اللَّه عن الجميع، وقد كانت هذه الرقاب يُعذّب معظمها على إسلامها، فأنقذها اللَّه بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأخذ رضي الله عنه ينفق أمواله في خدمة الإسلام والمسلمين 19.

وهكذا، كان أبو بكر رضي الله عنه لطيفاً، ووديعاً، وزاهداً في الدنيا؛ متقشفاً، وعادلاً، وغير طامع في ملكٍ أو غنىً، بل كان همهُ نشر الإسلام، وتوطيد أركانه، واِتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- الصديق أول داعية

حمل الصديق رضي الله عنه الدعوة مع النبي ﷺ منذ بداية إسلامه، واستوعب أن الإسلام دين العمل والدعوة والجهاد، وأن الإيمان لا يكتمل حتى يهب المسلم نفسه وما يملك لله رب العالمين. فبرع في الدعوة بفضل الخصال العشر، مما جعله فارس الدعوة إلى الإسلام، دعا أخيار قريش في الجاهلية فأجابوه طواعية واختيارا، حيث أسلم على يديه أكابر أهل الشورى كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح، وعثمان بن مظعون والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد، وغيرهم من رجالات الإسلام بمكة. حملوا أمانة الرسالة وأمانة الدعوة وأمانة التبليغ، وبجهودهم انتشر الإسلام في بقاع الأرض.

تألق الصدِّيق رضي الله عنه في الدعوة بكونه كان محبوباً خلوقا سموحا، يألف ويؤلف ويغشى الناس بحديثه وعلمه، وأعلم الرجال بأحوال الرجال، تاجراً ناجحاً. صفات عظيمة أهَّلته ليكون السند الأساس للنبي ﷺ، كما تميَّز بالهمة العالية، والعزيمة القوية، ولذلك قال عنه رسول الله ﷺ: “ما نفعني مال قط، ما نفعني مال أبي بكر. فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله” 20.

لهذا لو وزن إيمان الصديق بأي إيمان لا بد أن يرجح إيمان الصديق، بل لو وزن إيمان الصديق بإيمان الأمة لرجح إيمان الصديق.

هذا منهج دعوة الصديق إلى الله، وهكذا كان الصديق، وهكذا كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

أختتم موضوع الصديق بحمد الله، وأسأله التوفيق والسداد، آملا أن ألتقي بكم في الموضوع الثاني مع سيدنا وعظيمنا الداعية: جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.

– يـتـبـع –

 


[1] الإصابة لابن حجر، الجزء 4، الصفحة 144 و145.
[2] سيرة الصديق، فتحي السيد، ص 29، تاريخ الخلفاء، ص56.
[3] المعجم الكبير للطبري، ج1، ص52.
[4] سعود الزمانان، “المختصر الأنيق في فضائل أبي بكر الصديق”، www.saaid.net .
[5] أخرجه الترمذي (3697) واللفظ له، وأخرجه البخاري (3675).
[6] أخرجه ابن حبان (6425) واللفظ له، ومسلم (532)، والنسائي في ((الكبرى)) (11058)، وأحمد في ((فضائل الصحابة)) (71).
[7] أخرجه مسلم (2384)، والترمذي (3885)، وأحمد (17811).
[8] صفوة الصفوة، جمال الدين ابن الجوزي، حققه خالد الطرطوسي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 2012، ص96.
[9] أخرجه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (922) واللفظ له، وأبو يعلى (540) أوله في أثناء حديث، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3417) مختصراً.
[10] أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (3/325) بنحوه، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (30/208) واللفظ له.
[11] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، 1027، دار إحياء التراث العربي بيروت.
[12] نفس المصدر.
[13] الإحسان، عبد السلام ياسين، ج1، ص86.
[14] جاء في دلائل النبوة للبيهقي: “قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ منه كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلَّا أبا بكر ما تردّد فيه”.
[15] السيرة النبوية: ابن إسحاق، ص 139.
[16] البداية والنهاية، ط الفكر – المجلد 3 – الصفحة 27 – جامع الكتب الإسلامية.
[17] تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص38.
[18] تفسير ابن كثير، ص596.
[19] السيرة النبوية، ابن هشام، دار الصحابة للتراث، طنطا، مصر، ط1، 1995م، ص340.
[20] أخرجه الترمذي (3661) في أثناء حديث، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8110)، وابن ماجه (94) باختلاف يسير، وأحمد (7446).