دعم انخراط المرأة العاملة الفاعل في العمل النقابي مسؤولية النقابات

Cover Image for دعم انخراط المرأة العاملة الفاعل في العمل النقابي مسؤولية النقابات
نشر بتاريخ

مقدمة

لقد أصبحت المحطات النضالية وخاصة فاتح ماي تكشف الحجم الحقيقي لنسبة الحضور النسائي في العمل والوظيفة، كما أن المعطيات الإحصائية والأرقام تعكس المسار التأنيثي الذي أضحت تسير نحوه معظم الوظائف والمهن في المغرب، لكن بالمقابل مازالت المرأة تعاني من عدة مشاكل، وتحرم من عدة حقوق، مما يطرح السؤال حول جدية النقابات في تأطير المرأة العاملة، وتحفيزها على الانخراط الفاعل والمسؤول في العمل النقابي، وتمكينها من مراكز المسؤولية والقرار.

أرقام وإحصاءات تعكس الحضور النسائي في الاقتصاد الوطني

تعكس الأرقام والإحصاءات بشكل واضح دور المرأة المغربية العاملة في تحريك عجلة الاقتصاد، والدفع بدواليب التنمية، من خلال مشاركتها في عدة مجالات، بحيث تصل نسبة المشاركة في الحياة الاقتصادية لدى الفئة النشيطة من النساء دون شهادة إلى 25%، بينما لا تتجاوز النسبة 11% لدى النساء ذوات المستوى التعليمي العالي، كما تشغل قطاعات الفلاحة والصيد البحري والغابات والمياه ما مجموعه: 32% من الإناث بين العالمين الحضري والقروي، وينفرد القطاع الخدماتي بتشغيل 19.8% والصناعة بـ25.9%، وتصل نسبة التأنيث في موظفي الدولة المدفوعي الأجر من مكتب الأجور ما مجموعه 40.7%، كما يصل معدل المشاركة في النشاط الاقتصادي لدى النساء من 15 سنة فما فوق من ذوات مستوى عال إلى 44.2% سنة 2021م، وقد أضحى قطاع التربية والتعليم يستقطب بشكل لافت نسبة كبيرة من الإناث، حيث كشفت معطيات رسمية أن نسبة النساء في التعليم قد وصلت إلى149  ألفاً و186 أستاذة، أي ما يعادل 52% من إجمالي أطر التدريس بالمؤسسات العمومية ما بين 2012 و2024 1، و في قطاع الصحة يقول الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، إن 3 من كل 5 أطباء في المغرب هن نساء، وبالنسبة للأطر التمريضية وغيرهم من تقنيي الصحة، فإن النساء تشغلن نسبة الثلثين، وتزداد هذه الهيمنة النسائية على مستوى الأطباء والأطر التمريضية سنة بعد أخرى” 2. كما تعلن المندوبية السامية للتخطيط “أن16،7% من نساء المغرب هن من يعلن أسرهن، هذه النسبة تظل مرتفعة في الوسط الحضري بـ19,1%، أما في الوسط القروي فتصل النسبة إلى 11,4%”. دون أن نغض الطرف عن نساء عاملات في مهن وأشغال لا يطالها الإحصاء.

هذه النسب المشرفة للمرأة في الاقتصاد، تفرض أن تواكبها مكانة اعتبارية للمرأة في مناصب العمل والوظيفة، لكنها مازالت محصورة في مناصب معينة، وفي مهن ومسؤوليات محددة، ومازال سيرها نحو مراكز القرار والتمثيلية والتمكين يسير بخطى وئيدة عكس الرجل، حتى مع تساويها والرجل في الخبرة والكفاءة.

القانون المغربي والاتفاقيات والمعاهدات تضمن حقوق المرأة العاملة عكس واقع التنزيل

لقد كان للاتفاقيات الدولية دور بارز في حماية حقوق المرأة العاملة ومساواتها بالرجل، وخاصة اتفاقيات القضاء على كافة أنواع التمييز ضد المرأة، وتكفلت بحماية هذه الحقوق عبر آليات دولية ووطنية، حيث أقر المغرب بمجموعة من هذه الحقوق، فبموجب دستور 2011، أعطى المغرب هذه المواثيق الأولوية وعمد إلى ملاءمتها مع تشريعاته، ومن ذلك:

– قانون (65.99) من مدونة الشغل، والذي يضم مقتضيات تمنع التمييز بين الجنسين في الأجر (المادة 346)، وتمنع التمييز في التشغيل والعمل (المادة 9) وتضمن حقوق المرأة النقابية.

– مذكرات التفاهم: وقع المغرب في 2022 على مذكرة تفاهم مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومنظمة العمل الدولية لتعزيز المساواة بين الجنسين في العمل.

– الخطة الحكومية للمساواة (إكرام 2022-2026) تهدف إلى تعزيز التمكين الاقتصادي للنساء.

وقبل كل ذلك صادق المغرب على الاتفاقيات الرئيسية للأمم المتحدة، واتفاقيات منظمة العمل الدولية، منها:

– اتفاقية حماية الأمومة رقم 103 (1952)، لضمان حماية المرأة العاملة الحامل.

– اتفاقية التمييز في المهنة والاستخدام رقم 111 (1958)، وتدعو إلى القضاء على أي تمييز في مجال الشغل والمهن.

– اتفاقية الشغل الليلي للمرأة رقم 89 (1948). وقد تم مراجعتها لاحقا للتوافق مع المساواة التامة.

– العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي صادق عليها المغرب في 3 ماي 1979، وتضمن الحق في العمل وفي شروط عمل عادلة ومرضية..

هذه فقط بعض النماذج من المواثيق والمعاهدات التي صادق المغرب عليها، بالإضافة إلى مجموعة من الحقوق التي تضمنها مدونة الشغل للمرأة، لكن مع ذلك مازالت بعض الإشكالات والتحديات قائمة؛ منها الملاءمة الكاملة لتشريعات الشغل مع هذه المبادئ، وكذلك عائق التنزيل؛ حيث تتعرض النساء العاملات لانتهاك كبير لحقوقهن، “بحيث إن نسبة 36% من النساء يعملن دون أجر، و15% من النساء يتعرضن للعنف الذي يمكن أن يرتكب في العمل أو في إطار ممارسة النشاط الاقتصادي”، ونسبة منهن تتعرض للتمييز بين الجنسين، لاسيما في الأجرة رغم إقرار منظمة العمل الدولية حق النساء والرجال في أجر متساو عن عمل ذي قيمة متساوية منذ 1919م، كما تعد اتفاقية المساواة في الأجور لعام 1951م، أول صك دولي يقر مبدأ مساواة العمال والعاملات في الأجر عند تساوي قيمة العمل، إلا أن الواقع يجعلنا نقف على تفاوتات مخجلة في الأجر، يصل معها متوسط فجوة الأجرة بين الجنسين إلى 17% في المغرب.

دور النقابات في دعم انخراط واع للمرأة في العمل النقابي وحماية حقوقها

– انخراط المرأة العاملة الفعال سبيل لتمكينها من حقوقها

إن تحقيق العدل وضمان الكرامة لا يقلان أهمية عن أية عبادة، لذلك اعتنى الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في فكره وتربيته بما يكمل هذه الكرامة لأن بها قيام “الإنسانية” أو سقوطها، فجعل النضال في ساحات الحقوق لا يقل منزلة عن التبتل في الأسحار، ولذلك فانخراط المؤمنة في الدفاع عن المستضعفين والمستضعفات، لا ينفصل عن المقصد من تحقيق العدل، الذي يروم الدفاع عن المستضعفين ومحاربة المفسدين ورفع العسف عن العاملين، والمرأة هي الصوت الحقيقي الذي يوصل هموم أختها العاملة، وهي القادرة على تبليغ معاناتها، وتمكينها من حقوقها، واستعادة مكتسباتها، ولا سبيل لتحقيق هذه المطالب إلا بانخراطها الفعلي الواعي والمسؤول في عمل نقابي يحررها من قبضة الاستغلال بكل أنواعه، ويضمن حقوقها ويستعيد ما ضاع منها. “يجب أن تعطى للعاملات حقوقهن الفردية فيما يخص الأجرة العادلة، وظروف العمل، ومؤونة الأسرة، وصيانة الصحة، وتربية المهارة، وترقية المرتبة، وتوقيت الشغل توقيتا يسمح للعامل بالتفرغ لعبادته وحاجاته” 3، فأساس العمل النقابي تحقيق العدل، ورفع الظلم عن العامل؛ لضمان عيش تصان فيه كرامة الإنسان المخلوق لعبادة الله وحدة، فلا يجب أن يحجبه فقر ولا حاجة ولا استضعاف عن طلب ما عند الله، قال عز وجل: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ  الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (قريش: 3-4).

– انخراط المرأة العاملة في العمل النقابي سبيل لتأطيرها وتعريفها بحقوقها

إن ضمان حقوق المرأة العاملة وصيانة كرامتها، يحتاج من المرأة العاملة أن تكون على وعي تام بحقوقها، لأن الجهل بالحقوق يوطن للاستغلال، حيث إن الفساد ينتعش من غفلة الجاهلين عن حقوقهم وجهلهم بها، لذلك فأهم ما يمكن أن تستفيده المرأة العاملة والمستخدمة والموظفة من الانخراط في العمل النقابي هو الوعي بحقوقها التي يكفلها لها القانون، مما يجنبها أن تكون مركبا سهلا لتسلط العابثين المتسلطين، كما يعصمها من الوقوع في الأخطاء المهنية؛ لأن “القانون لا يحمي المغفلين”. فمطالبة المرأة بحقوقها المتعلقة بالتشغيل والعمل في الوظيفة جهاد وتدافع ورعاية للحقوق، وشهادة بالقسط، وإقامة للعدل، ونصرة للمظلوم، وإنصاف للمحروم، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وهو فرصة لإمكانية توحيد الجهود والمطالب والحقوق وتنظيم السعي من أجل حماية الكرامة، فـ”لا يقدر على استخلاص الحق إلا القوي. ولا يستطيع القانون وحده أن يعطي الحق، لاسيما إن كان صاحبه صامتا خائفا” 4، وهذا ما يؤكد فائدة انخراطها، لأنها بذلك تكسب القوة والفاعلية التي تؤهلها لحماية حقوقها وتضمن كرامتها وتراعي خصوصياتها.

– حفز المرأة العاملة على الانخراط في العمل النقابي مسؤولية النقابات

لعل طبيعة المرأة تجعلها تنفر من ساحات الصدام والتدافع، وتركن إلى الدعة والراحة وإن فقدت معها بعضا من حقوقها، لذلك فتشجيعها على اقتحام مجال المساجلة والترافع والمدافعة، يحتاج إلى رؤية مستبصرة من النقابات الواعية بالدور الفعلي الذي يمكن أن تقوم به المرأة في العمل النقابي، وإلى الإيمان بأن النقابة تسير بقدمين امرأة ورجلا، فلا سبيل للوصول إلى المقاصد والغايات النبيلة التي من أجلها أسست هذه المنظمات النقابية، دون أن يكون للمرأة فيها موطئ قدم، دون أن تمكن المرأة من مراكز القرار في هذه المنظمات، دون أن تشعر بأنها فاعل حقيقي تقدر إمكاناته، ويعترف بكفاءاته، وليس فقط تكملة عدد، أو تأثيث مشهد، أو استجابة لشروط دولية، تفرض على النقابات نسبة معينة. فحضور المرأة في العمل النقابي يجب أن يكون حضورا واعيا متمكنا ومشاركا في مراكز القرار، بحيث تكون للمرأة القيمة المعتبرة داخل النقابات، يسمع لرأيها، تستشير وتستشار، تقترح وتبادر، فلا معنى لعدد غثائي محمول لا دور له، فحبذا أن يقترن العدد بالتأطير العلمي، والوعي المفاهيمي، والتكوين القانوني والحقوقي، والدراية التامة بواجبات العمل والوظيفة.

لذلك ندعو كافة النقابات إلى حفز المرأة على الانخراط الفعال داخلها، وذلك من خلالها تمكينها من مراكز القرار، بحيث تكون تمثيلية المرأة لها جدواها وفاعليتها، وليس فقط صورية، لأن المعول على النقابات في توعية المرأة، وتمكينها من الحد الأدنى من الفهم بالقوانين والبنود والقرارات والاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب والتي تضمن حقوقها كاملة.

خاتمة

إن الأرقام والإحصاءات والواقع الفعلي يؤكد أن نسبة التأنيث في العمل والوظيفة تتزايد، هذا يعني أن نسبة المطالبات برعاية مكتسباتهن وحماية حقوقهن سترتفع، وبالتالي ففي العقود القادمة ستكون المنظمات النقابية بحاجة ماسة لنساء نقابيات يتمتعن بمنسوب وعي نقابي مرتفع، وبعمل ميداني واع وبقدرة كبيرة على الترافع والتفاوض. وانخراط المرأة سيتيسر إذا وجدت المرأة في النقابة أمنها وحمايتها، وكانت النقابة مصدر تأطيرها وتكوينها، بل تحقق في النقابة ما غاب في غيرها من إيمان بمقدرات المرأة العاملة تؤهلها لتكون في مراكز القرار فاعلة ومبادرة ومقترحة.


[1] من جواب كتابي للوزير محمد برادة على سؤال برلماني تقدم به رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب.
[2] موقع أخبارنا المغربية، ياسين، أوشن، 07/03/2023.
[3] عبد السلام ياسين، في الاقتصاد، ص 184.
[4] المرجع نفسه، ص 185.