ذ. بارشي: الموفق من خرج من ليلة القدر بأثر في العبادة والأخلاق (حوار)

Cover Image for ذ. بارشي: الموفق من خرج من ليلة القدر بأثر في العبادة والأخلاق (حوار)
نشر بتاريخ

استضاف الإعلامي الدكتور عبد الغني مموح في برنامجه “في رحاب التراويح” في لقائه الرابع الأستاذ محمد بارشي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان وأستاذ مادة الرياضيات، في حلقة خُصصت للحديث عن “العشر الأواخر من رمضان” باعتبارها “تاج رمضان” ومحطة كبرى في حسن ختامه، وما تفتحه من أبواب الغنيمة للمؤمن في آخر هذا الشهر الفضيل.

استحضر الأستاذ بارشي في حديثه عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر، حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: “إذا دخلت العشر الأواخر أحيا ليله وشد مئزره وأيقظ أهله“، موضحا أن هذا الهدي النبوي يجمع بين دوام الاجتهاد في قيام الليل، وبين مزيد من التشمير والاجتهاد في هذه الليالي على وجه الخصوص. وفسر عبارة “أحيا ليله” بكونه صلى الله عليه وسلم كان ينام فيه القليل، وفسر “شد مئزره” بما يفيد تشمير الهمة والاجتهاد الأكثر، مع استحضار ما يذكره أهل العلم في حق المعتكف وابتعاده عن النساء. أما “أيقظ أهله” فاعتبرها سنة نبوية ذات دلالة كبيرة، لأنها تجعل البيت كله شريكا في الغنيمة، وتفتح للأزواج باب قيام الليل معا، وهو الفعل الدائم الذي يريده رسول الله صلى الله عليه وسلم للزوجين الصالحين، ثم تتأكد هذه السنة أكثر في العشر الأواخر لأن الأجر فيها مضاعف والفضل فيها أعظم.

ورأى أن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم المضاعف في العشر الأواخر، رغم أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يحمل أكثر من دلالة؛ فمن جهة هو “عبد شكور” كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين أشفقَت على حاله لما تفطرت قدماه، ومن جهة أخرى هو مشرّع لأمته، يسن لها بقوله وفعله وإقراره، فإذا اجتمع القول والفعل والحث على العمل دلّ ذلك على أن الأمر عظيم وأن الفضل جلل. ولذلك اعتبر أن المؤمن المذنب المقصر أولى بمزيد الاجتهاد وطرق باب الفضل من الله عز وجل.

وفي جوابه عن سؤال التوازن بين كثرة الأعمال وبين حضور القلب، أكد أن المؤمن مطلوب منه أن يجتهد في الأمرين معا، لأن العمل فيه جوارح تؤدي وقلب ينبغي أن يحضر ويخشع. واستحضر الحديث القدسي: “وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه“، ليدلل على أن البداية تكون من الفرائض ثم يتبعها الاجتهاد في النوافل. لكنه شدد على أن أعمال الجوارح وحدها لا تكفي إذا غاب عنها الخشوع والحضور، ولذلك قال إن عمل القلب هو تاج العطاء وهو كنز العطاء، واستحضر معنى قول الصالحين إن “ذرة من عمل القلب تعدل جبالا من عمل الجوارح“. كما ذكّر بأن التلاوة نفسها لا تؤتي ثمرتها إلا بحضور القلب، حتى إن السنة أرشدت إلى أن يتكلف العبد البكاء إن لم يبلغه حاله، لأن المقصود ألا يكون العمل مجرد حركة بلا روح. ومع ذلك شدد على أن المؤمن ينبغي أن يأخذ من العمل ما يطيق، مستحضرا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما شاد أحد هذا الدين إلا غلبه“، وأنه أمر أن “نوغل فيه برفق“، وأن “أفضل الأعمال ما دام وإن قل“، لأن المقصود هو المداومة والثبات لا الاندفاع الذي ينتهي إلى الانقطاع.

وفي حديثه عن إيقاظ الأهل، أبرز الأبعاد الأسرية العميقة لهذا التوجيه النبوي، مستحضرا حديث: “رحم الله رجلا قام من الليل فأيقظ امرأته… ورحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها…“، معتبرا أن هذا الدعاء النبوي يكشف أهمية قيام الزوجين معا، وذكر الله معا من أسباب نزول المودة والرحمة والسكينة التي جعلها الله بين الزوجين. وربط ذلك بقوله تعالى: “وجعل بينكم مودة ورحمة“، فالمودة والرحمة من فضل الله، ومن وسائل طلبها أن يقوم الزوجان معا في الثلث الأخير من الليل، حيث ينادي سبحانه: هل من سائل، هل من مستغفر، هل من تائب. ومن هنا اعتبر أن الأسرة المؤمنة إذا صلحت واستقامت على هذا المعنى صارت لبنة نورانية، ومنها يتشكل البنيان الإيماني، واستحضر في هذا الباب معنى “البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه“، لأن البيت الطيب يفيض بالمودة والرحمة والذرية الصالحة، ومن هذه اللبنات يتقوى بنيان المؤمنين.

وعندما طُرح عليه سؤال الاقتداء الحرفي والاقتداء المقاصدي، استحضر واقعة بني قريظة، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة“، فانقسم الصحابة إلى فريق أخذ بحرفية القول فأخر الصلاة حتى الوصول، وفريق فهم المقصد على أنه الحث على الإسراع فصلى في الطريق، ثم أقر النبي صلى الله عليه وسلم الفريقين. ومن هذه الواقعة خلص إلى أن دين الله فيه وسع وفسحة، وأنه لا يصح تضييق ما وسعه الله، كما لا يصح تعميم أحد الاجتهادين في كل الأحوال، لأن بعض المواطن يكون فيها الأخذ بالحرف أبلغ، وفي بعضها يكون النظر إلى المقصد أظهر.

وفي جواب عن حال من يشتغل في العشر الأواخر ولا يستطيع التفرغ كما يحب، أكد المتحدث أن الله عز وجل مطلع على أحوال عباده وظروفهم ونياتهم، وأن علم الله للمؤمن نعمة، لأنه يعلم ما في قلبه من خير وقصد صادق، كما أنه على أهل النفاق والكفر نقمة لأنهم لا يضمرون إلا الشر. واستحضر في هذا السياق حال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تمنوا الخروج معه ولم يجدوا ما يحملهم، فرجعوا “وأعينهم تفيض من الدمع“، ليقرر أن الله يعلم حتى دمع القلب إذا صدق صاحبه في إرادة الخير. ولذلك دعا من له شغل أو عمل إلى أن يغتنم أوقات فراغه كلها، وأن يعمر وقت عمله بما يسعه من ذكر وتلاوة وتسبيح وصلاة، وأن يصدق مع الله، لأن الكريم سبحانه ينظر إلى القلوب ويؤتي من علم في قلبه خيرا.

وعند سؤاله عن الرسالة التي ينبغي أن يخرج بها المسلم من العشر الأواخر ورمضان كله، استحضر المتحدث حديث: “إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده“، واعتبر أن رمضان من أعظم النعم، فلا بد أن يكون له أثر ظاهر. وقسم هذا الأثر إلى نوعين: أثر في العبادات، بأن يثبت المؤمن بعض ما كان يجتهد فيه في رمضان من صلاة في المسجد أو تلاوة للقرآن أو ختم له أو محافظة على بعض النوافل؛ وأثر في الأخلاق والمعاملات، لأن حسن الخلق يقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن سوء الخلق يباعد. واستحضر في هذا الباب قوله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، ليؤكد أن ثمرة النعمة ينبغي أن تظهر في حياة العبد وفي حال الأمة. ولذلك دعا المؤمن إلى أن يجتهد بعد رمضان في التطهر من أخلاقه السيئة، أو على الأقل أن ينتقص منها ويكتسب من الأخلاق الحسنة ما استطاع.

وعندما سئل عن الشباب وعن القول بأن الخطاب الديني ابتعد عن أسئلتهم واهتماماتهم، رأى عضو مجلس الإرشاد أن المشكلة ليست في الوسائل الرقمية في حد ذاتها، بل في من يحدث الناس وكيف يخاطبهم. واستحضر قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، معتبرا أن حق الشباب على العاملين في الدعوة، رجالا ونساء، أن يخاطبوهم بما يفهمون، وبوسائلهم، وبالأسلوب القريب منهم، وأن يتوددوا إليهم، وينصتوا لهم، ويتلطفوا بهم. وفي هذا الباب استحضر اسم الله الودود، وهو الغني عن عباده ومع ذلك يتودد إليهم ويفرح بتوبتهم، فكيف بمن يسعى في خدمة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأكد أن الخطاب إذا جاء من جنسهم، وبأدواتهم، ولغتهم، وبما يقرب المعنى إلى واقعهم، كان أقرب إلى القبول، مع التذكير بأن النتائج بيد الله تعالى، فهو الهادي، لكن الواجب على العاملين هو إتقان الأسباب والتحبب إلى الشباب وإعانتهم على أن تجعل العشر الأواخر جسرا يعيد وصلهم بالإيمان والمعنى.

وفي محور ليلة القدر، أوضح بارشي أن الحكمة من عدم تحديدها بيقين ترتبط بما ورد في الحديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليخبر بها، فتلاحى رجلان فرفعت، ثم أمر الأمة أن تلتمسها في العشر الأواخر، وفي روايات أخرى في الوتر منها، مع وجود من رجح ليلة السابع والعشرين. غير أنه شدد على أن المقصود الأكبر ليس الوقوف عند الحساب المجرد، لأن هذا تحبيب وتطييب للنفوس الضعيفة، أما من أكرمهم الله بطلب المعالي فلا يقفون عند حد ليلة واحدة، بل يجتهدون في الليالي كلها. واستحضر في هذا السياق حال المحسنين الذين قال الله فيهم: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون. كما ربط بين فضل ليلة القدر وحديث “ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل“، معتبرا أن باب السؤال والإنابة مفتوح في كل ليلة، وأن العبد المفلح قد يغنم من فضل الله في كل ليلة إذا صدق في الطلب.

وفي هذا الباب استحضر قصة للإمام المرشد رحمه الله على وجه مختصر، إذ ذكر أنهم زاروه بعد الاعتكاف، وسألوه عن ليلة القدر، فذكر لهم أن الله أعطاها لعموم أمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن العبد المفلح يمكن أن يغنم من معناها وفضلها كل ليلة ما دام باب السؤال مفتوحا، وما دام الرب سبحانه يقول: “هل من سائل فأعطيه“. ومن هنا كان تأكيده أن العبد لا يحبس نفسه في ضيق الحساب، بل يوسع قلبه في الطلب وحسن الظن بكرم الله.

وعن حالة الترقب التي تحصل عند الناس أوضح أنه لا ينبغي أن تقتصر على ليلة القدر وحدها، بل تمتد إلى سائر الأيام الفاضلة والشهور الفاضلة التي امتن الله بها على عباده، مثل يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وست من شوال، وصيام الأيام البيض، والاثنين والخميس، وشهر شعبان الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام فيه، وقد سأل عنه أسامة بن زيد رضي الله عنه. ومن هنا اعتبر أن كرم الله واسع، وأن المؤمن الموفق هو الذي يغتنم كل هذه الأبواب، لأن الله تعالى بقدر ما يقبل العبد على ربه يقبل الرب على عبده أكثر، ويطوي له المسافات، وهذا ليس خاصا بالذكر وحده، بل في الصيام والصلاة وسائر أعمال الخير.

وفي حديثه بلغة أقرب إلى الناس عن أعمال ليلة القدر، دعا إلى تنويع العمل حتى لا يقع الملل، مستحضرا دعاء أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني“، وحديث: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه“. واعتبر أن من المناسب في هذه الليلة أن ينوع المؤمن بين الصلاة، والذكر، والدعاء، والقرآن، والتبتل، بل وحتى في جلسة عائلية يتذاكر فيها أهل البيت الخير، وأن من النعمة الكبيرة أن تصلي الأسرة كلها ولو ركعتين جماعة. كما نبه إلى أن المقصود ليس أن يتحول القيام إلى عمل روتيني تؤديه الجوارح وحدها، بل أن يكون القلب حاضرا، ولذلك دعا إلى شيء من التنويع والنوم اليسير ثم العودة إلى الصلاة والذكر حتى لا يذهب فضل الليلة في الجسد وحده ويبقى القلب غائبا.

وفي جوابه عن سؤال الحفاظ على روحانية هذا الشهر في ظل مشاغل الحياة، استحضر المتحدث توجيه النبي صلى الله عليه وسلم للصائم حين يخاصم أو يساب أن يقول: “اللهم إني صائم“، واعتبر أن المؤمن يقيس على ذلك كل ما يريد أن يخرجه عن صفاء رمضان وروحانيته، فيذكر نفسه بأنه في عبادة لله عز وجل. وربط هذا المعنى بعداوة الشيطان وسعيه إلى الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، مستحضرا قوله تعالى في سورة المائدة: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء، ليؤكد أن الشيطان يتفنن في وسائله كما يتفانى في وظيفته، وأن على المؤمن أن يتفانى هو أيضا في وظيفته من الثبات وطلب العون من الله. وأكد في هذا السياق أن تبتل الليل يعين على سبح النهار، وأن من أراد أن يحفظ الله له روحانية الشهر فليلزم باب الله خاصة في الأسحار.

وعندما سئل عن العوائق التي تمنع القلوب من الاستفادة من العشر الأواخر، قال الداعية المربّي إن من أعظم هذه الموانع الذنوب والمعاصي والحرام، لأنها تنكت في القلب نكتة سوداء، فإذا تكاثرت حجبت عنه النور. وشبه الأمر بنافذة إذا سترت بالسواد لم يدخلها الضوء. ومن هذا الباب حذر من الحرام الواسع المعنى، لا في المال فقط، بل في الغيبة، والنميمة، وخائنة الأعين، والحقد، والكره، والحسد، وضغائن القلوب، معتبرا أن هذه كلها موبقات تمنع النور من النفاذ إلى القلب، وتسد أبواب الاستجابة. واستحضر حديث الرجل الأشعث الأغبر الذي يطيل السفر ويمد يديه إلى السماء ومطعمه ومشربه وملبسه من حرام، فأنى يستجاب له، كما استحضر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه في حفظ اللسان، ليؤكد أن كثيرا من الناس يضيقون معنى الحرام ثم يغفلون عن آفات الألسنة والقلوب، مع أن هذه الآفات من أعظم ما يحجب العبد عن أنوار الذكر ورحمات المواسم.

وعند سؤاله عن القيام بين المسجد أو البيت، لم يرجح الأستاذ بارشي أحد الأمرين على وجه الإطلاق، بل دعا إلى الجمع بين الفضيلتين، بأن يصلي المؤمن جزءا في المسجد فيغنم فضل الجماعة والسعي إليها، وحتى يظهر الخير والفضل وتظهر قوة الأمة، ويصلي جزءا في البيت فيجمع أهله ويغنم بركة الصلاة معهم، فيجتمع له خير المسجد وخير الدار.

وفي الاعتكاف عرّفه المتحدث بأنه العكوف، أي لزوم المكان، وشرعا هو البقاء في المسجد بنية العبادة والاجتهاد والانقطاع عن الدنيا ومغرياتها. وفسر مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليه في العشر الأواخر بكونه صلى الله عليه وسلم رأى من آيات ربه الكبرى، وكشف الله له من حقائق الآخرة ما جعل ما هو غيب في حق غيره حقيقة في حقه؛ فالجنة والنار والبعث وما أعده الله لعباده الصالحين عنده صلى الله عليه وسلم حقائق مشهودة، ولذلك كان حريصا أن يدل أمته على ما رآه من فضل الله وكرمه، وأن يفتح لها أبواب الاصطفاء والاجتباء. ومن هنا ربط حرصه صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف بتمام شفقته على المؤمنين، فهو “حريص عليكم“، ويحب لأمته أن تغنم من فضل الله ما رآه وعلمه.

وفي جواب عن سؤال إعادة ترتيب الأولويات من خلال الاعتكاف، قال إن العبد يعيش عادة تدافعا بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، وإن الاعتكاف خلوة تمنحه قدرا من الصفاء تتجلى له معه الحقائق، فيراجع ما إذا كان من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة أو ممن يريد وجه الله. واستحضر في هذا المعنى قوله تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وقوله تعالى: من كان يريد العاجلة، ليؤكد أن الأولويات الحقيقية هي أولويات العبد بوصفه عبدا لله. وفي هذا السياق توقف عند المقولة المشهورة: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا“، مبينا أن الشطر الأول ليس على الحقيقة، لأن العبد لا يعيش أبدا، بينما الموت غدا أو قبل الغد أمر ممكن بل وارد، ومن هنا ففقه الأولويات لا يستقيم إلا إذا غلب العبد على نفسه معنى الرحيل القريب ودار العبور، وأن البقاء لله وحده.

وعن إمكان الاعتكاف خارج المساجد في حال المنع أو التضييق، عاد الأستاذ بارشي إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا“، كما استحضر قوله تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ليقرر أن بيوت الله كثيرة، وأن من حيل بينه وبين المسجد يجتهد بما استطاع في بيته، مع أهله أو مع من يعرف من المؤمنين. وفي هذا الباب ذكّر بالقاعدة العملية: “ما لا يدرك جله لا يترك كله“، فمن تعذر عليه الاعتكاف الكامل اجتهد في بعضه، يوما أو يومين أو ساعات، والله كريم إذا علم في القلوب خيرا.

وعند سؤاله عن الأثر الذي ينبغي أن يظهر على المعتكف بعد خروجه، أعاد بارشي التذكير بما قاله سابقا عن أثر النعمة، موضحا أن الاعتكاف ورمضان كله ينبغي أن يتركا أثرا في العبادة وأثرا في الأخلاق، وأن من علامات الانتفاع أن يثبت العبد بعض الطاعات التي وفق إليها، وأن ينقص من أخلاقه السيئة، ويجتهد في التحلي بما استطاع من الأخلاق الحسنة.

وختم الأستاذ بارشي حديثه بالجواب عن سؤال كيف نجعل من الاعتكاف محطة للمراجعة الشاملة لمسار السنة كلها، فاعتبر أن الموفق لا يطيل الأمل، بل يغلب على ظنه أنه قد لا يبلغ رمضان المقبل، فيتعامل مع رمضان هذا على أنه قد يكون الأخير. ومن هنا دعا إلى عزيمة صادقة على التوبة والرجوع إلى الله وإصلاح الأخطاء وتحسين المعاملات وإتقان العبادة، مع استحضار دعاء النوم: “باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه...”، لأن النفس قد تمسك فلا ترد. ولذلك قال إن من عزم عزما صادقا على الهجرة إلى الله ورسوله، ثم أدركه الموت، فقد “وقع أجره على الله“، وإن سبق الأجل إلى العبد قبل تمام ما عزم عليه فالله كريم لا يضيع صدق النيات.

وفي كلمته الختامية، أوصى بالحرص على صفاء القلب حتى نستفيد من أنوار رمضان وأنوار الذكر. واستحضر في هذا السياق حديث: “أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان“، وفسر “مخموم القلب” بأنه التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد، معتبرا أن الله يحب القلب النظيف الصافي، وأن هذا الصفاء هو المدخل الأعظم للانتفاع بعطاءات هذه الأيام، وأن العمل إذا وقع في قلب صاف ظهرت آثاره وأنواره وظهر فيه كرم الله وفضله.