ذ. بلعربي: قضية الشهيد عماري وشبيهاتها شاهدة على غياب استقلالية القضاء في المغرب

Cover Image for ذ. بلعربي: قضية الشهيد عماري وشبيهاتها شاهدة على غياب استقلالية القضاء في المغرب
نشر بتاريخ

اعتبر الأستاذ رشيد أيت بلعربي المحامي في هيئة القنيطرة خلال مشاركته في ندوة “استقلال السلطة القضائية والحقيقة المغيبة، ملف الشهيد كمال عماري نموذجا” أن قضية الشهيد كمال عماري شاهدة، مثلها مثل القضايا السياسية الشبيهة بها، على غياب استقلالية القضاء في المغرب، وتكريس سياسة الإفلات من العقاب.

جاء ذلك خلال مداخلته في الندوة التي نظمتها جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد كمال عماري بالمقر المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان صباح اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لاغتياله، مشاركا إلى جانب المحاميين حسن هاروش وسعاد البراهمة والأستاذ عثمان حنزاز، وأدارها الأستاذ الحسن السنّي.

استقلالية السلطة القضائية مبدأ أساسي

أكد المتحدث أن استقلال السلطة القضائية يشكل ركيزة أساسية وعمادا ضروريا لكل الأنظمة الديمقراطية في العصر الحديث. وأضاف أن أغلبية الدساتير الحديثة ركزت على هذا المبدأ، ومن بينها الدستور المغربي، الذي نص على استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقد تم تكريس هذا المبدأ في مختلف الدساتير المغربية، حتى في المراحل التي كان فيها القضاء يُنظر إليه باعتباره مجرد جهاز. غير أنه أوضح أن دستور 2011 شكّل لحظة مهمة، حين تمت ترقية القضاء إلى سلطة قائمة بذاتها. وأضاف أن المغاربة استبشروا بهذا التحول، لأنه لم يكن مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي أو وسيلة للتباهي بين الأمم، بل كان ثمرة مسار طويل من النضال والتضحيات الجسام من مختلف الهيئات والفاعلين والأحزاب والجمعيات، وأيضا ما قدمته حركة 20 فبراير والتي كان من بين مناضليها الشهيد كمال عماري.

وتحدث عن الدستور المغربي، مؤكدا أنه عندما نص على استقلال السلطة القضائية، لم يقف عند هذا الحد، بل أضاف فصولا أخرى أكد من خلالها على تقليد القضاء مسؤولية جسيمة، تتمثل في حماية حقوق الأفراد والجماعات، وضمان أمنهم القضائي والقانوني باعتباره مبادئ مؤطرة لاستقلال السلطة القضائية. وأضاف أن الحديث عن استقلال القضاء لا يعني فقط قضاء الحكم، بل يشمل أيضا قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق، أي القضاء بكل مكوناته.

قضايا القتل: اختبار حقيقي لهذه الاستقلالية

وأكد أيت بلعربي أنه لا يمكن إنكار أن التنصيص الدستوري على استقلال السلطة القضائية قد ساهم فعلا في تحرر عدد من القضاة، وظهر ذلك في بعض الأحكام التي عكست جرأة واستقلالا ووعيا بالمسؤولية. لكنه أضاف، في المقابل، أنه لا يمكن أيضا إنكار أن هناك أحكاما وقضاة خيبوا الآمال بشكل كبير. وتابع أنه عندما نتحدث عن استقلال القضاء، لا ينبغي أن نكتفي باستحضار الأحكام الرائدة فقط، أو بعض القضاة الذين قدموا الشيء الكثير، بل يجب أن ننظر أيضا إلى طبيعة بعض الملفات التي لا نكاد نلاحظ فيها مقومات هذا الاستقلال، سواء من حيث طبيعة الأحكام وطبيعة الإجراءات، أو من حيث طبيعة التكييف، أو من حيث مآل البحث والتحقيق والمتابعة.

وتحدث عن موضوع استقلال القضاء، مؤكدا أنه يطرح بشدة في عدد من الملفات، خاصة تلك المرتبطة بالوفيات أو القتل داخل المخافر، أو أثناء تفريق المظاهرات والوقفات العمومية. وأضاف أن من بين هذه الملفات: قضية معتقلي الريف، وقضية مقتل ياسين الشبلي، وقضية مقتل كمال عماري، وقضية مقتل عبد الله حاجيلي، وقضية مقتل ثلاثة شبان في القليعة، وآخرهم قضية مقتل الشاب عمر حلفي. وأوضح أنه في بعض الملفات، يتم الحفظ بقرار من النيابة العامة، وفي ملفات أخرى لا تصل القضية أصلا إلى النيابة العامة بالشكل الذي يسمح ببحث حقيقي. وأكد أن المسؤولية هنا تصبح مطروحة بقوة على النيابة العامة وقضاة التحقيق، لأن الاستقلال لا يُقاس فقط بالنصوص، بل يُقاس أيضا بطريقة التعامل مع هذه الملفات الحساسة.

قضية كمال عماري شاهد على غياب الاستقلالية

واستحضر المتحدث مثال قضية الشهيد كمال عماري، قائلا إنه تعرض يوم 29 ماي 2011 لعنف مبرح من طرف القوات العمومية، في سياق السياسة الأمنية التي كانت مستحكمة في ذلك الوقت، لم تترك له الفرصة حتى للذهاب للمستشفى، ثم توفي يوم 2 يونيو. وأضاف أن بلاغ الوكيل العام أكد، من خلال نتيجته، وجود اعتلال رئوي واسع تفاقم نتيجة غياب علاج مبكر ومناسب. وتابع أنه تمت إحالة الملف على الفرقة الوطنية لإجراء بحث. وأكد أنه بموازاة بحث النيابة العامة لا بد من ذكر تقرير المرصد المغربي للحريات العامة وكذلك الوسيط الذين شكلوا فريقا واستمعوا لكل المتدخلين، وكذلك كان تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بعد الاستماع إلى ثلاثة شهود رئيسيين، أكد وجود اعتداء مفرط وعنف مبرح في مواجهة الشهيد كمال عماري، واعتبر ذلك السبب الرئيسي في الوفاة.

واسترسل قائلا إن النيابة العامة، بعد قرابة سنة من البحث، أحالت الملف على التحقيق. وأضاف أن السؤال المطروح هنا هو: هل تم فعلا إجراء تحقيق حقيقي؟ وأكد أن قاضي التحقيق اكتفى بالاستماع إلى بعض الأشخاص العاديين الذين لن يفيدوا بأي شيء، وانتهى الأمر بصدور قرار بعدم المتابعة، تم تأييده لاحقا من طرف محكمة الاستئناف، وانتهى بقرار من محكمة النقض برفض طلب طعن النقض.

وتساءل المتحدث عما الذي يؤكده كل هذا؟ وهل كانت هذه الإجراءات كافية لإبراز الحقيقة؟ وهل تترجم فعلا استقلال السلطة القضائية؟ وأضاف أنه، في تقديره، يكاد يجزم أنه لا يمكن القول إن ما تم القيام به في هذا الملف يعبر عن استقلال حقيقي. وتساءل إن كان من الصعب سلك إجراءات أخرى من قبيل حصر عدد رجال القوات العمومية الذين كانوا في ذلك اليوم، وفي ذلك الشارع. وأكد أننا لا نتحدث عن عصابة مجهولة أو قطاع طرق قتلوا شخصا في غابة، بل عن مدينة صغيرة ومظاهرة تشتغل فيها القوات العمومية بشكل نظامي وليس في فوضى، وتتحرك وفق خطة وتعليمات صادرة عن رؤسائها. وأضاف أن الوقفة الاحتجاجية لم تكن تضم الآلاف، بل كانت محدودة العدد. وتساءل عما إذا كان من الصعب معرفة من كان مكلفا بذلك التدخل، ومن أعطى التعليمات، ومن نفذها. وأوضح أنه كان بالإمكان حصر عدد عناصر القوات العمومية، وتحديد هوياتهم، ثم عرضهم على الشهود الذين أكدوا وجود الاعتداء، لمساعدتهم على التعرف على الفاعل أو الفاعلين. لكنه أكد أن ما وقع يوحي وكأن المنطلق كان هو إيهام الرأي العام، والعائلة، والمجتمع، بأن تحقيقا قد أُنجز، وأن القضاء قال كلمته، وأن ما وقع يدخل في إطار استقلال القضاء. وأضاف أن هذه النتيجة لا يمكن أن تنطلي على أحد.

الخطر الحقيقي تكريس الافلات من العقاب

وأكد أن طريقة التعامل مع هذا الملف، كما في ملفات أخرى، لا تقدم صورة مطمئنة عن استقلال القضاء، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات يكون أحد أطرافها مرتبطا بأجهزة السلطة أو بالقوات العمومية. وأضاف أن الأمر نفسه يمكن أن يطرح في ملف ياسين الشبلي، حيث جرى الحديث عن القتل الخطأ، رغم أن الأمر موثق بالفيديوهات. وتحدث أيضا عن ملف عمر حلفي في مقر الفرقة الوطنية الذي بدأ المغاربة ينسونه، وكذلك ملف مقتل ثلاثة شبان في القليعة.

وأكد أنه في هذه الملفات، على الأقل، لا يمكن الحديث عن استقلال حقيقي، لأننا نرى القاسم المشترك نفسه أمن الدولة طرف، ووفاة أو قتل يقع إما داخل المخافر، أو أثناء مظاهرات ووقفات عمومية، ثم بعد ذلك تبدأ الصعوبات والعقدة بالنسبة للمغرب في الاعتراف بوقوع هذا النوع من الجرائم حيث قد يقوم رجل القوات العمومية بالقتل ويعاقب، بعد التحقيق، وتحديد المسؤوليات. وختم بالتأكيد على أن الخطر ليس فقط في وقوع القتل، بل في التستر عليه وحمايته والمساهمة في تكريس سياسة الإفلات من العقاب.