ذ. بناجح يتحدث في “مساحة وضوح” عن غلاء الأسعار في عيد الأضحى وعن قرصنة أسطول الصمود

Cover Image for ذ. بناجح يتحدث في “مساحة وضوح” عن غلاء الأسعار في عيد الأضحى وعن قرصنة أسطول الصمود
نشر بتاريخ

في حلقة أخرى من بودكاست “مساحة وضوح”، تناول الأستاذ حسن بناجح مجموعة من القضايا الآنية التي تتأرجح بين الشأن المحلي المغربي والقضية الفلسطينية، وعرضهما في محورين؛ الأول هو الواقع المعيشي المغربي بالحديث عن عيد الأضحى وغلاء المعيشة، والثاني هو قضية الأمة الكبرى فلسطين، وما جرى للمشاركين في أسطول الصمود.

المحور الأول: عيد الأضحى وأزمة الأضحية وغلاء المعيشة

استهل عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان حديثه بتناول مرارة “عيد الأضحى” وما رافقه من ضغوط رهيبة على الأسر المغربية في مقدمتها الارتفاع الكبير وغير المسبوق في أسعار الأضاحي، واعتبر بناجح أن ما يعيشه المواطن ليس مجرد غلاء عابر، بل هو نتيجة لسياسات أدت إلى بروز طبقة وصفها بـ”الفراقشية الجدد”، وهم لوبيات وأخطبوط المال والسلطة الذين يمارسون “صناعة التفراقشيت” المنظم؛ فبينما كان “الفراقشي” التقليدي يسرق البهائم ليلا، فإن هؤلاء يسرقون “قفة المواطن” في واضحة النهار تحت غطاء القوانين وتضارب المصالح.

ورغم كل هذه الإكراهات أكد بناجح أن ذلك لا يجب أن يمس جوهر التدين أو روح الشريعة؛ فالأضحية في أصلها ليست استعراضا للأثمان ولا مظهرا للقوة الشرائية، وليست مناسبة للمفاخرة بهذا الكبش أو ذاك، وإنما هي تجسيد للتقوى والامتثال لله عز وجل. يقول الله تعالى: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ. فالتقوى هي المقصد، ومعها ما شرعه الله من التوسعة على النفس والأهل والناس.

وتوقف بناجح عند مفارقة صارخة تتمثل في تبخر مبالغ فلكية بلغت 76 مليار درهم خُصصت كدعم عمومي لحماية القدرة الشرائية، لكنها بدلا من أن تخفف العبء عن المواطن، دخلت في “ثقب أسود” يمثله السماسرة والمضاربون الكبار الذين يدورون في فلك شركات نافذة، ورأى المتحدث أن قطعة اللحم في المغرب تحولت من مادة غذائية في متناول عدد واسع من الناس إلى مؤشر طبقي واجتماعي قاس. فحين يصل ثمن الكيلوغرام إلى مائة وعشرين أو مائة وثلاثين درهما، وحين تصبح الأضحية المتوسطة بأربعة آلاف أو خمسة آلاف درهم وربما أكثر، فإن الأمر لم يعد مجرد غلاء عابر، بل صار علامة على عجز فئات واسعة من أصحاب الدخل المحدود عن الوصول إلى حق أساسي في العيش الكريم.

المفارقة المؤلمة، كما يضيف المتحدث، أن الدولة تضخ مبالغ ضخمة باسم حماية المواطن، ثم لا يجد المواطن أثر ذلك في السوق. فالاستفادة الكبرى تذهب إلى المستوردين الكبار والوسطاء والمضاربين، عبر الإعفاءات والدعم والتسهيلات، بينما تبقى الأسعار مرتفعة ويظل المواطن هو الحلقة الأضعف. وهكذا تتحول السياسات العمومية إلى وسيلة تمنح الامتيازات للأقوياء وتترك الضعفاء يواجهون الغلاء وحدهم، وبينما كان من المفترض أن يؤدي استيراد أعداد كبيرة من الماشية، وإعفاء المستوردين من الرسوم والضرائب، إلى تخفيض الأسعار وتوفير العرض، فإن ما حدث هو أن الدعم تبخر داخل سلاسل الوسطاء والمضاربين، حتى وجد المواطن نفسه أمام لحم لا يقدر عليه وأضحية تفوق طاقته. والمؤلم أن هذه السياسات لم تضرب القدرة الشرائية فقط، بل مست واحدة من أقدس المحطات الدينية والاجتماعية عند المغاربة، وحولت العيد عند كثير من الأسر من فرحة إيمانية واجتماعية إلى كابوس مالي.

وختم بناجح حديثه في هذا المحور بالتأكيد على أن أزمة المعيشة في المغرب ليست قدرا محتوما، وليست نتيجة الحرب في أوكرانيا وحدها، ولا اضطراب سلاسل التوريد، ولا قلة الأمطار، بل إنها في العمق أزمة تدبير، وأزمة توزيع عادل للثروة، وغياب إرادة سياسية حقيقية في محاربة الفساد والريع، وذلك لأن غلاء الأسعار صار قصة ألم متواصل، ينتقل من رمضان إلى عيد الأضحى، ومن الصيف إلى الدخول المدرسي… في بلد يملك خيرات كثيرة، لكنها لا تصل إلى أهلها بالعدل والإنصاف.

المحور الثاني: فلسطين وأسطول الصمود وواجب النصرة

وانتقل بناجح في محور ثان لفتح ملف “أسطول الصمود” وفك الحصار عن غزة، منددا بشدة بظهور فئة سماها “صهاينة الداخل” الذين استغلوا احتجاز تسعة مغاربة من قبل الكيان الصهيوني للطعن في أعراض “الشريفات الماجدات” والأحرار المشاركين في هذه الملحمة، واعتبر أن هذا السلوك يمثل قمة “الانحطاط الأخلاقي والفكري”، حيث يتم لوم الضحية الشجاعة وتبرئة الجلاد، في تحالف نفسي ومادي مخز مع المحتل ضد أبناء الوطن، وشدد على أن تاريخ المغرب مرصع ببطولات نساء سطرن ملاحم التحرير بدمائهن، وهؤلاء الطاعنون اليوم ليسوا سوى هوامش في ذاكرة الشرف.

كما تصدى بناجح لمحاولات التثبيط التي تلبس لبوسا دينيا، مفندا التأويل المحرف لآية وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، لأن التهلكة في معناها الصحيح ليست التضحية من أجل الحق، بل القعود عن نصرة المظلوم والانشغال بالمصالح الخاصة وترك الواجب. وقد صحح أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه هذا الفهم حين بيّن أن التهلكة هي الإقامة على الأموال وترك الجهاد والنصرة.

وأكد بناجح أن المنطق الانهزامي لو ساد تاريخيا لما تحررت أرض من الاستعمار، ولما قاوم أجدادنا في الريف والأطلس والمدن جيوش فرنسا وإسبانيا رغم ضعف الإمكانات. لقد أدرك المقاومون أن التهلكة الحقيقية هي القبول بالذل والاستسلام للمحتل، وأن الاستعمار وهم يتبدد أمام عزيمة الشعوب، كما قال محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله.

وعلى صعيد واجب الدولة، فند بناجح المغالطة التي تحاول تصوير المطالبة بتدخل السلطات لتحرير المحتجزين كنوع من “التطبيع”، مؤكدا أن “حماية المواطنين واجب سيادي دستوري وأخلاقي على كل دولة” لا يخضع للمساومة أو الاعتراف بشرعية المعتدي أو بناء علاقة ودية معه، فالدول تحمي رعاياها بالضغط والاحتجاج والدبلوماسية، ولا تتركهم في يد العدو بدعوى رفض التطبيع. وأوضح أن المطلوب هو “التدخل الضاغط” الذي يبدأ بالإدانة العلنية الصارمة، واعتبار ما وقع اختطافا وقرصنة، خاصة إذا جرى في المياه الدولية أو في مياه محتلة، ثم أيضا اتخاذ إجراءات دبلوماسية عقابية، وقطع كل أشكال العلاقات التي تمنح الاحتلال غطاء سياسيا، وتحريك المنتظم الدولي ومجلس الأمن، وفتح مسار قانوني لملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم.

واختتم بناجح رؤيته بالتأكيد على أن مبادرات “أساطيل الصمود” في تاريخ الشعوب الحية، قد لا تصل حمولتها المادية دائما بسبب القرصنة الصهيونية، لكنها حتما تصل إلى “وجدان وقلوب الفلسطينيين” لتكسر حصارهم النفسي وتؤكد لهم أنهم ليسوا وحدهم، وقد قال أحد أبناء غزة لمن تضامنوا معهم: لقد وصلتم إلى قلوبنا؛ وهذه نتيجة معنوية عظيمة، لأن الاحتلال لا يريد فقط منع الطعام والدواء، بل يريد عزل الفلسطينيين نفسيا وإشعارهم بأن العالم قد تخلى عنهم. وختم باستحضار الكلمات الخالدة لأسد الصحراء عمر المختار: “نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت”، مشددا على أن أجيالا قادمة ستواصل حمل مشعل الحق والكرامة، بينما سيبقى للمثبطين والشامتين والمنهزمين الخزي والعار وأن يكونوا هوامش على تاريخ الشرف.