ذ. بنقادى: مشروع القانون 66.23 المنظم لمهنة المحاماة يهدف إلى “الضبط والتحكم”

Cover Image for ذ. بنقادى: مشروع القانون 66.23 المنظم لمهنة المحاماة يهدف إلى “الضبط والتحكم”
نشر بتاريخ

اعتبر الأستاذ عبد الحق بنقادى في حوار أجريناه معه في بوابة العدل والإحسان، أن مشروع القانون 66.23 المنظم لمهنة المحاماة يهدف إلى “الضبط والتحكم” أكثر من سعيه لتنظيم المهنة بشكل عام كما هو عليه الحال في الأنظمة القانونية المقارنة.

الحوار الذي أجريناه على خلفية المذكرة التفصيلية التي أصدرها محامو الجماعة بخصوص مشروع هذا القانون، انتقد من خلاله عضو المكتب الوطني لقطاع المحامين “غياب رؤية استشرافية لمهنة المحاماة” في أبعادها الاقتصادية والمؤسساتية والرقمية، وتحولات السوق القانونية، وتغير طبيعة الطلب على الخدمات القانونية، وصعود التقنيات الرقمية، والحاجة إلى تنويع أدوار المحامي في المعاملات والامتثال والحكامة والتكنولوجيا والتواصل المهني والقضائي.

وشدد المتحدث في هذا الحوار على أن انتقاد محاميي الجماعة في مذكرتهم لشروط الولوج إلى مهنة المحاماة الواردة في المشروع “يتأسس على مبدأ دستوري وهو مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى المهن”، ومثل لذلك بما جاء في المادة 5 من المشروع، التي تتبنى “مسلسلا انتقائيا مركبا ومعقدا”، لافتا إلى أن مشروع القانون تجاوز منطق تحقيق الجودة المهنية إلى “تحقيق تمييز على أساس الوضع الاجتماعي والاعتباري لمهن أخرى والمسار الدراسي وفارق السن بين هاته المهنة ونظيرتها”.

ومن أخطر ما جاء به المشروع يقول بنقادى “منع المحامين من حقهم في حرية التعبير والرأي والاحتجاج المهني داخل المحاكم”، موضحا أن ذلك يمثل مقتضى تمييزيا لا يسري على أي مهنة قانونية أو قضائية وحتى على المتقاضين، مستغربا كيف يعقل أن يتقبل الجسم المهني هذا المقتضى الذي وصفه بـ”التكبيلي” لهامش التعبير الجماعي السلمي للمحامين في فضاءات يرتبط وجودهم فيها بممارسة حق الدفاع عن حقوق وحريات وكرامة ومصالح عموم المتقاضين.

فيما يلي نص الحوار كاملا:

إلى أي حد يكرس مشروع القانون 66.23 قطيعة مع مبدأ “التنظيم الذاتي” للمهنة لفائدة “نزعة ضبطية” تضع استقلال الدفاع تحت وصاية تفصيلية تتجاوز المبادئ الكونية المؤطرة للمحاماة؟

إن المطلع على مشروع القانون رقم 66.23 يكتشف من الوهلة الأولى تجاوز المشروع المبادئ المؤطرة للمهنة إلى مستوى تقنين عدد من التفاصيل والمسائل التي من المفروض أن تبقى في متناول الأنظمة الداخلية والاختيارات التي ترسمها المؤسسات المهنية وفقا للواقع والمتغيرات المستجدة، وبالتالي نحن أمام مشروع منظم لتفاصيل المهنة بهدف الضبط والتحكم، ولسنا أمام مشروع منظم للمهنة بشكل عام كما هو عليه الحال في الأنظمة القانونية المقارنة.

لكن في المقابل والذي غاب في المشروع ولم يعكسه هو غياب رؤية استشرافية لمهنة المحاماة من خلال أبعادها الاقتصادية والمؤسساتية والرقمية وتحولات السوق القانونية وتغير طبيعة الطلب على الخدمات القانونية وصعود التقنيات الرقمية والحاجة إلى تنويع أدوار المحامي في المعاملات والامتثال والحكامة والتكنولوجيا والتواصل المهني والقضائي. وهاته هي مهمة المشرع من كل ما ذكر هو التوقع التشريعي الاستباقي لما سيستدعيه التأطير القانوني وتحديث وتطوير الممارسة المهنية.

تحدثتم عن “الـحصانة الهشة” وقلتم إن العبارات التي صيغت بها فضفاضة وقابلة للتأويل، في مقابل ذلك طالبتم بتأسيس نظرية متكاملة للحصانة الوظيفية، ما الذي يعنيه ذلك ولماذا؟

الحصانة الهشة التي وصفنا بها مشروع القانون تعني أن موضوع الحصانة جاء كإعلان مبدئي فقط، والحال أنه بالرجوع للمقتضيات ذات الصلة في المشروع نجدها لا تكرس حصانة مهنية حقيقية تفضي إلى نظام متكامل لضمان حق المتقاضين وتحقيق المحاكمة العادلة التي أقرها دستور 2011، فالمشروع أولا؛ لم يبلور تعريفا دقيقا لمجال الحصانة الوظيفية للمرافعة. ثانيا؛ لم يحدد بشكل واضح وجلي الحدود الفاصلة بين القول أو الفعل المشمولين بالحماية الدفاعية وبين الانحراف المهني الذي يفقد هذه الحماية. ثالثا؛ منح صلاحيات تقديرية واسعة لسلطات المتابعة أو الهيئات التأديبية التي تنعكس بالضمن على جرأة وفعالية المحامي في الدفاع عن حقوق المتقاضي. رابعا؛ جنوح واضح في المشروع نحو توسيع آليات الرقابة والتأديب والعقاب على المحامي كما هو ثابت من خلال المواد 90 وما بعدها، وكل ذلك طبعا يعبر عن هشاشة في حصانة الدفاع التي ستجعل المحامي وهو يمارس مهام الدفاع والنيابة عن المتقاضي خائفا ومتلكئا ومهددا وفي أحسن الأحوال يعيش تحت ضغط آليات المتابعة والتأديب والتحكم التي جاء بها مشروع القانون.

لماذا انتقدتم شروط الولوج الجديدة (السن، كلفة التكوين، المسار المعقد) إلى المهنة، وما الذي تعنيه هذه الشروط؟

انتقادنا لشروط الولوج إلى مهنة المحاماة الواردة في المشروع يتأسس على مبدأ دستوري وهو مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى المهن، وهنا نجد مثلا في المادة 5 من المشروع تبنيها لمسلسل انتقائي مركب ومعقد يقوم على مباراة وطنية للالتحاق بمعهد التكوين ثم تكوين مؤسساتي يتبعه تمرين مهني وأخيرا امتحان نهائي مع اشتراط مستوى دراسي عال وسقف عمري ممتد إلى 40 سنة قبل القيد في الجدول، وشروط أخرى متعلقة بالوضعية الجنائية والأهلية التجارية ومختلف الالتزامات تجاه الإدارات والمؤسسات العمومية. ناهيك عن إقرار مشروع القانون لامتيازات خاصة لبعض الفئات من خلال المواد 12 و13 وغيرها، وبالتالي نجد بأن مشروع القانون تجاوز منطق تحقيق الجودة المهنية إلى تحقيق تمييز على أساس الوضع الاجتماعي والاعتباري لمهن أخرى والمسار الدراسي وفارق السن بين هاته المهنة ونظيرتها.

أشرتم في المذكرة إلى عيوب تكتنف “هندسة التمثيلية” داخل مجالس الهيئات وقلتم إنها تكرس احتكار القرار من قِبل دائرة ضيقة من ذوي الأقدمية، ما تفسيركم لذلك وما هي أثره على المهنة حاضرا ومستقبلا؟

بخصوص ما أشرنا له من عيوب اكتنفت “هندسة التمثيلية” في مشروع القانون نشير أولا إلى أن دينامية البنية الديمغرافية للمهنة ومبادئ الحكامة الديمقراطية الداخلية، وكذا ما يتميز به عنصرا المرأة وأجيال الشباب خاصة من كفاءة وقدرة على مواجهة تحولات سوق الخدمات القانونية والرقمنة والأنماط المستجدة للممارسة المهنية وتعقيداتها لا يعكسها مشروع القانون الذي حصر منظومة اتخاذ القرار في دائرة ضيقة من قيادمة المهنة والتي طبعا لا نقلل من شأنها ومكانتها الاعتبارية المحفوظة.

هل يهدد الغموض المحيط بتنظيم الحسابات المهنية وسلطات المراقبة المالية “السر المهني” للمحامي؟ وما علاقته بالشفافية المالية والرقابة؟

طبعا هذا الغموض الذي جاء في مشروع القانون يهدد الاستقلال المالي للمحامي ويمس بالسر المهني ويوسع الرقابة المالية عليه دون أي ضوابط متناسبة وطبيعة رسالة المحاماة، فالمشروع لم يحسم في الطبيعة القانونية للحساب المهني وحدود المراقبة والتمييز بين أموال الموكلين وأموال المكتب والأتعاب، كما أنه لم يحدد بدقة الجهة المختصة بالمراقبة ومجالها وضماناتها وآثارها ولم يضع تصنيفا واضحا للأموال المودعة وآليات محاسبية دقيقة تمنع الخلط أو تضارب المسؤولية.

ما هي الخلفيات الكامنة وراء استبعاد نظام (acte d’avocat) من المشروع، وما هي آثار تغييبه على المهنة والمحامي على السواء؟

من بين ما رصدناه في المذكرة أن مشروع القانون رقم 66.23 لم يساير التطور الذي تعرفه الممارسة المهنية في مجموعة من الدول، والتي من شأن تبنيها تطوير الممارسة المهنية وتعزيز الأمن القانوني.

ومن بين المقتضيات الغائبة في المشروع تمكين المحامي من تحرير عقود ذات قيمة قانونية أعلى من المحررات العرفية تعزيزا للأمن القانوني والتعاقدي.

فالمادة 33 من المشروع وإن خولت للمحامي تحرير عقود إنشاء الشركات وما يطرأ عليها من تعديل، إلا أنها لم تنص على منح المحامي سلطة تحرير محررات ذات قوة خاصة مميزة عن المحررات العرفية الأخرى.

وفي هذا الصدد تبنى المشرع الفرنسي في القانون رقم 2011-331 نظام acte d’avocat الذي يتيح للمحامي تحرير محررات قانونية ذات قيمة إثباتية وتعزيز أمني قانوني أعلى من المحرر العرفي العادي على نحو عزز مكانة المحامي في الحياة التعاقدية.

في ظل التحول نحو “العدالة الرقمية”، كيف يؤثر غياب تنظيم الممارسة الرقمية على حماية المعطيات المهنية وسرية التواصل مع الزبائن؟

لقد جاء مشروع القانون خاليا من أي إطار خاص ينظم الاستعمال والتعاطي مع عالم التكنولوجيا القانونية (Legal Tech) على الرغم من أن الممارسة المهنية المعاصرة أصبحت تعتمد بشكل كبير ومتزايد على إدارة الملفات عن بعد والتواصل المهني والقضائي الرقمي والمنصات والذكاء الاصطناعي المساعد والتوقيع الإلكتروني، وحتى عندما تناول المشروع في إشارات متناثرة هنا وهناك تحايل على استعمال الوسائط الإلكترونية بشكل محتشم؛ نجده في المقابل لم يحدد معايير واضحة للجائز والمحظور في استعمال الأدوات الرقمية ولا الضمانات الواجبة في حماية المعطيات المهنية وسرية وسلامة الاتصال الإلكتروني مع الموكل، وبالتالي كان حريا بالمشروع أن يدرج بابا خاصا بالممارسة المهنية الرقمية ويحدد أسسا قانونية وحديثة لعصرنة المهنة وتطويرها وتأطير تقديم الاستشارات القانونية عن بعد والإشهار المهني الرقمي وحفظ المعطيات والتوقيع الإلكتروني.

لماذا أصر المشرع في المادة 50 على منع المحامين من “التعبير الجماعي السلمي” داخل فضاءات المحاكم، في تمييز صريح عن باقي المهن والقوى المجتمعية، وما علاقة ذلك بتدجين صوت الدفاع؟

نعتقد أنه من أخطر ما جاء به المشروع هو منع المحامين من حقهم في حرية التعبير والرأي والاحتجاج المهني داخل المحاكم وهو مقتضى تمييزي لا يسري على أي مهنة قانونية أو قضائية وحتى على المتقاضين، فكيف يعقل أي يتقبل الجسم المهني هذا المقتضى التكبيلي لهامش التعبير الجماعي السلمي للمحامين في فضاءات يرتبط وجودهم فيها بممارسة حق الدفاع عن حقوق وحريات وكرامة ومصالح عموم المتقاضين.

ما تفسيركم لإحالة مقتضيات جوهرية (كالتكوين والتأمين) على “نصوص تنظيمية” غير محددة الآجال؟

نلاحظ أن مشروع القانون أحال على سبعة نصوص تنظيمية ينتظر أن تصدرها السلطة التنفيذية، دون تحديد أي سقف زمني لصدورها رغم ما لها من تأثير حاسم على حسن تطبيق النص، كما أن التجربة السابقة بالإحاطة على نصوص تنظيمية بقيت حبرا على ورق ولم تخرج للوجود أصلا.

وختاما أود الاشارة إلى أن مذكرة قطاع محاميي العدل والإحسان بقدر ما انتقدت المشروع وخلفياته فهي لم تبق حبيسة الوصف والتشخيص بل ارتقت إلى مستوى الاقتراح والبدائل، وقد عكست المذكرة ذلك من خلال توصيات عملية تروم مشروع قانون مهنة متطور وعصري.