أكد الأستاذ محمد حمداوي عضو مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان ونائب رئيس دائرتها السياسية، أن موقف الجماعة بمقاطعة الانتخابات والدعوة لمقاطعتها “ليس موقفا عابرا” خاصا بهذه الانتخابات، كما أنه لا يمكن إسقاطه على المشاركة السياسية في أصلها، “وإنما هو موقف مبني على قراءة لطبيعة المنظومة السياسية التي تجري داخلها الانتخابات”.
وشدد الأستاذ حمداوي في حوار مقتضب من ثلاثة أسئلة، أجريناه معه في بوابة العدل والإحسان، على أن الانتخابات، في تصورن الجماعة “لا تكون ذات معنى ديمقراطي كامل لمجرد وجود صناديق الاقتراع وتنافس الأحزاب، وإنما عندما يكون لصوت المواطن أثر حقيقي في اختيار السلطة ومحاسبتها وتغييرها”.
وأضاف يقول: “أما حين تكون المؤسسات المنتخبة محدودة الاختصاص، ولا تملك القرار السياسي الفعلي، ولا يترتب على نتائج الانتخابات تداول حقيقي على السلطة، فإن المشاركة تصبح في جوهرها إسهاما في إعادة إنتاج الوضع القائم، وفي ترسيخ السلطوية، لا وسيلة للتغيير”.
وفيما يلي نص الحوار مع الأستاذ محمد حمداوي:
1/ على ماذا أسستم موقف مقاطعة انتخابات 23 شتنبر؟
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، بارك الله لكم عملكم وشكرا لكم على الاستضافة.
موقفنا من الانتخابات ليس موقفا عابرا من هذه الانتخابات أو من المشاركة السياسية في أصلها، وإنما هو موقف مبني على قراءة لطبيعة المنظومة السياسية التي تجري داخلها الانتخابات.
فالانتخابات، في تصورنا، لا تكون ذات معنى ديمقراطي كامل لمجرد وجود صناديق الاقتراع وتنافس الأحزاب، وإنما عندما يكون لصوت المواطن أثر حقيقي في اختيار السلطة ومحاسبتها وتغييرها. أما حين تكون المؤسسات المنتخبة محدودة الاختصاص، ولا تملك القرار السياسي الفعلي، ولا يترتب على نتائج الانتخابات تداول حقيقي على السلطة، فإن المشاركة تصبح في جوهرها إسهاما في إعادة إنتاج الوضع القائم، وفي ترسيخ السلطوية، لا وسيلة للتغيير.
2/ أليس في القول إن المؤسسات المنتخبة لا تملك القرار السياسي مبالغة، خصوصا أن دستور 2011 أتاح هوامش جيدة لرئيس الحكومة والمؤسسات المنتخبة؟
السؤال الجوهري ليس: هل توجد هوامش؟ وإنما: من يملك القرار السياسي النهائي؟ وما حدود صلاحياته؟ وهل يستطيع الناخب أن يغير فعليا من يتولى السلطة واتجاهاتها؟
وجود هوامش في التدبير لا يعني امتلاك القرار السياسي. والديمقراطية لا تقاس فقط بحجم الاختصاصات المنصوص عليها، وإنما كذلك بوضوح مصدر السلطة، والفصل الحقيقي بين السلطات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإمكانية التداول السلمي على الحكم بناء على إرادة المواطنين.
ثم إن التجربة العملية خلال السنوات الماضية هي التي ينبغي أن تحسم النقاش، لا النصوص وحدها. فإذا كانت نتائج الانتخابات لا تمكن الناخب من إحداث تغيير جوهري في موازين السلطة والقرار، فالمشكلة ليست في حجم الهامش المتاح للحكومة، وإنما في بنية النظام السياسي وآليات صناعة القرار فيه.
ولهذا نرى أن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يتجه إلى إعادة بناء قواعد العملية السياسية نفسها، لا إلى تحسين هامش الحركة داخلها فقط.
3/ يقول بعضهم إن المقاطعة فعل سلبي، لأن الواقع يصنعه المشاركون والمتحكمون في اللعبة. ما جوابكم؟
لو كانت المشاركة وحدها تصنع التغيير، لكان من الطبيعي أن تكون المشاركة الانتخابية، رغم محدوديتها، خلال العقود الماضية قد أدت إلى تغيير جوهري في بنية النظام السياسي. لكن الواقع يطرح سؤالا آخر: ماذا يتغير فعلا مهما تغيرت نتائج الاقتراع؟
المقاطعة التي ندعو اليها ليست عملية سلبية في جوهرها، كما أن التصويت ليس بالضرورة فعلا إيجابيا. الفعل السياسي يقاس بأثره وهدفه، لا بمجرد وجوده داخل صندوق الاقتراع.
نحن حين نقاطع لا نغادر المجتمع ولا نتخلى عن العمل العام؛ بل نعلن موقفا سياسيا واضحا، ونمارس حقا مدنيا سلميا، ونواصل العمل المجتمعي والتربوي والحقوقي والسياسي من أجل تغيير شروط الفعل السياسي نفسه.
والأهم أن المقاطعة لا تعني أن نترك الساحة للمتحكمين؛ بل تعني أننا نرفض أن نمنح شرعية سياسية لمسار نعتقد أنه لا يحقق الإرادة الشعبية كاملة. أما التغيير الذي نطمح إليه، فلا تختزله ورقة انتخابية كل بضع سنوات، وإنما هو بناء وعي مجتمعي، ونضال مدني سلمي، وتجميع للقوى المجتمعية، حتى يصبح الشعب قادرا فعلا على اختيار من يحكمه ومحاسبته.