في تقييمه لمسار “الإصلاحات السياسية” التي يعيش في ظلها المغرب بدءا منذ سنة 2011، اعتبر الأستاذ محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، أن الحديث عن “إصلاحات جذرية” لا يجد ما يسنده في الواقع، مؤكدا أن البلاد شهدت استمرارية للنهج السياسي نفسه الذي كان قائما قبل الحراك الشعبي الذي عرفته المنطقة العربية.
رئيس مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان، الذي حل ضيفا على برنامج “قضية وحوار”، بثته قناة الحوار يوم 23 ماي المنصرم، ناقش العديد من القضايا السياسية والاجتماعية في المغرب والمنطقة وكذا الملفات الداخلية الخاصة بالجماعة، حيث انطلق الحوار بنقاش جوهري حول حصيلة الإصلاحات السياسية التي عرفها المغرب منذ سنة 2011، في سياق ما شهدته المنطقة العربية من حراك شعبي ومطالب متزايدة بالإصلاح والتغيير.
إصلاحات ما بعد الربيع العربي لم تغير جوهر المسار السياسي
وقد توقف مقدم البرنامج عند تقييم الجماعة لهذه المرحلة بعد مرور ما يقارب عقدا ونصف على اعتماد الإصلاحات الدستورية والسياسية التي قدمت آنذاك باعتبارها استجابة لمطالب الشارع المغربي، متسائلا عما إذا كانت قد أفضت إلى إصلاح حقيقي في بنية النظام السياسي، أم أنها ظلت في حدود تغييرات شكلية لم تمس جوهر السلطة وآليات تدبير الشأن العام.
في هذا السياق أوضح الأستاذ حمداوي أن ما جرى خلال فترة الربيع العربي لم يكن سوى “انحناء للعاصفة”، قبل أن يعود المسار السياسي إلى طبيعته السابقة دون تحقيق الإصلاحات التي كانت تطمح إليها فئات واسعة من المجتمع. واستدل على ذلك بوجود مؤشرات وأرقام تعكس غياب تحسن ملموس على المستويات السياسية والاجتماعية والحقوقية.
وردا على سؤال بشأن وجود الجماعة خارج المشهد السياسي منذ ذلك الحين، رفض حمداوي هذا التوصيف، معتبرا أن الجماعة ليست خارج المشهد السياسي بقدر ما هي خارج الإطار السياسي الرسمي والمؤسساتي. وأوضح أن الحضور السياسي لا يقتصر على المشاركة في المؤسسات الرسمية أو في “اللعبة السياسية”، بل يتخذ أشكالا متعددة داخل المجتمع.
وأشار إلى أن جماعة العدل والإحسان تحافظ على حضورها من خلال العمل المجتمعي والنقابي والطلابي والجمعوي، إلى جانب انخراطها في مختلف القضايا العامة، معتبرا أن المجال السياسي يمتد إلى ما هو أبعد من المؤسسات الرسمية ليشمل مختلف فضاءات الفعل المجتمعي والتأثير العمومي.
لسنا ضد المشاركة السياسية.. لكننا نرفض دور “شاهد الزور”
وفي معرض رده على سؤال حول أسباب استمرار جماعة العدل والإحسان في مقاطعة المشاركة السياسية المؤسساتية، أكد نائب رئيس الدائرة السياسية أن موقف الجماعة لا ينبع من رفض مبدئي للعمل السياسي أو للمشاركة في الانتخابات، وإنما من طبيعة البنية السياسية القائمة وشروط الممارسة التي تعتبرها الجماعة غير متوفرة.
وأوضح أن المشاركة السياسية الحقيقية، في تصور الجماعة، تقتضي وجود انتخابات حرة ونزيهة تفرز مؤسسات ذات شرعية وصلاحيات فعلية، وبرلمانا مستقلا قادرا على ممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية، وحكومة مسؤولة عن تنفيذ برنامجها وتحاسب على نتائج أدائها، لا “مجرد واجهة لنظام سياسي”.
وشدد المتحدث على أن خيار عدم المشاركة ليس خيارا استراتيجيا ثابتا أو موقفا نهائيا من العمل السياسي، بل هو موقف مرتبط بطبيعة البيئة السياسية القائمة. وقال إن الجماعة من حيث المبدأ مع المشاركة السياسية، لكنها ترفض أن تكون “شاهد زور” على اعتبار أن العملية برمتها غير قادرة على تمكين المؤسسات المنتخبة من ممارسة سلطاتها الفعلية.
وأضاف أن الأحزاب التي تدخل الانتخابات وتقدم برامجها للناخبين يفترض أن تكون قادرة على تنفيذ التزاماتها عند الوصول إلى السلطة، بينما يرى أن القرارات والتوجهات الكبرى في المغرب تحسم خارج نطاق الحكومة والبرلمان، وهو ما يجعل المسؤولية السياسية لا تتطابق مع مراكز القرار الحقيقية.
كما اعتبر أن الحديث عن نجاح أو فشل الأحزاب في التدبير يظل منطقيا داخل الأنظمة الديمقراطية التي تتمتع فيها الحكومات بصلاحيات واسعة وتتحمل نتائج اختياراتها أمام الناخبين، لكن العملية السياسية في المغرب “شيء آخر”؛ فالمشاريع الكبرى لا تقدمها الحكومة بل المؤسسة الملكية، ثم ينخرط أعضاء الحكومة كموظفين تنفيذيين، وهذا يدل على غياب بنية ديمقراطية حقيقية.
الإشكال في بنية السلطة لا في الحكومات المتعاقبة
وفي سياق حديثه عن أسباب رفض الجماعة المشاركة في المؤسسات القائمة، عاد الفاعل السياسي إلى محطات سابقة من التاريخ السياسي المغربي، مؤكدا أن موقف جماعة العدل والإحسان من المشاركة المؤسساتية لم يتشكل بعد تجربة حزب العدالة والتنمية، بل يعود إلى قبل تلك المرحلة بكثير، مذكّرا بأنه أثناء مرحلة حكومة التناوب، التي قادتها أحزاب قوية (الاتحاد الاشتراكي والاستقلال) والتي كانت تمتلك ثقلا سياسيا ونقابيا وإعلاميا كبيرا، كانت الجماعة تدعو إلى ضرورة تشكيل عقد اجتماعي وسياسي يتيح للفاعل ممارسة حقيقية للسلطة.
وأوضح أن الجماعة كانت ترى منذ ذلك الحين ضرورة إبرام عقد سياسي واجتماعي واضح يحدد بدقة الصلاحيات والمسؤوليات ويؤسس لتغيير حقيقي يمنح المؤسسات المنتخبة سلطات فعلية، معتبرا أن غياب هذا الإطار أدى إلى تكرار النتائج نفسها مع تجارب سياسية مختلفة.
وردا على الإشارة إلى أن دستور 2011 منح الأحزاب الفائزة في الانتخابات هامشا أوسع لتولي رئاسة الحكومة، اعتبر حمداوي أن هذا الهامش ظل ضيقا جدا، وأن قراءة النص الدستوري وممارسة السلطة على أرض الواقع تكشفان استمرار تمركز الصلاحيات الأساسية في مؤسسات أخرى خارج الحكومة.
وأشار إلى أن رئيس الحكومة في المغرب لا يتولى رئاسة مجلس الوزراء، بل يرأسه الملك، كما أن عددا من المؤسسات الاستراتيجية تظل مرتبطة بالمؤسسة الملكية، سواء في المجال الاقتصادي الاجتماعي أو التنفيذي أو القضائي أو الديني، وهو ما ينعكس على حدود السلطة الفعلية التي تمارسها الحكومة.
واعتبر أن التعديلات الدستورية كرست تمييزا بين مجالات استراتيجية بقيت ضمن اختصاص المؤسسة الملكية ومجالات أخرى أوكل تدبيرها للحكومة، الأمر الذي يجعل الجهاز التنفيذي مقتصرا على تنفيذ السياسات العامة التي يقررها في نهاية المطاف التوجه الملكي.
– يتبع –