ساق الأستاذ محمد سعودي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، دعاء أورده الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في كتاب “الإحسان”: “اللهم إني أسألك المزيد من التوفيق في المسعى، وكمال المراد من عفوك ورضاك ومحبتك”، ليبني عليه كلمة تربوية حبلى بالمعاني الإحسانية ألقاها في الاعتكاف المركزي، ونشرتها قناة “بصائر” الإلكترونية.
وأوضح أن هذا الدعاء يلخص حاجة الإنسان الدائمة إلى عناية الله وتوفيقه في كل أعماله وعباداته وجهاده، مؤكدا أن التوفيق الإلهي هو الأساس الذي يقوم عليه سعي الإنسان، وأنه هو المطلوب وكمال المقصد.
وبيّن أن جوهر الطلب ينبغي أن يتجه إلى الله ذاته، لا إلى عطائه فقط، منتقدا حال من يطلبون ما عند الله دون أن يطلبوه سبحانه، فإذا تأخر العطاء ساء حالهم، بالنظر إلى ما يبذلونه من عبادات وأعمال، معتبرا أن هذا الخلل ناتج عن غياب حقيقة التوجه إلى الله؛ “طلبت ما عنده ولم تطلبه، أحببت ما عنده ولم تحبه”.
وأشار إلى أن السالك إلى الله يقوم على ركنين أساسين: أولهما الافتقار إلى الله تعالى، بأن يكون العبد أوثق بما عند الله من كل ما في يده من أسباب (علم وسابقة وألقاب ومكانة..)، مع الأخذ بهذه الأسباب دون الركون إليها؛ وثانيهما إظهار هذا الافتقار، خاصة في ساعات الليل، حيث يستشعر العبد حاجته إلى الله في ذاته لا في عطائه فقط. كما شدد على أهمية استحضار دوام النعمة، فـ”قبل أن ترى جوارحك كيف سُدِّدت، ترى توفيق الله إلى ذلك”.
وذكّر القيادي بجماعة العدل والإحسان بإشارة سبق التداول فيها عن “حاجتنا إلى حظنا من الدنيا، ونحن أحوج إلى أن نبدأ بحظنا من الآخرة”، موضحا أن العناية بأمر الآخرة هي المدخل لإصلاح أمور الدنيا، ومبرزا أن اختلال التوازن في حياة الإنسان رغم اجتهاده قد يعود إلى ضعف الصلة بالله عز وجل، وأن معية الله سبحانه وتعالى هي السر في انتظام الأمور وتيسيرها، مستشهدا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.
وأكد أن هذه المعية الإلهية تمنح الإنسان توفيقا وتأييدا وتيسيرا وتثبيتا وإلهاما ورشدا وهدى، “هذه الروح تولد في رحم الآخرة، في أعمال الآخرة، فتدخل بها على الدنيا فتصلحها”، فإذا “كان الله معك في كل شيء، ينتظم أمرك؛ لأنه ملك الملك، ومالك ناصية كل شيء، فيقضي لك حاجتك، ويكفيك أمرك، ويصلح نيتك، ويرزقك حسن الطلب، ويسدد خطاك، ويكون معك”.
واعتبر المتحدث أن هذه المرحلة انتقالية “حين تكون الدنيا والآخرة شيئين منفصلين. أما إذا استقام سلوكك، اجتمع عندك أمر الدنيا والآخرة، فلا تعود تفرِّق بينهما: عندما تنافح عن الحق، أو تطلب العدل، أو تواجه الباطل، أو تتعلم، أو تربي أبناءك، أو تحتكّ بالناس، فأنت في عبادة”، مشيرا إلى أن هذا المقام يمثل انتقالا من الازدواجية بين الدنيا والآخرة إلى حالة من الجمع بينهما.
وختم بالتأكيد على أن المطلب والمقصود هو الله تعالى، رب الدنيا والآخرة. واستحضر قول الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، ليؤكد أن الدعوة إلى الله عز وجل لا تقوم فقط على الحكمة البشرية، بل على نور يهبه الله لمن أحياه.