ذ. عبادي يحكي بداياته في العمل الإسلامي وتعرفه على الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for ذ. عبادي يحكي بداياته في العمل الإسلامي وتعرفه على الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

في حلقة جديدة من برنامج “رجل ومسار” على قناة الشاهد، الذي يقدمه الأستاذ منير الجوري، واصل البرنامج تتبع مسار الأستاذ محمد عبادي، متوقفا عند عودته إلى التعليم النظامي، وتجربته في مهنة التدريس، وصلته بالتلاميذ، ثم عند بعض التنظيمات الإسلامية التي كانت حاضرة في الساحة خلال السبعينات، قبل أن ينتقل الحوار إلى بداية تعرفه على الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وبدايات التفكير في بناء عمل دعوي منظم.

بداية، تناول الحوار مسألة عودة الأستاذ عبادي إلى التعليم النظامي بعد سنوات من البحث في العلوم الشرعية في سفر طويل من الجنوب إلى طنجة، وهنا أوضح

أن شيئا لم يتغير في مجال التعليم، مشيرا إلى أن البرامج التعليمية كان يفترض فيها، بعد الاستقلال، أن تستهدف بناء الإنسان بشموليته فكرا وإرادة وخلقا، غير أن وزارة التربية والتعليم لم يعد لها من التربية شيء، لأنها تقدم معلومات متنافرة في مجالات متعددة، فيما غاب عنها مجال التربية ولم يعد له أثر، ودليل ذلك سلوك الأجيال المتخرجة من الجامعات والثانويات البعيدة كل البعد عن الانضباط بضوابط الشرع والالتزام بأوامره.

وانتقل الحديث بعد ذلك إلى تجربته داخل المؤسسة التعليمية، حيث بيّن المتحدث أن الهم الذي كان يسيطر عليه هو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه بدأ بتدريس اللغة العربية، ثم اختار لاحقا مادة التربية الإسلامية لأن مجالها أوسع للتواصل مع التلاميذ، ولتلقينهم بعض المبادئ الإسلامية وتربيتهم على الأخلاق الإسلامية. وأبرز أن علاقته داخل المؤسسة كانت متميزة، سواء مع المفتشين أو الإداريين أو التلاميذ، مضيفا أنه كان يستثمر الفرصة لتقديم دروس إضافية في داخليات الثانويات. رابطا هذا المسار بالهم القائم على بناء الأجيال على الرجولة والشهامة والتعلق بالله وبالآخرة. وسجل أيضا بأن التلاميذ كانوا يتفاعلون مع تلك الدروس والساعات الإضافية بشوق ورغبة ولهف، وأن الأمر امتد أيضا إلى محاضرات وندوات كانت تنظم في رحاب الثانوية، ويحضرها التلاميذ وجمهور من خارج المدرسة، وقال إنها تركت أثرا طيبا في صفوف التلاميذ.

طرح مقدم البرنامج مسألة اختياره لمهنة التعليم، وما إذا كان ذلك بدافع الاضطرار أو عن قصد. ورد الأستاذ عبادي بالتأكيد على أن مجال الاختيار يطرح حين يكون الإنسان أمام وظائف متعددة ويتقن بعضها، أما في حالته، فأوضح أن تكوينه كان يؤهله لهذه المهنة منذ نعومة أظفاره، لما لها من صلة بالتعليم وبالعلم بصفة عامة. كما عرض تصوره لهذه المهنة باعتبارها مهنة شريفة إذا أديت كما ينبغي، وإذا روعيت فيها شروطها وما تتطلبه من مسؤولية على الأجيال، وعلى عقول الناشئة وقلوبهم وأفكارهم ومستقبلهم، ومضى إلى القول إن المجتمع كان سيكون مختلفا لو أن التعليم راعى هذا البعد، بحيث يصبح مجتمعا فاعلا ومؤثرا وباذلا وعالما ومتقدما في جميع المجالات.

وعند التطرق إلى علاقته بالتلاميذ بعد التخرج، أوضح الأستاذ محمد عبادي أن القسم لا يضم عادة إلا فئة قليلة غايتها أن تتعلم وتتكون وتشـق الطريق إلى الأمام. ومن هنا استعاد تصوره لطريقة الإسلام في التعليم، معتبرا أن الأصل هو أن يعلم المعلم أو الشيخ أو المربي لله، وأن يطلب الطالب العلم لوجه الله. وأضاف أن الاستعمار غير هذه النية وهذا الهدف، وأن المطلوب هو إعادة الثقة وإعادة الأمل في قلوب الناشئة حتى لا يطلبوا العلم لأجل الوظيفة فقط، بل لما يترتب عنه من بناء الذات وبناء المجتمع.

ثم تحول مسار الحوار إلى الحراك السياسي والنشاط الذي عرفه المجتمع بعد الانقلابين في بداية السبعينات، مع بروز تيارات سياسية متعددة، من بينها اليساري والإسلامي، ومنها الشبيبة الإسلامية. وفي هذا الباب، أوضح فضيلة الأمين العام أنه لم تكن له علاقة مباشرة بالشبيبة الإسلامية، لكنه كان يتابع ما يحدث داخلها، خصوصا بعد الانشقاق الذي وقع فيها. وأشار إلى أنه سافر مرة إلى الدار البيضاء بنية الانتماء إلى هذا التنظيم، غير أن ذلك لم يكتب له. وعند تفصيل أسباب ذلك، ذكر أن الشبيبة كانت تعيش حالة انشقاق وتصدع، وهو ما جعله ينفر من الانتماء إليها، كما استحضر لقاءه ببعض الوجوه المعروفة فيها بالدار البيضاء، وتواصله مع بعض الأسماء المشهورة على مستوى الخطابة والمساجد. وبعد ذلك توقف الحوار عند مبدأ العمل السري الذي انبنى عليه هذا التنظيم، حيث كان المنتمون إليه غير معروفين حتى فيما بينهم. وهنا أشار المتحدث إلى أن هذه الظاهرة كانت منتشرة في معظم الحركات الإسلامية، وأضاف أن من فضل الجماعة، ومن فضل مؤسسها، أنها أخرجت الدعوة من السرية إلى الوضوح والعلن، حتى تعمل على مرأى ومسمع من الناس. كما لفت إلى أن التيارات المناوئة للإسلام، الملحدة والاشتراكية والشيوعية، كانت تطرح برامجها وخطها السياسي والإيديولوجي بقوة وجرأة في الكتابات والصحف، قبل أن يثير سؤال اختفاء المسلم الذي يحمل راية الإسلام ودعوته.

وفي محور آخر، توقف الحوار عند الكيفية التي كان يصرف بها الأستاذ محمد عبادي رغبته في ممارسة النشاط الدعوي، في وقت لم يكن إلى حدود نهاية السبعينات منتميا إلى أي تنظيم دعوي أو سياسي. وفي هذا الصدد، أوضح أنه خلال فترة دراسته للعلوم الشرعية التقليدية في طنجة احتك بجماعة التبليغ، وخرج معهم إلى بعض المناطق، واستفاد منهم كثيرا في المجال التربوي. كما أشار إلى احتكاكه بحزب التحرير، مبينا أن لهذا التنظيم وجودا في طنجة، وأنه كان يتواصل مع أحد المسؤولين فيه، كما قرأ جميع كتب تقي الدين النبهاني وتأثر بها إلى درجة أنه كان يرغب في الانتماء إليهم. ومع ذلك، أوضح أن أيا من هذه التيارات لم يستهوه، مضيفا أن التجربة الصوفية التي كانت موجودة آنذاك كانت أقرب إلى ميوله، مع سيدي عبد الله التليدي الذي تتلمذ عليه، غير أن كل هذه التوجهات لم تشبع رغبته وتطلعاته، وأنه وجد ضالته في جماعة العدل والإحسان مع الإمام المرشد رحمه الله.

وتناول الحوار أنشطته الدعوية الخاصة التي كان يمارسها بشكل منفرد، بعيدا عن أي انتماء تنظيمي. وهنا أبرز الأستاذ عبادي أن معظم هذه الأنشطة كان يتم في المسجد، إذ كان يحرص، حيثما حل، على أن يعمر المسجد، بترخيص أو من دونه، وأنه خطب في عدة مساجد. وأضاف أنه لم يكن يكتفي بما يلقيه داخل المسجد، بل كان ينسج علاقات خارجه، ويفتح باب بيته لكل من يحب أن يناقش أو يتعلم. كما استعاد بعض المشاهد من جرادة، حيث كان يسهر الليالي مع تلاميذ يدرسون في وجدة ويتأثرون بالفكر الماركسي، وكانت النقاشات معهم تمتد أحيانا إلى صلاة الصبح. وذكر أيضا أنه كان يدخل أحيانا حلقات تقام في الشارع، ويعطي القائمين عليها شيئا يسيرا حتى يسمحوا له بأخذ الكلمة بدلا عنهم. وفي نهاية هذا المحور، شدد على أن العمل الجماعي لا يمكن أن يقارن بالعمل الفردي مهما بلغت الجهود المبذولة فيه.

ومن هنا انتقل الحوار إلى مرحلة بداية تعرفه على الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، فقد أوضح عبادي أنه تعرف عليه من خلال كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” الذي أهداه إليه أستاذ في الحسيمة، وأنه تأثر به وقال في نفسه إن هذا هو الرجل الذي سيجمع الله على يده العمل الإسلامي في المغرب. ثم أشار إلى أن أخبارا وصلت بعد ذلك تفيد بأنه ألقي عليه القبض، وأنه فقد عقله، وتلك كانت الدعاية المنتشرة، ما جعله يفقد الأمل. غير أن مسار الأمور تغير، كما روى، حين كان في آسفي بمدرسة تكوين الأساتذة، حيث فوجئ بالعدد الأول من مجلة “الجماعة”، فأخذه وقرأه من دون توقف حتى أنهاه. وأضاف أن الأيام الفاصلة بين العطل الأسبوعية كان يعيشها على أحر من الجمر شوقا إلى زيارته، وأن اللقاء الأول تم بالفعل في مراكش سنة 1979. واستعاد الأستاذ عبادي تفاصيل تلك الزيارة الأولى، موضحا أن الإمام عبد السلام ياسين رحب به وأكرمه، وأنه بات عنده، ورأى من سلوكه وأخلاقه ما وصفه بالعجب. كما ذكر أنه بعد الفطور لم يكتف بتوديعه من باب الدار، بل رافقه إلى مكان الحافلات ليودعه هناك، قبل أن تتكرر الزيارة بعد ذلك، مرة وحده ومرة مع زوجته، مضيفا أنه كان يكتشف في كل زيارة أمرا جديدا.

وتناول الحوار بعد ذلك طبيعة استقبال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله للوافدين عليه في بيته، وهل كان هذا الاستقبال يتم بناء على موعد مسبق، وهنا أوضح عبادي أن دار الإمام كانت مفتوحة في تلك الفترة، بعدما منع من المسجد في مراكش، وأعلن أن من أراد الاتصال به فبيته مفتوح. إلا أن الناس، رغم ذلك، لم يكونوا يتجرؤون على زيارته خوفا من أن يتابعوا بالتعاون معه في مشروعه، وأن أكثر من كان يتوافد عليه هم أعضاء من الشبيبة الإسلامية من الدار البيضاء ومن الرباط. وتوقف أيضا عند دور زوجته، مبرزا أنها كانت توفر بعض الدراهم مما ادخرته أثناء السجن، وكانت تنفق على زوجة سيدي أحمد الملاخ، ومع ذلك بقي عندها ما تنفق منه على كثرة الوافدين، إذ كانت تذهب إلى السوق صباحا ومساء. وأضاف أن الإمام رحمه الله لم يكن يرد أحدا، بل كان يرحب بالجميع ويكرم الجميع ويصبر على الجميع.

وفيما يتعلق بالبرنامج الذي كان يحكم هذه الاستقبالات، أوضح الأستاذ محمد عبادي أن للإمام عبد السلام ياسين برنامجا خاصا معروفا، مشيرا إلى أنه بات معه في المنزل ولاحظ من سلوكه أنه كان يستيقظ في الليل، أحيانا في الثانية وأحيانا في الثالثة، ثم يذهب سريعا إلى الوضوء ويقبل على الصلاة. كما تحدث عن حرصه على الصلاة في المسجد، وقال إنه كان يراقب الساعة حين يقترب الأذان، فإذا بقيت بضع دقائق ختم المجلس ودعا الحاضرين إلى التوجه إلى المسجد. وأضاف أن محور المذاكرة والنقاش كان يتركز على ما ينبغي فعله لإحياء دعوة الله ونشر دينه في المجتمع، وأن هذا الهم الدعوي كان يشغل باله ويطرحه على كل من يتواصل معه.

وتطرق الحوار أيضا إلى طبيعة العلاقة بين زوار الإمام عبد السلام ياسين خارج البيت. حيث أوضح الأستاذ عبادي أن الإخوة الذين كانوا يتعاطفون معه كانت تنسج بينهم علاقات، وأنهم أحيانا كانوا يذهبون إليه ولا يبيتون في داره، بل في دار سيدي الملاخ أو عند بعض الإخوة، وكانوا يقومون الليل جماعة. وأضاف أن هذا كان يخص أفرادا معدودين على رؤوس الأصابع ممن كانوا يحتكون بسيدي عبد السلام، أما عامة الناس فكانوا يأتون ويذهبون من دون أن تكون لهم صلة بأمر الدعوة.

وعاد الحوار بعد ذلك إلى كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة”، ورسالة “الإسلام أو الطوفان”، ثم العدد الأول من مجلة “الجماعة”، ليتوقف عند ما شده في هذه المكتوبات إلى فكر الإمام ياسين رحمه الله ونظرته إلى المسألة الدعوية ومسألة التغيير داخل المجتمع. وفي هذا الإطار، أوضح الأستاذ عبادي أن لكتابات الإمام طابعا يميزها، وأنها تصحح المفاهيم وتنمي الإرادة، وتزيد الإنسان شوقا وإقبالا على الله، وتدفعه إلى العمل للآخرة وبذل الجهد في سبيل الله. كما أشار إلى أن النفس الذي كتبت به ليس كتابة فكرية جافة، بل كتابة قال عنها إنها كتبت بكليتها، بمشاعرها وأعصابها ولحمها، ولذلك تترك أثرا في نفس الإنسان، خصوصا حين تطرح تصورا للعمل الإسلامي المبني على الكتاب والسنة، وتضع قواعد وأسس الانطلاقة للعمل من أجل دعوة الله، مضيفا أن هذا ما لا يجده في كتابات الآخرين.

وفي ختام الحلقة، طرح مقدم البرنامج سؤالا حول متى بدأت ملامح هياكل تنظيمية للعمل الدعوي تظهر وسط هذا الاطلاع والنقاشات التي كانت تدار داخل بيت الإمام ياسين، فرد عبادي بأن الأمر جاء بعد مضي أكثر من سنتين، حين كوّن الإمام وفدا كان هو من ضمنه، لزيارة العاملين في الحقل الإسلامي عبر مدن المغرب، من أجل طرح فكرة توحيد العمل الإسلامي. وذكر من المدن التي شملتها هذه الزيارات الدار البيضاء والرباط وطنجة وتطوان وشفشاون وفاس ومكناس. كما أوضح أنهم طرحوا فكرة الجمع، وأن هذه الفكرة استمرت سنتين، وكانت في البداية لقاءات من أجل توحيد العمل الإسلامي، لكنها فشلت لأسباب متعددة، على أن يعود الحديث عنها في الحلقة المقبلة.