ذ. فتحي: “بروباغندا التطبيع” في المغرب تغطّي على الاختراق بشعارات السيادة والمصلحة الوطنية

Cover Image for ذ. فتحي: “بروباغندا التطبيع” في المغرب تغطّي على الاختراق بشعارات السيادة والمصلحة الوطنية
نشر بتاريخ

قدّم الأستاذ عبد الصمد فتحي قراءة نقدية مطولة لما سمّاه “بروباغندا التطبيع”، معتبرا أن ما وقع في المغرب لم يكن مجرد قرار سياسي معزول، بل مسارا متكاملا استهدف إعادة تشكيل الوعي العام، وتوجيه الإدراك الجماعي، ودفع الرأي العام إلى قبول ما كان يفترض أن يُواجَه بالرفض.

واعتبر فتحي، خلال مشاركته في الندوة التي دعت إليها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع يوم الجمعة 27 مارس 2026 بمناسبة يوم الأرض، والتي احتضنها مقر الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي بالرباط، أن السؤال الجوهري اليوم لا يتعلق فقط بقرار التطبيع في ذاته، بل بالطريقة التي جرى بها تسويقه داخل المجتمع المغربي.

وقد أطر الندوة إلى جانبه الدكتور محمد الناجي، أستاذ باحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، والدكتور علي بوطوالة، الأمين العام لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، بينما سيّرتها الأستاذة نعيمة النايم، عضوة اللجنة الوطنية للنهج الديمقراطي.

وأوضح المتحدث أن الأمر تم عبر خطاب منظم، يقوم على التأثير في المعاني، وتغيير زوايا النظر، وإعادة ترتيب الأولويات. ومن هذا المنطلق، وزّع مداخلته على ثلاثة محاور: مفهوم البروباغندا وتقنياتها، ثم تفكيك الخطاب المغربي المبرر للتطبيع، وأخيرًا الوسائط التي تتولى نقل هذا الخطاب وتثبيته.

وفي شرحه للمفهوم، قال إن البروباغندا لا تكتفي بنقل الخبر، بل تنتقل إلى صناعة الرأي وصناعة الوعي، عبر تقديم معطيات منتقاة أو مبتورة، وتكثيف الشحنة العاطفية على حساب الحجاج العقلاني. وبرأيه، فإن الخطاب الرسمي المرتبط بالتطبيع اعتمد جملة من التقنيات المتداخلة، في مقدمتها إعادة التأطير، حيث لم يعد التطبيع يُعرض بوصفه علاقة مع كيان محتل، بل باعتباره قرارا سياديا يخدم السلام و”المصلحة الوطنية”.

وتوقف فتحي عند ما وصفه بـ“التجزئة الأخلاقية”، أي فصل التطبيع عن القضية الفلسطينية، والإبقاء في الوقت نفسه على خطاب عام يتحدث عن دعم فلسطين والقدس. واعتبر أن هذه الآلية تخفف التوتر الأخلاقي لدى المتلقي، وتسمح بتمرير موقف متناقض من دون أن يبدو كذلك في الوعي العام. كما تحدث عن الشرعنة الرمزية، من خلال ربط القرار بقيم كبرى مثل السيادة والمصلحة الوطنية، بما يجعل الاعتراض عليه يبدو وكأنه اعتراض على الوطن نفسه.

وفي السياق ذاته، رأى فتحي أن استدعاء “الرافد العبري” والتعايش اليهودي المغربي يدخل ضمن السردية التاريخية التي تُستخدم لتبرير الحاضر، ونقل العلاقة مع الكيان الصهيوني من بعدها السياسي الراهن إلى بعد تاريخي يبدو طبيعيا وممتدا. لكنه شدد على أن هذا الخطاب، في تقديره، يُظهر جانبا من الصورة ليخفي الجوانب الأكثر خطورة، ويجعل الصهيوني القادم إلى المغرب يبدو مجرد امتداد تاريخي، لا حاملا لمشروع استيطاني وعدواني.

كما اعتبر أن ملف الصحراء استُخدم، في هذا السياق، بوصفه “حصان طروادة” الذي أُدخل عبره التطبيع إلى الوعي العام المغربي. وقال إن ربط القرار بقضية الصحراء منح التطبيع حصانة رمزية، ونقله من مستوى الاختيار السياسي القابل للنقاش إلى مستوى ما يشبه القضية المقدسة. غير أنه تساءل عن الثمن الحقيقي لهذا المسار، وذهب إلى أن أخطر ما فيه هو الاعتراف، عمليا ورمزيا، بمن وصفه بـ“غاصب” يمنح الشرعية في ملف يتعلق أصلا بأرض مغربية.

وفي قراءته لبنية الخطاب، أشار فتحي أيضا إلى صناعة التهديد الخارجي، عبر تضخيم الخطر وربط النقاش بالعدو الإقليمي، بما ينقل النقاش من سؤال: هل التطبيع صائب؟ إلى سؤال آخر هو: كيف نواجه الخطر؟ كما تحدث عن التحكم في الأجندة، عبر التركيز على الصحراء والأمن والاقتصاد، مقابل تهميش النقاش حول الاحتلال وجرائم الكيان الصهيوني وطبيعة المشروع الصهيوني نفسه.

وانتقد كذلك ما سماه “إدارة التناقض”، أي الجمع بين الانخراط في علاقات رسمية مع إسرائيل، والاستمرار في رفع خطاب دعم القضية الفلسطينية. واعتبر أن هذا التوازن المعلن سقط أمام الوقائع، خصوصا بعد السابع من أكتوبر، حيث برز دعم فعلي للكيان الصهيوني مقابل ما وصفه بمظاهر شكلية في التعامل مع فلسطين.

وفي ختام مداخلته، شدد فتحي على أن البروباغندا لا تعمل من خلال الخطاب السياسي وحده، بل عبر شبكة متكاملة من الوسائط: الإعلام، والثقافة، والتعليم، والفن، ووسائل التواصل الاجتماعي، و“الذباب الإلكتروني”، معتبرا أن الرسالة الموجهة لا تكتمل إلا بوجود وسائط ناقلة وتكرار مستمر. وانتهى إلى أن التطبيع، في صورته الراهنة، ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل مشروع لإعادة تشكيل الوعي والمعنى، وتمرير الاختراق تحت عناوين براقة مثل السلام، والمصلحة الوطنية، والاستمرارية، و”قوات الاستقرار”، محذرا من أن المسألة باتت تمس الهوية والقيم وتاريخ المغرب ومستقبله.

لمتابعة المداخلة الكاملة، شاهد: