اعتبرت المحامية سعاد البراهمة، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن ملف الشهيد كمال عماري يظل من أبرز القضايا الحقوقية التي تطرح بإلحاح سؤال استقلال السلطة القضائية وقدرتها على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، مؤكدة أن مرور خمسة عشر عاما على الواقعة دون الوصول إلى حقيقة قضائية كاملة أو مساءلة المسؤولين عنها يثير تساؤلات جوهرية حول واقع العدالة في المغرب.
جاء ذلك خلال مداخلتها في الندوة الوطنية التي نظمتها جمعية عائلة وأصدقاء الشهيد كمال عماري بالمقر المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان صباح اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لاغتياله، حيث قاربت الموضوع من خلال ثلاثة محاور رئيسية: استقلال القضاء بين النصوص والواقع، وعلاقة غياب الحقيقة القضائية بتكريس الإفلات من العقاب، ثم مسؤولية الحركة الحقوقية في مواصلة النضال من أجل الحقيقة والعدالة.
قضية كمال عماري اختبار حقيقي لاستقلال القضاء
في المحور الأول، توقفت البراهمة عند مكانة استقلال السلطة القضائية باعتباره ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات، مبرزة أن هذا المبدأ تحصنه مختلف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كما كرسته مقتضيات دستور 2011 الذي نص على استقلال السلطة القضائية ومنع أي تدخل في القضايا المعروضة على القضاء.
غير أنها شددت على أن المعيار الحقيقي لاستقلال القضاء لا يكمن في النصوص القانونية والدستورية، بل في الممارسة العملية، خاصة في الملفات التي تكون فيها الدولة أو أجهزتها طرفا محتملا في الانتهاك. وأوضحت أن القضايا المرتبطة بالحق في الحياة والتعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تظل المجال الأبرز لاختبار مدى قدرة القضاء على الوصول إلى الحقيقة بعيدا عن أي تأثيرات أو ضغوط.

وأفادت أن الانطباع السائد لدى الضحايا وعائلاتهم والمدافعين عن حقوق الإنسان، في عدد من الملفات الحقوقية الكبرى بالمغرب، هو أن القضاء لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن إغلاق الملف، بل إن الأخطر من ذلك أن القضاء يتحول أحيانا من أداة لحماية الحقوق إلى أداة لترهيب الضحايا والمحتجين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وعوض أن تكون المحاكم فضاء للإنصاف تتحول في كثير من الأحيان إلى فضاءات لإعادة إنتاج المظلومية.
وعليه فإن قضية الشهيد عماري، تقول الأستاذة البراهمة، تكشف حدود استقلال القضاء عندما يتعلق الأمر بمساءلة أجهزة الدولة.
لتنهي هذا المحور بالسؤال الاستنكاري: إذا كان القضاء قد عجز عن كشف الحقيقة في قضية حظيت بكل هذا الاهتمام الوطني والدولي، فكيف سيكون الحال في عشرات القضايا الأخرى التي لم تحظ بنفس التضامن والمتابعة؟
الإفلات من العقاب يساهم في إعادة إنتاج الانتهاكات
في المحور الثاني، ربطت البراهمة بين غياب الحقيقة القضائية واستمرار ظاهرة الإفلات من العقاب، معتبرة أن قضية كمال عماري ليست حالة معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة من الملفات المرتبطة بالحق في الحياة التي ما تزال تثير مطالب الحقيقة والمساءلة.
وسجلت أن التجربة المغربية بعد هيئة الإنصاف والمصالحة كان يفترض أن تؤسس لمرحلة عنوانها “عدم التكرار”، غير أن استمرار بروز ضحايا جدد، يعكس استمرار إشكال المحاسبة. وفي هذا السياق استحضرت عددا من القضايا التي أثارت نقاشا حقوقيا واسعا خلال العقود الأخيرة (قضية الشهيد كمال العماري سنة 2011، وقضية محسن فكري سنة 2016، وقضية عماد العتابي الذي مات خلال احتجاجات 2017، قضية المواطن ياسين الشبلي الذي قضى سنة 2022 داخل مخفر الشرطة بابن كرير بعد تعرضه لتعذيب همجي ممنهج موثق بالكاميرات)، معتبرة أن غياب المساءلة الفعلية يشكل أحد العوامل التي تساهم في إعادة إنتاج الانتهاكات.
وأكدت أن الخطر لا يكمن فقط في وقوع الانتهاك، بل في الرسالة التي يبعثها غياب العقاب إلى مرتكبي التجاوزات، إذ يصبح تكرار الانتهاكات أمرا واردا كلما تراجعت فرص المحاسبة. ومن هذا المنطلق، اعتبرت أن النضال من أجل الحقيقة في قضية كمال العماري لا يرتبط بالماضي فقط، بل يشكل دفاعا عن المستقبل وعن ضمان عدم سقوط ضحايا جدد.

الحق في الحقيقة لا يتساقط بإغلاق الملفات قضائيا
أما في المحور الثالث، فقد شددت رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على أن الحق في الحقيقة يظل قائما حتى بعد إغلاق الملفات قضائيا، وأن القرارات القضائية ليست قادرة على إلغاء الحقوق الأساسية للضحايا، مبرزة أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يقر بحق الضحايا وعائلاتهم والمجتمع في معرفة الحقيقة الكاملة بشأن الانتهاكات الجسيمة، بما يشمل ظروف وقوعها والمسؤولين عنها والجهات التي ساهمت في تنفيذها أو التستر عليها.
واعتبرت أن قضية كمال عماري لم تعد قضية تخص عائلته وحدها، بل تحولت إلى قضية مجتمعية ترتبط بمدى حماية الحق في الحياة وبقدرة المؤسسات على ضمان العدالة والإنصاف. كما أكدت أن كشف الحقيقة وتحقيق العدالة يشكلان مدخلا أساسيا للحد من الانتهاكات، وترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون.
ودعت البراهمة، في ختام مداخلتها، إلى مواصلة التوثيق والترافع بشأن الملف، والاستفادة من الآليات الأممية المتاحة، وإعادة طرح الملف أمام المقررين الخاصين بالأمم المتحدة، وتوسيع شبكات التضامن بين عائلات الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان، مؤكدة أن الوفاء لذكرى كمال العماري يمر عبر مواصلة النضال من أجل الحقيقة والعدالة وعدم التكرار، والعمل من أجل قضاء مستقل فعليا يضمن المساواة أمام القانون ويحصن الحقوق والحريات.