ذة. جابري: المناسك الموحدة في الحج تهدف إلى “تعميق معاني الانتماء إلى أمة الإسلام الواحدة” (حوار)

Cover Image for ذة. جابري: المناسك الموحدة في الحج تهدف إلى “تعميق معاني الانتماء إلى أمة الإسلام الواحدة” (حوار)
نشر بتاريخ

اعتبرت الأستاذة فتيحة جابري في حوار مطول أجريناه معها في “بوابة العدل والإحسان” أن الحج يعد بمثابة مؤتمر سنوي يفد إليه المسلمون من شتى بقاع الأرض، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا ربهم، موضحة أنهم في هذا النسك الجميل، يتجردون من لباسهم المألوف، فيلبسون لباسا موحدا (لباس الإحرام) يحمل معاني التجرد من زينة الحياة، ويذكرهم بلباس مغادرة الحياة والقدوم على الله (لباس الكفن)، ثم يقومون بشعائر موحدة في أمكنة موحدة في أزمنة موحدة… متوجهين بأجسادهم إلى قبلة واحدة، وبقلوبهم إلى ربهم الواحد الأحد الفرد الصمد.

ومن شأن هذه الشعائر الموحدة، تضيف الباحثة في المركز الدولي للقيم الانسانية والتعاون الحضاري بلندن في هذا الحوار، “أن تؤلف قلوب الحجاج على كلمة سواء، فيعمقون معاني الانتماء إلى أمة الإسلام الواحدة” مصداقا لقوله تعالى: وَأَنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[المؤمنون، 53]، وتزداد مودتهم ومحبتهم لأهل الإسلام، وتتمتن بينهم أواصر التعارف والتآلف والتضامن، فيعيشون آمال وآلام أمتهم، ويكونون كالجسد الواحد المنشود.

وتطرقت المتخصصة في الدراسات الإسلامية إلى آداب كثيرة ينبغي للمقبل على الحج أن يتحلى بها، منها “الرفق”، حيث إن الله تعالى يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. ومنها “مساعدة الآخرين”، وإعطاء الأولوية للعجائز، لافتا إلى أن المرء قد ينال من الأجر والثواب على الخدمة ما لا يناله على العبادة.

ومن تلك الآداب “إدخال السرور على مسلم وطرد الجوع عنه وكظم الغيظ، والمشي في قضاء حوائج الآخرين أحب إلى الله ورسوله من الاعتكاف شهرا في المسجد النبوي”. مذكرا بأهمية الاستعانة بالصبر والعفو عن الأخطاء والزلات، والابتعاد عن السب والشتم حتى لا يقع في محظورات الحج.

وفيما يأتي نص الحوار كاملا:

1 – جعل الله تعالى الحج خامس أركان الإسلام، ما الذي يجعله مختلفا عن باقي العبادات من حيث أثره في تربية النفس وتغيير السلوك؟

يحل علينا كل عام ضيف خفيف الظل، تتجسد فيه المساواة بين الخلق في أوضح صورها، ويتجلى خلاله انتماء الناس كلهم لأمة الإسلام على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وعاداتهم وأماكنهم… إنَّه الحجُّ. وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم[الحج، 27- 28]

وقد شرع الله سبحانه الحج ليكون مدرسة تربوية متكاملة تختلف عن باقي العبادات في أثرها على النفس والسلوك، فالمتأمل في شعائر هذه العبادة، ومناسكها يستشعر المعاني والمقاصد الإيمانية الرفيعة والدلالات التربوية العظيمة التي يشعر بها الحجاج أثناء تأديتهم لهذه الفريضة.

عندما يرحل المؤمن من بيته، ويحل بتلك البقاع الطاهرة مُلبيا النداء، فهو يتحرر في الحقيقة من مكانٍ يتسم بنظام حياة معين، مثل باقي الناس، هذا النظام تطغى عليه أساسا مشاغلُ الدنيا وهمومها، سواء كانت تجارة أو وظيفة، أو غير ذلك من أسباب كسب العيش.

لما يقف العبد أمام الكعبة، ينتابُه شعور جيَّاشٌ ممزوج بالحنين والهيبة، فتنهمر دموعه، رغم أنه يقف أمام صخر أصَم لا يضر ولا ينفع. في هذا المكان يستحضر الإنسان المَوطئ الذي حل به أبونا إبراهيم عليه السلام، وتلقّى فيه الدعوة من رب العالمين من أجل النداء للحج، فيشعر الإنسان أنه حنيفي مسلم على ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، وعلى ملة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الذي عاش طفولته، وبلّغ رسالة ربه بعد البعثة في هذا المكان صابرا محتسبا لتصلنا الرسالةُ بيضاء نقية من أي شائبة.

حينما يطوف الإنسان حول الكعبة، فيجعلها عن يساره متجها عكس عقارب الساعة، يحس أنه على اتساق تام مع الأجرام السماوية التي تتحرك على نفس المنوال.

وعندما يقف الناس يوم عرفة، مرتَدين نفس اللباس، واقفين أو قاعدين، كل واحد منهم يناجي ربه ويتضرع إليه بالدعاء ليغفر ذنبه ويتجاوز عن تقصيره، نادما على ما فرط في جنب الله من عمره، في هذا الموقف المهيب تذوب كل الفوارق من جاه أو سلطة أو مال أو غيرها وتنمحي.

 يخبرنا هذا الموقف أن هذه الفوارق إنما هي وهمية لا تساوي عند الله حبة ذر من تراب الأرض، فكل الناس سواسية عند الله كأسنان المشط لا يتمايزون إلا بالتقوى.

وفي الحج يتعلم الحاج ذكر الله تعالى والمداومة عليه والإكثار منه. قال تعالى: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير[الحج، 28]

ويتربى الحاج على أخلاق الصبر على المشاق والعفو والحلم والرحمة والكرم والإحسان إلى الخلق، لقوله جل وعلا: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج[البقرة، 196]

ومن يتقبل الله حجه، ويرجع كمَن ولدته أمه لتوِّه، لا يمكن إلا أن يتعزز لديه شعوره بانتمائه للإسلام واعتزازه به، ويسقط من عينه ذلك الميزان الأعوج الذي يحكم على الخلق بأدوات الحواس التي تحكم على الأشخاص انطلاقا من صورهم، وسلطتهم، ومالهم… ليحل محله الميزان السوي الذي يميز الرجال من خلال أخلاقهم ومعاملاتهم وبذلهم في سبيل الله.

2 – يرد على الأرض الطاهرة الناس من كل بقاع المعمور على اختلاف أجناسهم ولغاتهم ومكانتهم الاجتماعية، وهذا بالتأكيد يربي الحاج على استشعار المساواة والانتماء لأمة الإسلام، كيف ذلك؟

يعتبر الحج مؤتمرا سنويا يفد إليه المسلمون من شتى بقاع الأرض، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا ربهم.

وفي هذا النسك الجميل، يتجردون من لباسهم المألوف، فيلبسون لباسا موحدا (لباس الإحرام) يحمل معاني التجرد من زينة الحياة، ويذكرهم بلباس مغادرة الحياة والقدوم على الله (لباس الكفن)، ثم يقومون بشعائر موحدة في أمكنة موحدة في أزمنة موحدة… متوجهين بأجسادهم إلى قبلة واحدة، وبقلوبهم إلى ربهم الواحد الأحد الفرد الصمد.

ومن شأن هذه الشعائر الموحدة أن تؤلف قلوب الحجاج على كلمة سواء، فيعمقون معاني الانتماء إلى أمة الإسلام الواحدة وَأَنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[المؤمنون، 53]، وتزداد مودتهم ومحبتهم لأهل الإسلام، وتتمتن بينهم أواصر التعارف والتآلف والتضامن، فيعيشون آمال وآلام أمتهم، ويكونون كالجسد الواحد المنشود. “مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى” 1.

3 – هذا الاجتماع الكبير والمتفرد يوجب التحلي بأخلاق الرحمة والإيثار والإحسان للضعيف.. ما نصائحك للمقبل على الحج في هذا الباب؟

يفد إلى الحج كل عام رجال ونساء على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية ضيوفا للرحمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألهم فأعطاهم” 2.

فالحجاج يقصدون بيت الله الحرام شوقا ومحبة وتعظيما لهذه الشعيرة قال تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب[الحج، 32]

ومن أعظم الأخلاق التي يجب على الحاج أن يتحلى بها:

-الرفق، فالله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .

-مساعدة الآخرين، وإعطاء الأولوية للعجائز ،فقد ينال المرء من الأجر والثواب على الخدمة ما لا يناله على العبادة، أخرج أبو القاسم الأصبهاني بإسناده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ فقال: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام” 3

فإدخال السرور على مسلم وطرد الجوع عنه وكظم الغيظ والمشي في قضاء حوائج الآخرين أحب إلى الله ورسوله من الاعتكاف شهرا في المسجد النبوي.

-قد يكثر عدد الأشخاص في الغرف، مما يؤدي إلى كثرة الخلاف والمشاحنات وفي بعض الأحيان النزاعات فعلى الحاج أن يستعين بالصبر والعفو عن الأخطاء والزلات، ويبتعد عن السب والشتم حتى لا يقع في محظورات الحج الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚفَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[البقرة، 197].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه” 4

– المحافظة على الأماكن المقدسة وعدم ترك الأوساخ في الغرف حتى لا يتأذى الحجاج من ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الأصحاب عند الله خيركم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيركم لجاره” 5. ومن حسن الجوار ترك المكان نظيفا، ومن الإحسان ترك المكان أفضل مما كان.

-احترام النظام العام، فارتفاع الكثافة السكانية في موسم الحج وعدم الالتزام بالتعليمات، كعدم الالتزام بالتفويج في مواعيد رمي الجمرات مثلا، والافتراش والنوم في الطرقات من بين الأسباب التي تؤدي الى الازدحام وبالتالي الحوادث.

نسأل الله أن يرزق الحجاج حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا.

4 – حين يخلع الحاج لباسه المعتاد ويلبس الإحرام، ما المعاني التربوية التي يمكن أن يستشعرها؟

يُعد ارتداء الإحرام عند الشروع في مناسك الحج أو العمرة نقطة تحول روحية عميقة في رحلة المسلم، فبمجرد أن يخلع الحاج لباسه المعتاد ويرتدي ثوبي الإحرام الأبيضين تنتابه فيوضات من المشاعر والمعاني تعيد تشكيل نظرته للحياة الدنيا والآخرة، وتعزز من صلته بخالقه، ومن ذلكم ما يلي:

– التجرد لله وحده وإخضاع النفس بين يدي الله تعالى: يستشعر أنه تجرد من الدنيا وزينتها كأنه يقول: “يا رب جئتك لا أملك إلا رجائي في عفوك ورحمتك”، وكذا تطهيرها من العجب والغرور، والشعور بالمبادئ السامية، مما يكسر الكِبر ويزرع فضيلة التواضع في القلب.

– تذكر الآخرة: فالإحرام يشبه قطعتين بيضاوين لا جيوب فيها ولا زينة، يستشعر الحاج أنه سيخرج من الدنيا كما دخلها وأنه سيقف بين يدي الله يوم القيامة بهذا التجرد.

– المساواة: تتساقط الفوارق الطبقية والاجتماعية، فلا فضل للغني على الفقير، ولا للأبيض على الأسود، ولا للعربي على الأعجمي، فيتربى على أن الكرامة بالتقوى لا باللباس والمظهر.

– الوحدة والأخوة الإسلامية: فالحجاج من كل الجنسيات والألوان يلبسون نفس اللباس، فيستشعر الحاج أنه جزء من أمة واحدة، قبلتها واحدة وربها واحد، فيذوب الشعور بالعنصرية والقبلية، ويتربى على معنى إنما المؤمنون إخوة.

– ضبط النفس ومجاهدة الهوى: بمجرد لبس الإحرام تبدأ المحظورات: لا تطيب، لا جدال، لا رفث، لا فسوق… فيستشعر الحاج أنه دخل “دورة تدريبية” لضبط النفس. اللباس نفسه يُذَكِّرُهُ أنه في حالة خاصة تتطلب مراقبة الله في كل حركة، يتربى على ترك ما يُحبُّ لله تعالى.

– التحرر من عبودية المظاهر: إذا كان الإنسان أسيرا لملابسه وشكله أمام الناس، فإنه بالإحرام يتحرر من هذا القيد ويستشعر أن قيمته ليست فيما يلبس، بل فيما وقر في قلبه، فيعيد ترتيب الأولويات عنده ويكسر صنم المظهر الاجتماعي.

نخلص للقول إن لبس الإحرام يقمع شهوات النفس والأهواء، ويبعد الناس عن التفكير في الدنيا، ويوجه الإنسان إلى الخالق والتفكير بقدسيته وعظمته وجلاله، ويؤدي إلى سمو الروح وترقي الوجدان والضمائر، وإظهار الخضوع والتواضع لله تعالى، والبعد عن شوائب الكبرياء والغرور، وعلاج أمراض النفس من حب الاستعلاء ومزامنة الحقد والشحناء، وإخلاص العمل لله جل جلاله.

5 – ما الرسائل الإيمانية والتربوية التي نستفيدها من التلبية: «لبيك اللهم لبيك»؟

للحديث عن التلبية، يجب أن نعود بذاكرتنا الإيمانية آلاف السنين إلى الوراء، إلى اللحظة التي انتهى فيها خليل الله إبراهيم عليه السلام من بناء الكعبة المشرفة. حينها أمره الله سبحانه وتعالى أن يؤذن في الناس بالحج، فوقف إبراهيم على المقام، وقيل على جبل أبي قبيس، ونادى بأعلى صوته داعياً عباد الله لزيارة بيته المحرم. وتذكر الروايات التاريخية والإيمانية أن الله أوصل صوت إبراهيم إلى كل من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فكل من كتب الله له الحج إلى يوم القيامة أجاب ذلك النداء قائلاً “لبيك اللهم لبيك”.

إن معنى “لبيك اللهم لبيك” يتجاوز اللفظ ليكون منهج حياة؛ فهو إقرار بأن النعمة كلها من الله، وأن الملك كله لله، وأن الحمد لا يستحقه على الحقيقة إلا الله. عبارة “إن الحمد والنعمة لك والملك” تلغي ذاتية الإنسان وغروره، وتجعله يدرك حجمه الحقيقي كعبد في ملكوت الله الواسع. هذا الإعلان المتكرر طوال رحلة الحج يعمل غسيلاً دورياً للقلب، يطهره من شوائب الرياء والاعتماد على الأسباب، ليبقى التعلق برب الأسباب وحده.

قال ابن القيم 6 رحمه الله: وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:

إحداها: أن قولك لبيك يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.

الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم امرأة لبة أي محبة لولدها.

الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل: هي من الإقامة أي أنا مقيم على طاعتك.

الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل أي خضوعا بعد خضوع من قولهم: أنا ملب بين يديك أي خاضع ذليل.

الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص ولهذا قيل: إنها من اللب وهو الخالص.

السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه.

السابعة: أنها تتضمن التقرب من الله ولهذا قيل: إنها من الإلباب وهو التقرب.

الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعاراً لانتقال من حال إلى حال ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة سبعاً للانتقال من ركن إلى ركن؛

التاسعة: أنها شعار لتوحيد ملة إبراهيم الذي هو روح الحج ومقصده بل روح العبادات كلها والمقصود منها، ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها.

العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له.

الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله وأول من يدعي إلى الجنة أهله وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.

الثانية عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق أي النعم كلها لك وأنت موليها والمنعم بها.

الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده فلا ملك على الحقيقة لغيره.

فلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

6 – كيف يعلمنا الطواف حول الكعبة أن تكون حياة المؤمن متمحورة حول العبودية لله تعالى؟

قال الله تعالى: وليطوفوا بالبيت العتيق[الحج، 29] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله’7.

شرع الله تعالى الطواف حول الكعبة المشرفة على هيئة مخصوصة وضمن ضوابط محددة تعظيما لشأنها، فمن امتثل لأمر الله وعظم شرائعه وشعائره حظي بخير وفير، وما أعظمه من فوز، إنه الارتقاء لدرجة التقوى، إذ يقول سبحانه وتعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب[الحج، 32]

الطواف عبادة تُظهر الافتقار إلى لله والتوجه بالقلب والجوارح لله سبحانه وتعالى، يقوم فيها المسلم بالطواف والدوران حول الكعبة سبعة أشواط تعبُّدا لله وامتثالا.

وفي الطواف تشبه بملائكة الرحمن، الحافين حول العرش مصداقا لقوله تعالى: وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم[الزمر، 75]، وفيه تصعيد للروح وعروج بها إلى ملكوت الله بالقلب والفكر، وتذكير دائم بصاحب البيت وهو الله جل في علاه، وتجديد العهد مع الله على الإقرار بألوهيته ووحدانيته، ذلكم العهد الإلاهي المشار إليه في قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين[الأعراف،172]

وإذا كان الطواف يصحبه الذكر والتكبير والدعاء دون انقطاع، فهذا يذكرنا بمقصدِ وجود الخلق في هذا الكون، ألا وهو تحقيق العبودية التامة لله بدوام ذكره من غير غفلة، يقول الله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[الذاريات،56]. ومن أسرار الطواف أيضا تذكر ماضي الإسلام وجهاد نبي الله وصحبه الكرام في نشر دعوة الله، وتحطيم معاقل الشرك، وهدم معالم الوثنية، وتهاوي الأصنام، وانتصار دعوة الحق، وهذا من شأنه بعث الشوق والتذكير بالانتماء للدين وتجديد الولاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

فما أجمل أن تكون حركات المؤمن وسكناته لله وبالله ومع الله قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَريكَ لهُ وبذلك أُمرتُ وأنا أوَّلُ المسلمين[الأنعام، 164-165].

7 – ما الحكمة التربوية من السعي بين الصفا والمروة، وما الذي نتعلمه من قصة أمنا هاجر عليها السلام؟

الحكمة التربوية من السعي بين الصفا والمروة تتلخص في نقاط كثيرة نذكر منها:

– الاستغناء بالخالق عن الخلق: وهو ما نلمسه في الحوار الذي دار بين أمنا هاجر وإبراهيم عليه السلام حيث قالت: “آلله أمرك به؟ قال: “نعم” قالت: “إذا لن يضيعنا”. فحل اليقين محل الشك والاطمئنان بدل القلق، والتسليم لأمر الله.

– الارتباط بالمسبب لا بالسبب: امرأة بعمر سيدتنا هاجر، مسنة، وحيدة، بلغ منها الجهد في السعي، يبهرها عطاء الله وينبع الماء تحت قدم صغيرها لا لشيء، فقط لتعلم ويعلم المسلمون بعدها أنّ التعلق بالمسبِّب هو الأصل.

– مزاولة السبب ضرورة في كل الأحوال: “قولها: لن يضيعنا” هو يقين لا يغني عن أخذ الأسباب، فالحفاظ على السببية أمر ضروري، سواء أدت إلى المطلوب أم لم تؤد. فالقلب يتوكل والجوارح تعمل ولا تعارض بينها.

– وما نتعلمه من قصة أمنا هاجر عليها السلام أن سعيها كان بحثا عن الماء رحمة بصغيرها واستمطارا لرحمة الله، وسعينا في الدنيا هو أيضا سعي لأجل رحمة تدخلنا في عباده الصالحين الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون… نعم سبحانه المعطي يعطي من يشاء بغير حساب… لكن أخذ الأسباب أمر محتوم؛ فأمنا هاجر أحيت إيمان أمة وخلد الإسلام ذكراها، احتفاء بصبرها وأخذها بالأسباب وعدم اعتراضها ويقينها في موعود الله، وهو الأمر الذي علينا أن نحذو حذوه؛ فنجمع بين اليقين توكلا، وبين بذل الأسباب استفراغا للجهد… وهو ما ينبغي أن يعمل به كل مسلم.

8 – كيف يربي الوقوف بعرفة المسلم على التوبة ومحاسبة النفس واستحضار الآخرة؟

إنّه يوم مشهود، ذلك اليوم التاسع من عرفة، حين يقف ملايين الحجيج في صعيد عرفات، يجأرون إلى ربهم بالدعاء، رافعين أكفَّ الضراعة والافتقار، راجين رحمة ربهم الغفور الرحيم، يلبسون لباس الإحرام، متجردين من كل زينة الحياة.

إنه يوم التجلي الإلهي، يوم العفو والغفران والعتق من النيران، فعن جابر رضي الله عنه، مرفوعا: “ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجِّين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار، من يوم عرفة” 8.

إنّ الوقوف بعرفات نموذج وتقريب للوقوف الأعظم بين يدي رب العزة والجبروت يوم الحساب والجزاء، ذلك اليوم المشهود الذي يجمع الله فيه الخلائق جميعها في أرض الساهرة للحساب والجزاء، فيقضي بينهم بعدله ورحمته، ويجزي كل نفس بما كسبت.

9 – ما المعاني التي يرمز إليها رمي الجمرات، وهل يمكن للمسلم أن يطبقها في حياته اليومية؟

رمي الجمرات من شعائر الحج الواجبة على كل من قام بهذا الركن العظيم وليس مجرد حركة جسدية بل هي مدرسة في مقاومة الشيطان ظاهرا وباطنا. ولنعلم أن الشيطان لا يهزم بحجر يرمى بل يهزم باتباع المعاني الإيمانية التي تحملها ومنها:

– طاعة الله واتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأبينا إبراهيم عليه السلام.

– العداوة الدائمة للشيطان وحزبه: مجاهدة للنفس ورفضا لوساوس الشيطان ومكره، فالرمي يذكر الإنسان بقوله سبحانه: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا[فاطر، 6]

– التجرد من الحول والقوة، والتذلل لله سبحانه، والافتقار لله عز وجل.

– التربية على اليقظة الروحية: فعلى الحاج أن يستمر في رمي الشيطان، برمي الكِبر والحسد والشهوات والكسل عن الطاعات.

– الحذَر من خُطوات الشيطان وحِباله: توقِّيا للفتن وأسبابها ومداخلها…

فالجمرات وإن كانت حصوات صغيرة، لكنها ترمز إلى حرب عظيمة يخوضها المؤمن مع الشيطان مدى حياته.

فالمقصود الأعظم من الرمي هو تحقيق العبودية، ومجاهدة النفس والشيطان ومخالفتهما. أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ[يس، 59-60]

10 – كيف يمكن للحج أن ينقل المسلم من مجرد أداء المناسك إلى بناء أخلاق أفضل وعلاقات أرحم مع الناس؟

يعتبر الحج فرصة للتطهر من الذنوب والخطايا، وتحقيق التوبة النصوح والعتق من النار، وتذكر الآخرة والاستعداد للقاء الله.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول “من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”. والحج ملتقى عالمي سنوي للمسلمين، يتجسد فيه الشعور بوحدة الانتماء للدين والأمة وتتمتّن فيه أواصر الأخوة والتضامن والمواساة والإحسان.

والحج مدرسة لتعلم الصبر والتحمل، واكتساب الإرادة القوية، والتحلي بأخلاق الإيثار والبذل والجود.

فالحاج يواجه الزحام والتعب واختلاف الطباع، فيتدرب على كظم الغيظ واحتمال الناس بلطف، وهذا ما ينعكس على حياته بعد الحج داخل أسرته ومجتمعه.

وكذلك تترسخ قيمة المساواة وتعميق الرحمة والتعاون، لأن الفروق الاجتماعية تختفي في الإحرام، فيتساوى الحاكم والمحكوم، فيشعر المسلم أن قيمة الإنسان ليست بالمظهر أو المال بل بالتقوى وحسن الخلق يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير[الحجرات، 13]

وكذلك نجد الحجاج يتبادلون الطعام والماء والمساعدة فيتعلم المسلم الحقيقي أن الإيمان لا ينفصل عن خدمة الناس والإحسان إليهم.

 وكذلك نجد أنّ الحاج يتقوى لديه الشعور بالمسؤولية الأخلاقية، فعندما يقف بعرفة متأملا ذنوبه وضعفه يدرك حاجته إلى إصلاح علاقاته مع الخَلق، وردِّ المظالم والعفو عن الناس، فيعود من الحج بروح أكثر صفاء ورحمة.

وبناء على ما سبق يمكن القول إن الحج الحقيقي هو الذي يغير أخلاق صاحبه ويحول العبادة من شعائر مؤقتة إلى سلوك دائم، يقوم على الرحمة والخدمة والتواضع والإحسان.

11- ما العلامات التي تدل على أن الحج كان مبرورا وأثمر تغييرا حقيقيا في حياة صاحبه؟

نعلم جميعا أن الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة التي بُني عليها الإسلام، إذ يمثل بالنسبة للحاج ولادة روحية إذا لم يرفث ولم يفسُق، كما يُعتبر بالنظر إلى ما يُقدِّم الحاج فيه من جهد وعناء جهادا لا شوكة فيه، حيث عدّه النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله. فعن أبي هريرة رضي الله عنه “سألَ رجلٌ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: الإيمانُ باللَّهِ. قالَ: ثمَّ ماذا؟ قالَ: الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ. قالَ: ثمَّ ماذا؟ قالَ: ثمَّ الحجُّ المبرورُ” 9.

ومن أفضال الحج المبرور أن وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبَه بالجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: “الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة، والعمرةُ إلى العمرةِ تكفيرٌ لما بينَهُما” 10. يُفهم من هذا الحديث أن الحج المبرور هو أرقى مراتب الحج وأصحّه وأتقنه، وهو الحج المقبول عند الله تعالى الخالي من الرّفث والفُسوق والجدال.

وقد جعل رسول صلى الله عليه وسلم للحجّ المبرور علامتين مهمّتين يُعرف بهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحجُّ المبرورُ ليسَ له جزاءٌ إلا الجنة، قالوا: يا نبيَّ اللهِ، ما الحجُّ المبرورُ؟ قال: إطعامُ الطعامِ وإفشاءُ السلامِ”أ 11 وفي رواية أخرى قال: “إطعامُ الطَّعامِ، وطِيبُ الكلامِ”. فكانت من خلال الحديث العلامة الأولى هي: إطعام الطعام، والعلامة الثانية هي: طيبُ الكلام الذي يقصد به إفشاء السلام أو هو مظهر من مظاهره لأن طيبَ الكلام أعمّ من إفشاء السّلام.

وتلك علامتان بَعديتان، وفيهما إشارة لتعدّي أثَر الحج المبرور صاحبَه، بحيث يضاف إلى استفادة الحاجّ في سلوكه الإيماني في علاقته بالله عز وجل، تحقّق الاستفادة المجتمعية تضامُنا ومواساة من خلال “إطعام الطعام”، وتخلُّقا وأمنا من خلال “لإفشاء السلام”. مما يفتل في حبل الجمع بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي.

 

 

  

 


[1] [رواه البخاري ومسلم واللفظ له]
[2] رواه البزار بإسناد جيد
[3] رواه الطبراني.
[4] رواه ابن ماجه.
[5] رواه الترمذي.
[6] انظر: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 1/333 وما بعدها
[7] رواه أحمد وأبو داود.
[8] رواه ابن حبان وابن خزيمة وغيرهما، وأصله في صحيح مسلم
[9] أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي واللفظ له
[10] أخرجه البخاري ومسلم باختلاف يسير.
[11] خرجه أحمد.