بتاريخ 15 ماي 2026 تمرّ ثمان وسبعون سنة على نكبة فلسطين، وما تزال النكبة مستمرة بأشكال أكثر قسوة ووحشية. لم تعد النكبة حدثاً مؤرخاً في ذاكرة الفلسطينيين والأحرار فقط، بل صارت عنواناً دائمًا لمأساة شعب فلسطين، يعاقب لأنه تمسّك بحقه، ولجريمة استعمارية تتجدد كل يوم تحت سمع العالم وبصره بمختلف هيآته ومؤسساته.
ثمانية وسبعون عامًا مرّت منذ أن اغتُصبت فلسطين، لكن النكبة لم تكن يومًا ذكرى تُستعاد، بل جريمة مستمرة تتجدد فصولها كل صباح على مرأى عالمٍ اختار أن يرى ولا يتحرك، أن يسمع صراخ الضحايا ثم يواصل صمته كأن الدم الفلسطيني أقلّ إنسانية من دماء الآخرين.
في ذكرى 15 ماي 1948، لا نستحضر مجرد صفحة من التاريخ، بل نستحضر مسارا متواصلا من الاقتلاع والتهجير والتطهير العرقي، ومن محاولات محو الإنسان الفلسطيني من أرضه ووعيه وذاكرته.
وها نحن اليوم نرى الكيان الصهيوني بوجهه الأكثر بشاعة، بمشروعه الاستيطاني في غزة الجريحة، وفي القدس المستباحة، وفي الضفة التي تنهشها آلة الاستيطان والضم، وفي الأسرى الذين يواجهون بإرادتهم الحرة قانونا عنصريا يسعى إلى كسر صمودهم.
لقد كشفت معركة طوفان الأقصى ما لم يكشفه غيرها، كشفت أمام العالم والمنتظم الدولي حقيقة الكيان الصهيوني وراعيته الإدارة الأمريكية؛ كشفت وبينت أن كيان لا يتردد في الإبادة الجماعية، ولا يتورع عن هدم المقدسات، واستباحة المسجد الأقصى المبارك بكل الطرق ومنها الاقتحامات المتكررة من قبل المستوطنين وبحراسة الشرطة.
فضح الطوفان وأكد صفاقة الاحتلال في خرق كل المواثيق الدولية، مستفيدا من صمت دولي مخز، ومن تواطؤ رسمي عربي يطيل عمر الجريمة ويمنح القاتل مزيدا من الجرأة.
وفي المقابل، يقف العالم الرسمي متواطئا وعاجزا، بينما يواصل المطبعون منح القاتل شرعيةً زائفة، كأن المصافحة يمكن أن تُخفي رائحة الدم، وكأن الاتفاقيات تستطيع أن تمحو ذاكرة الشعوب.
فلسطين عموما وغزة العزة بوجه خاص، تعلم العالم معنى الصمود ومعنى الكرامة ومعنى الأخلاق العالية والسامية. فمن تحت الركام يولد الأمل، ومن بين الزنازين تُصاغ الحرية، ومن دماء الشهداء تنبت حقيقة لا تزول: أن الاحتلال إلى زوال، وأن الشعوب الحية لا تنسى ولا تساوم على حقوقها.
إن تخليد النكبة ليس طقسًا مناسباتيا عابرا، بل هو فعل وعي ومقاومة وتجديد للعهد مع فلسطين؛ عهدٌ بأن تبقى القضية حية في ضمائرنا، وأن يستمر دعمنا السياسي والشعبي والثقافي والإعلامي…. وأن نظل أوفياء للقدس والأقصى، رافضين للتطبيع، مناهضين للاستبداد والفساد، منحازين للحق والحرية والكرامة الإنسانية.
فلسطين ليست قضية شعبٍ وحده… إنها قضية أمة، ومعيار أخلاقي يفضح الصامتين ويكرم الصامدين. وستبقى فلسطين حرة في الوعي، حتى تتحرر كاملة على الأرض بإذن الواحد الأحد.
والله غالب على أمره.